قراءة في مضامين الخطاب السامي ( السلطان يشير إلى نقاط الخلل ويستشرف الحلول )

تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ فترأس يوم الاثنين  الموافق 12من نوفمبر 2012م الانعقاد السنوي للفترة الخامسة لمجلس عمان لعام 2012 م وذلك بالمبنى الجديد لمجلس عمان بمدينة مسقط. وألقي جلالة السلطان كلمة سامية أستعرض فيها مسيرة العمل والتنمية التي تحققت في ربوع السلطنة وأبرز ملامحها في الحاضر وآفاقها الرحبة تحقيقا للأهداف التي جاءت بها النهضة العمانية الحديثة.

وكعادة المواطن العماني ، فأن الخطاب السامي يشكل نقطة فارقة في مسيرة حياته ، وملامح تاريخ عمان الحديث وذلك لما يحمله من مضامين مهمة في مسيرة النهضة العمانية الحديثة وتوجيهات سامية تكون بمثابة الأوامر التي ينطلق بها العمل في أغلب القطاعات الحكومية. ومع الانقسام الذي ساد الشارع العماني بعد الخطاب السامي بين من يشير إلى نقاط مهمة في خطاب جلالته وبين من يقول بأن الخطاب لم يأتي بالجديد بل هو تأكيد لما قيل في خطابات سابقة وتأكيد للواقع الراهن الذي تسير به خطط التنمية العمانية ، إلا أنه وجب الإشارة إلى أن جلالة السلطان كان أكثر شفافية وصراحة في خطابه هذا العام ، بل أن مضمون الخطاب السامي كان يشير إلى نقاط عدة ربما كانت من أهم الأسباب التي فجرت حركة الاحتجاج التي حدث في البلاد في بداية عام 2011م  والتي تمحورت حولها أهم المطالبات التي رفعها المواطن للمقام السامي والتي يمكن ان نلخصها في الآتي:

عدم توفر فرص العمل.

تدعني الأجور والرواتب.

ضعف أداء القطاع الخاص.

تدعني المستوى الاجتماعي والمعيشي للمواطن.

عدم توفر فرص التعليم المناسبة بالمقارنة مع مخرجات دبلوم التعليم العام.

سوء التخطيط الاقتصادي والاجتماعي.

عدم توازن وشمولية الخطط التنموية لجميع متطلبات المواطن.

ومن خلال تتبع النطق السامي لجلالته يمكن الإشارة إلى أهم النقاط التي أشار إليها جلالته تصريحا وضمنيا ولربما قد تشكل علامات فارقة في مسيرة التنمية العمانية.

قال جلالة السلطان “ وكما أشرنا في خطابنا العام المنصرم وحيث أن البنية الأساسية الضرورية تكاد تكتمل فقد وجهنا الحكومة إلى التركيز في خططها المستقبلية على التنمية الاجتماعية خاصة في جوانبها المتعلقة بمعيشة المواطن .. ” وهنا يشير جلالته إلى أن البنية الاساسية تكاد تكتمل وأنه حان التركيز على التنمية الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة للمواطن العماني . ومن ثم فأن هذه الكلمات السامية كانت بمثابة الرد على كل من يروج إلى أن البلاد ما زالت في مرحلة البنى التحتية وأن على المواطن أن يتحمل شظف العيش حتى تكتمل ملامح تلك البنى.

 أشار جلالة السلطان إلى ضرورة اتاحة المزيد من الفرص للتأهيل والتدريب والتطوير العلمي والثقافي والمعرفي وهو ما يخالف محدودية فرص التدريب والتطوير العلمي والمعرفي الموجود حاليا في أغلب المؤسسات الحكومية والخاصة ، حيث قال جلالته ” .. وذلك بإتاحة المزيد من فرص العمل وبرامج التدريب والتأهيل ورفع الكفاءة الإنتاجية والتطوير العلمي والثقافي والمعرفي ..

ذكر جلالة السلطان في نص نطقه السامي أهمية المجلس الأعلى للتخطيط حيث قال ” ونحن نتابع بدقة ما يتم اتخاذه من خطوات وسوف يكون هذا الامر محل اهتمام المجلس الأعلى للتخطيط الذي يهدف إلى وضع خطط تنموية مدروسة ترعى أولويات كل مرحلة وتوازن بين مختلف أنواع التنمية بما يؤدي إلى بلوغ الغاية المنشودة بأذن الله ”  لقد تم إنشاء المجلس الأعلى للتخطيط في يوليو من عام 2012م وانيط إليه متابعة كل الخطوات التي تنجزها المسيرة التنموية في البلاد بما يحقق الاولويات ويخلق التوازن في طريق الغاية المنشودة ، ومن ثم يتبادر إلى ذهن المواطن مجموعة من الأسئلة هنا والتي من أهمها : ما هو دور المؤسسات التي كانت تعمل في شأن التخطيط قبل إنشاء المجلس !؟ وهل كانت الخطط التنموية السابقة مدروسة بالشكل الذي يحقق الأولويات ويخلق التوازن ؟ أم أنها كانت تسير في اتجاهات أفرزت خللا في مفردات التنمية الشاملة والمستدامة!؟

قال جلالته ” ومن غير المقبول أن يكون هناك انطباع لدى بعض المواطنين بأن القطاع الخاص يعتمد على ما تقدمه الدولة وأنه لا يسهم بدور فاعل في خدمة المجتمع ودعم مؤسساته وبرامجه الاجتماعية وأنه لا يهدف إلا الى الربح فقط ولا يحاول أن يرقى الى مستوى من العمل الجاد يخدم به مجتمعه وبيئته ووطنه ” ومن ثم فأن جلالته مدرك جيدا للنظرة التي تترسخ في ذهن بعض المواطنين والتي تسهم وبشكل كبير في نفور فئة كبيرة من الشباب عن العمل في القطاع الخاص، بل أنها ولدت امتعاض لدى المواطن بسبب ما يشهده القطاع الخاص من ظواهر أهمها الجشع والاحتكار وتهميش القوى الوطنية مقابل العمالة الوافدة . وأردف جلالته في حديثة إلى أهم نتيجة قد يصل إليها القطاع الخاص مع وجود هذه النظرة حيث قال “إن مثل هذا الانطباع لن يضر بمستقبل القطاع الخاص فحسب بل إن أثره السلبي سوف يمتد إلى خطط التنمية في البلاد لاسيما خطط تنويع مصادر الدخل” ثم يستشرف جلالته ملامح الحل حيث قال “فإن القطاع الخاص مطالب بالعمل على إزالة هذا الانطباع من الأذهان واتخاذ خطوات عملية مدروسة وناجعة في هذا الشأن بزيادة إسهاماته في التنمية الاجتماعية ومشاركة الحكومة بهمة وعزم في تنفيذ سياساتها في هذا المجال والعمل يدا بيد مع مؤسسات المجتمع المدني التي تنشط في ميدان الخدمات الاجتماعية والإنسانية ” وهنا يشير جلالته ضمنيا بأن الحل يبدأ من أرباب القطاع الخاص وليس من المواطن فقط ، بل أنه جلالته يوجه هنا إلى ضرورة اسهام القطاع الخاص في التنمية الاجتماعية ومشاركته في ميدان الخدمة الاجتماعية والانسانية والتي تبتعد عنها أغلب المؤسسات الخاصة العاملة في البلاد أن لم يكن معظمها .

وحيث حث جلالته الشباب إلى ضرورة التوجه إلى القطاع الخاص للعمل كونه مصدرا آخر من مصادر فرص العمل إلا أنه أشار أيضا إلى تدني الأجور في هذا القطاع وخصوصا في المهن المتوسطة والدنيا حيث قال ” وفي مقابل ذلك فإن الامر يتطلب بصفة خاصة تعديل نظام الاجور في هذا القطاع لاسيما في المستويات الدنيا والمتوسطة من وظائفه واعتبار ذلك مهمة وطنية وفاء لهذا البلد الذي احتضنه وخدمة للمواطنين الذين وثقوا فيه وأعطوه من جهدهم وفكرهم الكثير ” وهنا يطالب جلالته بصفة خاصة بتعديل الأجور مذكرا أرباب العمل أن ذلك يعتبر مهمة وطنية وردا للجميل لهذا البلد الذي أعطاهم الكثير، بل أن جلالته يضع النقاط على الحرف حين قال ” فذلك كله حقيق بأن يعزز من ثقة المواطنين وتقديرهم لدوره وأن يحفز الشباب العماني على العمل فيه والثبات في وظائفه وأن يغرس بذرة الانتماء الى مؤسساته في نفوسهم الأمر ” ومن ثم فأن جلالته قد لخص إشكالية القطاع الخاص مع الشباب والتي تتمحور في عدم وجود الثقة ، وعدم تقدير الشباب لدوره ، وعدم وجود حوافز مهمه للعمل فيه ، وعدم ثبات المواطن في العمل فيه وذلك بسبب غياب الانتماء لهذه المؤسسات الخاصة .

أشار جلالة السلطان إلى أهمية التعليم والي السياسات المتبعة في التعليم وأكد على ضرورة جودة مخرجات التعليم إلا أن جلالته أشار أيضا إلى ضرورة مراجعة تلك السياسات وبما يواكب المتغيرات ، حيث قال جلالته ”  وخلال الفترة المنصرمة طبقت في عمان أنظمة ومناهج تعليمية متنوعة وبرامج تدريبية وتأهيلية متعددة إلا أن الأمر يتطلب إيلاء عناية أكبر للربط بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. لذلك فانه من أولويات المرحلة التي نمر بها والمرحلة القادمة التي نستشرف فها مراجعة سياسات التعليم وخططه وبرامجه وتطويرها بما يواكب المتغيرات التي يشهدها الوطن والمتطلبات التي يفرضها التقدم العلمي والتطور الحضاري وصولا الى بناء جيل مسلح بالوعي والمعرفة والقدرات المطلوبة للعمل المفيد ..” وهنا إشارة ضمنية من جلالته إلى أن الأنظمة المعتمدة في التعليم تحتاج الى مزيدا من العناية ، وأن المرحلة القادمة تستدعي مراجعة سياسات التعليم وخططه وبرامجه بما يواكب المتغيرات التي يشهدها الوطن ، وعليه فأن جلالته يدرك بأن نظام التعليم ومخرجاته ليس بمستوى الطموح ومن ثم كان إنشاء مجلس التعليم والذي يناط إليه حاليا إصلاح ما أفسدته الانظمة والمناهج السابقة والتي كان من أهم نتائجها تلك الإرهاصات التي شهدها قطاع التعليم العام في البلاد . أو تلك الفرص المحدودة للتعليم العالي سابقا والتي أعقبها ثورة في توفير مخصصات مالية ضخمة للتعليم العالي والبعثات الخارجية ، والتوجه إلى انشاء جامعة حكومية جديدة ، وجل ذلك ظهر فجأة بعد الحراك الذي شهدته البلاد في عام 2011م ولسان حال المواطن يقول أين كان هذا !؟

لقد اختتم جلالة السلطان كلمته السامية بقوله “ إن سياستنا الداخلية كما عهدتموها  دائما قائمة على العمل البناء لما فيه الصالح العام مواكبين تطورات العصر مع المحافظة على هويتنا و ثوابتنا وقيمنا التي نعتز بها ” وهنا تأكيد من جلالته على الصالح العام وضرورة مواكبة تطورات العصر مع ضرورة المحافظة على الهوية ، ومن ثم فأن السؤال الذي يطرح نفسه أخيرا هو : هل ستراعي خطط التنمية المستقبلية الصالح العام كما أكد جلالته !؟ وهل ستواكب العصر برؤى وأفكار حديثة ومنظمة ومدروسة أم انها ستظل تحت تأثير تلك العقليات القديمة التي تخطط بعشوائية وتعدل بعد فشل التجربة ، وتتصرف وفق رؤى شخصية ، وتصر على أن المواطن العماني لم يصل بعد إلى مرحلة النضج !

حفظ الله جلالة السلطان المعظم .

khalifa7666@hotmail.com

الحادي والثلاثون سياسة

عن الكاتب

خليفة سليمان

كاتب وأديب عماني