قراءة في كتاب “من مضايق الحداثة  إلى فضاء الإبداع الإسلامي والعربي”

كتب بواسطة أمخشون مصطفى

استهل خالد حاجي كتابه الموسوم بـ ” من مضايق الحداثة  إلى فضاء الإبداع الإسلامي والعربي” بالقول أن ما بين مقالات هذا الكتاب، على ظاهر التباعد في الموضوعات والعناوين، تقاربا من حيث كونها تحاول الإجابة على سؤال جوهري مؤداه: كيف نكسر طوق الغرب المضروب حولنا فنحصل إمكانات الإبداع في الوجود؟

من منطق النهضة الغربية إلى فلسفة العمران القرآنية

يرى هنا أنه “ليس من سبيل لتنفيس الخناق الذي تحسه البشرية اليوم في ظل العولمة إلا الخروج من تاريخ العقل المؤسس لها والانعتاق من ثنائيات هذا العقل. وبالرجوع إلى مقدمة ابن خلدون، نعثر على منطق تاريخي متميز يؤسس لفعل الإنسان في التاريخ تأسيسا مغايرا بعيدا عن ثنائية العقل الثائر ويقينياته، وعن عدمية العقل الحائر وتذبذباته. فبعد استنطاق لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية وقراءة في أنماط عمرانها، يخلص ابن خلدون إلى مقولة “العمران البدوي” وهي مقولة تستلهم الوحي القرآني في العمق، فتتحرر من سجن “الأنا”  و”الآخر” لتخاطب العرب والحجم فتذكر الإنسان بمسؤولياته”[1].

من هذا المنطلق يعتبر خالد حاجي أن العقل الذي يتحرك في فضاء عمراني بدوي منفتح على الطبيعة المتجددة والمتحركة باستمرار، عقل لا يطمح إلى سجن حقيقة هذه الطبيعة، بل ينطلق من الاقتناع البدوي الأول الذي مفاده أن المعرفة المطلقة هي إقرار بعجز الإنسان وعدم قدرته على تحنيط حقيقة المتحركات في قالب ذهني جامد وثابت. ولذلك يكون المطلق ي العمراني البدوي مطلقا لغويا شعريا يشير إلى الكون ويجعلها محط تأمل.

ولا شك أن للخلفية القرآنية دورا مهما في بلورة فلسفة العمران الخلدونية. “إذا كان مسطور العقل الثائر ومنطوقه يقول بأن التاريخ هو عملية إخراج الإنسان من ظلمات البداوة إلى أنور الحضارة، فإن القرآن يذكر في أكثر من مقام بأن الذي يخرج من الظلمات إلى النور هو الله. ذلك أن الله هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود وإلى الحضور. ومعنى ذلك أن التاريخ المطلق هو التاريخ الإلهي على وجه التحديد، وأما ما سواه هي مجرد تواريخ نسبية”[2].

وعلى هذا فحين يدرك العقل البعد الديني لحضوره في الأرض، ينبو بهذا الإدراك عن الحاجة إلى الالتحاق بتاريخ معين مجرد، فيشرع في خلق تاريخه الخاص به القائم على التجربة المكانية، وهو يعي تمام الوعي أن هذا التاريخ نسبي لا يصح بوجه من الوجوه رفعه  إلى مستوى المطلقية. إن القول بالتاريخ المطلق المؤسس له من طرف العقل المطلق هو قول ينم عن الرغبة في الاستئساد والتسلط وفرض نمط حضاري خاص على بقية ثقافات العالم.

من هنا يكون “حري بالعقل الذي يلم بهذه الحقيقة القرآنية أن ينتفض ضد كل عقل يدعي التأسيس لوجود ولتاريخ مطلقين، حتى يتمكن من دعوة البشرية إلى التاريخ المطلق الحقيقي الذي لا يتجسد في تجربة حضارية واحدة معينة”[3].

قضية المرأة

إن مسألة المرأة –مثلها مثل باقي المواضيع المطروحة للنقاش في عالمنا العربي- تستدعي وقفة تأملية مطولة عند جذورها، بعيدا عن النقاش الظرفي المخفي للصواب، والمغيب لحقيقة وطبيعة معاناة المرأة في الواقع.

ويرى خالد حاجي بداية يحق لنا أن نتساءل عن مشروعية الحديث عن المرأة كجزء منفصل عن المجتمع الذي تعيش فيه، كما يحق لنا بعدها أن نؤرخ لوعي المرأة بذاتها بوصفها ذاتا مستقلة عن الرجل يقول هنا: “إن فصل المرأة عن باقي شرائح المجتمع ينم في العمق عن حالة مرضية وعن خلل في التوازن وخبل وجنون. فالمجتمع الصحيح مثله مثل الجسم الصحيح تندمج أعضاؤه في بعضها البعض اندماجا لا يجعل الإنسان يحس بهذا العضو دون ذاك”[4].

يستحضر هنا خالد حاجي حديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. وقياسا على هذا الحديث وبعبارة أخرى إذا كانت المرأة تعاني في مجتمع ما، فهذا يعني أن المجتمع بأكمله يعاني، وذلك لأنها مجرد عضو في جسم يتألف منها ومن الرجل، أخيها وأبيها وزوجها… فلماذا تعمد بعض الدوائر إلى الاستحواذ على معاناة المرأة وتوهم المتتبع بأن هذه المعاناة تلحقها وحدها كذلك مستقلة دون غيرها؟

مستقبل الإنسان بين الغيبوبة الثقافي ومخطط الانتحار الحضاري:

أمام تضاعف القلق وانسداد الأفق وضيق الأرض في ذيل القرن العشرين وبادئة ألفية جدية، يهرع الكثيرون من أصحاب الفكر إلى التبشير بعهد جديد وتطورات علمية جلوبة للسعادة دافعة للكآبة. ولكن هؤلاء – في نظر خالد حاجي- ومن صار على نهجهم في التفكير يتعامون عن أحداث القرن العشرين الهمجية وليدة التطورات التكنولوجية التقنية، فيحصرون متاع الإنسانية فيما تعد به الشبكات الإعلامية من قدرات فائقة مسهلة للتواصل بين أفراد البشرية عبر القارات، وهم بالحديث عن ثورة التكنولوجي وثورة المعلومات إنما يشغلون الجاهل ويمكنون لأصحاب السوق ويساهمون في تسريع وتيرة الركض باتجاه نقطة الانتحار الحضاري.

إن المتفائلين المبشرين بغد أفضل وبعلم أقدر على حل مشاكل الكرة الأرضية غافلون عن وجه الصحة والبطلان في دعواهم إلى التفاؤل. فإذا كانت دعواهم إلى التفاؤل تصح، فذلك لأن فطرة الإنسان تملي عليه التطلع إلى حياة أفضل والتمسك بالأمل في بلوغ عالم أجمل، حتى وهو يلاقي من الظروف تعاسة ومن الواقع خناقا.

ويرى خالد حاجي أن الركض وراء عالم الصناعة الذي لا يبلغ الكمال إلا في المستقبل هو جوهر مقولة التطور وهو مظهر رئيس من مظاهر الغيبوبة الثقافية التي يعاني منها الغرب. “فإذا كانت  بفعل الاحتكاك مع الغرب نهرب نحو الماضي، فالغرب يهرب نحو المستقبل، وكلانا مغترب على طريقته”[5].

الحكمة والتداخل بين الفكري والأدبي:

يقول هنا خالد حاجي لقد صارت الحداثة مرادفة للتطور والتقدم داخل التاريخ، وصار ما سواها عنوانا للتخلف والعيش خارج التاريخ، وصارت العلوم والفنون تصنف تبعا لمنطق الحداثة وفق مدى قدرتها على المساهمة في إلحاق الأمم والثقافات بأعلى مراتب الوجود في هذا التاريخ. ألا ترى أن الكثير من الدارسين يذهبون إلى تصنيف العقول تصنيفا يبرز الجوهري منها والثانوي من الناحية الابستمولوجية.

ويلاحظ خالد حاجي أنه لما كان مطلوب العقل الحداثي هو البلوغ بالإنسان أرقى مراتب التاريخ، مجردا عن الانتماء الجغرافي المكاني، سوغ لنفسه أن يرفع من شأن العلوم والفنون ما كان منها نزاعا إلى التجريد موصولا إليه، وأن يخفض مكانة ما كان منها الصلة بالحس منبها إليه. وهكذا تأتى له أن يخفض رفعة الشعر بحسبانه أقول أشكال التعبير عن الشعور بالوجود في الكون والحضور في المكان، وأن يعلي من قدر الفلسفة بحسبانها لغة تسعف في بناء الأنساق وبلوغ أرقى مستويات التجريد.

ومن هنا يخلص خالد حاجي إلى أنه لما صارت النسقية المجردة عنوانا يرمز إلى التقدم ودليلا على الصرامة والعلمية والكونية، لم يعد للعمل الشعري من مبرر للبقاء في فضاء الحداثة إل بقدر  ما كان عملا ينشد بدوره التجريد. “فبإمكاننا القول إن العقل الحداثي ضيق على الشعر عموما والشعر العربي خصوصا ساحته، إذ حجب بينه وبين معناه الأصلي الدال على الشعور القوي بالحضور في المكان، وهو المعنى الذي صبغته عليه الممارسة البدوية. فالشعر في فضاء البداوة، أو فيما يسمى ما قبل التاريخ، هو أسلوب في الحياة وطريق في العيش، قبل أن يكون مجرد صناعة موسيقية وتجانسا بين الأوزان والقوافي”[6].

وعلى العموم، إذا كان التفلسف على مقتضى الحداثة يلغي العمل الشعري من الحسبان، فإن نقد الحداثة يجعل من الشعر البلسم  والترياق الضروريين لمداواة أمراض الحداثة. “فعالمنا اليوم لا تعزوه المهارات العقلية والتقنية، كما لا يعوزه الذكاء النافذ، بقدر ما تعوزه الحكمة لضمان شروط حاضر أسعد وغد أفضل. فليت شعرائنا وفلاسفتنا يجعلون لحكمة ضالتهم”[7].

وتحت عنوان التنمية: مطلوب لا يلحق” الذي أنهى به خالد حاجي كتابه أكد فيه أننا بالحديث عن البركة والتزكية والفضل  نكون قد وقفنا في محاولة ربط فعل التنمية بالفعل التعبدي الصحيح الذي من ميزاته أنه وإن رفع الحرج عن الإنسان في استعمال الطبيعة، أمده بالحدود الفاصلة بينه وبين تأليه ذاته.

ولئن كان شرط تحقيق التنمية هو إعمال الذكاء الإنساني من أجل إبداع الإمكانات ووسائل التمكن، فإن تحصيل البركة يشترط فيه الإيمان والتقوى؛ فبهما يسجل الإنسان موقف خشوع أمام المطلق وخضوع لقوته التي لا تقهر.


[1] من مضايق الحداثة إلى فضاء الإبداع الإسلامي والعربي، خالد حاجي، الناشر المركز الثقافي العربي، ص: 27

[2] من مضايق الحداثة  إلى فضاء الإبداع الإسلامي والعربي، ص: 29

[3] – نفسه، ص: 36

[4] من مضايق الحداثة إلى فضاء الإبداع الإسلامي والعربي، ص: 43- 44

[5] من مضايق الحداثة إلى فضاء الإبداع الإسلامي والعربي، ص: 88

[6] من مضايق الحداثة إلى فضاء الإبداع الإسلامي والعربي، ص: 135- 136

[7] – نفسه، ص: 152

أدب

عن الكاتب

أمخشون مصطفى