قرارات معالي الرئيس!

كتب بواسطة تركي البلوشي

 

ليست المرة الأولى التي يتخذ فيها الرئيس قرارا بمنع إعلامي عن ممارسة مهنته، هذه المهنة التي قضى فيها ما يقارب عقدين من الزمن، عقدين كاملين، وأكثر يتابع فيها منظومة الرياضة، وينتقد المسؤولين الرياضيين ويغطي الأحداث، ويوثق الكثير من الفعاليات الرياضية المهمة في الداخل والخارج.

 

فهناك سوابق عدة للرئيس في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، سوابق من هذا النوع التي انتهت بالمنع والاستبعاد.

 

حيث بدأت بمنع مذيعة تعمل بنظام – العمل الجزئي- لإنتقادها أخطاء فنية في برنامج عمان في أسبوع، ليس على الهواء كون البرنامج مسجل من الأساس، لكن عبر تويتر مع قيامها بكتابة رسالة نقد مباشرة مع ” إشارة” لحساب الرئيس في تويتر.

 

لم تنتهي هذه السوابق، مع انتهاء الأزمة الأولى بمصالحة داخلية بعد أن تم ايقاف المذيعة فعليا عن تقديم البرنامج بإعتراف منها.

 

ورغم أن المذيع الجديد المعزول عن مهنته، وعن تقديم البرامج ، لن يقطع عنه راتبه، كونه يعمل في مؤسسة لا تفكر بمصادر دخلها لأنها تستلم ميزانياتها من الدولة، إلا أنه عرفا، لا يسمى بالإعلامي أو الصحفي المهني حسب التعاريف الدولية الجديدة سوى من كان يحصل على 80% من مصدر دخله من مهنة الصحافة، وبذلك فقد جرّد من وظيفته الأصلية.

 

هذه المرة الدور على خميس البلوشي، المذيع الرياضي الذي أعلن عن قرار عزله من مهنته، عبر قرار منعه من تقديم البرامج في قناة عمان الرياضية والذي نقله له أحد زملاء المهنة في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.

 

كشفت هذه الحادثة للرأي العام إن الرئيس في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يتعامل مع الهيئة كمؤسسة حكومية وجهاز خدمي روتيني يمكن أن يتم التعامل فيه مع العاملين كأي وزارة خدمية، ينقل فيها الموظف، ويعاقب، وقد يصل الأمر إلى المنع والاستبعاد.

 

وهذا القرار الخاص بالمنع من تقديم البرنامج الرياضي الذي كان يقدمه خميس البلوشي، جاء بحسب الأخير بسبب تغريداته التي يرى رئيس الهيئة إنها تمسه مباشرة.

 

ليس البلوشي خميس وحده من اكتوى بقرارت من هذا النوع لا يمكن أن توصف ” مهنيا ” سوى بأنها تسلط في مهنة ومؤسسة ينبغي أن تكون أكثر استيعابا وانفتاحا وفتحا لباب الحوار مع العاملين فيها.

 

قبل أكثر من 6 أشهر تعرض المذيع خالد الشكيلي في القناة الرياضية العمانية لقرار ايقاف من العمل، بسبب انتقاده لجودة العمل في التلفزيون في إحدى البرامج الرياضية التي كان يقدمها على الهواء مباشرة، رغم أن نص القرار أكتفى بـ ” إيقاف من العمل لمدة 5 أيام لما تقتضيه مصلحة العمل” دون أن يوضح القرار هذه الأسباب.

 

هذه الحالات الثلاث لا يمكن أن يتم قراءتها دون معزل عن 3 محاور مهمة ينبغي أن تثار على مستوى تعامل المؤسسات الإعلامية مع العاملين فيها.

 

المحور الأول يتمثل في كيفية تعامل المؤسسة الإعلامية مع الصحفيين الذي ينتقدون أو يوجهون آراءهم تجاه الأحداث أو القضايا داخل المؤسسة أو خارجها: على مستوى الإعلام الدولي، تطورت أخلاقيات العمل الإعلامي وطرق تعامل الصحفيين مع الإعلام الاجتماعي، فقد أصبحت الكثير من المؤسسات تضع لنفسها ضوابط وسياسات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي ينبغي على الصحفي الالتزام بها أثناء عمله في المؤسسة ” دون تحديد الوقت”.

 

هذا الحديث الذي اعتبره متقدما بالنسبة لمؤسسات إعلامية عمانية، ينطبق على مؤسسات إعلامية عريقة من بينها صحف وإذاعات وقنوات تلفزة، وهو ما يمكن تنفيذه محليا في حالة – قضية المذيعة عايدة الزدجالي – التي عوقبت بسبب تغريدة انتقدت فيها خطأ فنيا أثناء برنامج تقدمه، في حال كانت هذه المؤسسة تدرك وتهتم لهذه الضوابط التي تعتبر من أكثر الضوابط تقدما وحداثة في العمل الإعلامي، وهو ما استبعده أن يتم الالتزام بها سوى لأجل السيطرة على النقد القادم من المؤسسة ليس إلا.

 

لذلك نجد أنه مؤسسيا لا توجد ضوابط واضحة تفسر وتحدد العلاقة التي ينبغي أن تكون عليه المؤسسة ” الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون” مع الصحفي أو الإعلامي الذي يعمل لديها، رغم أن البعض قد يعتبر النقد اتجاه المؤسسة هو جزء من كشف اسرار المهنة، في قصة المذيعة، كما وصفه كثيرون.

 

أما في حالة المذيع خالد الشكيلي، الذي انتقد جودة العمل في التلفزيون أثناء تقديمه برنامج رياضي، فقد فسَره البعض على أنه نشر غسيل لمشاكل المؤسسة أمام الجمهور، في حين وصفه البعض بالمكاشفة والصراحة التي قد تكون بنسبة 1% ممارسة نقد غير مستقصد شخصيا، قد تمارسه حتى الصحف الكبرى التي قد تخطئ وتعتذر في افتتاحياتها أو في صفحتها الأولى في حال نشرت صورة رديئة، أو خاطئة أو عن اصدارها طبعة سيئة بشكل لم يعجب الجمهور، وهو ما أميل إليه مهنيا.

 

ومهنيا أيضا يراه البعض، من باب: “كيف لمؤسسة تعمل – كإلتزام مهني منها – على النقد والمواجهة وفتح الأبواب المغلقة أن تجد أحد مذيعيها مركونا بسبب نقد فني وجهه على “شكل تبرير” لخطأ ما   للجمهور الذي يشاهد.

 

ورغم ذلك لا أرى في قرار الرئيس في أيقاف المذيع خالد من تقديم برنامج سوى تدخل فيه الكثير من – القوة المبالغة – من باب تصحيح ما يراه خطأ، وهو ما أجده غير مستحق في كل الأحوال، كون الخطأ ليس في معلومة وهي الأهم.

 

 

النقطة الثالثة والأهم والذي يعني الجميع، هو: لماذا كل هذا الاستياء من قرارات رئيس الهيئة التي صدرت مؤخرا بحق المذيعين؟ هل كان الوزراء السابقين الذين مروا على الإذاعة والتلفزيون كانوا أكثر حكمة؟. أم أن هناك قصص لم تكشف في تلك الحقب بسبب غياب ” الإعلام الاجتماعي ” حينها؟.

 

يبدو أنني لا أستطيع الحكم على هذا السؤال أو أن أجيب عليه, وربما قد يجيب عليه الزملاء هناك في الهيئة والزملاء الذين عملوا فيها وتركوها منذ سنوات، فارين إلى بلاد الله، لكنني بالتأكيد وبكل إدراك أتضامن في كل تلك القضايا مع الصحفيين والإعلاميين بالدرجة الأولى مهما كانت درجة ما يراه البعض ” خطأ”.

 

فالصحفي يجب أن لا ينظر إليه على إنه موظف عمومي يقدم واجب فقط، ولا عامل في مصنع عليه الانتاج بصمت، لا بل هو على النقيض تماما، فهو مطالب بالحديث والنقد وإبداء الرأي – مع الجزم بأن ذلك قد يتخلله الخطأ الذي لا يستحق العقوبة.

 

 

ينبغي على رئيس الهيئة، والمؤسسة ككل أن تدرك أن هذا النوع من القرارات، قد ترصد وتوثق من قبل مؤسسات كثيرة معنية بمتابعة الأوضاع الإعلامية في المنطقة، وأن أية خطوات صارمة ضد الصحفيين أو الإعلاميين وإن كانت إدارية تصل نهايتها إلى المنع والإقصاء، قد تضعنا في قائمة المتراجعين والعائدين إلى الوراء إعلاميا، وأنتم الذين تسعون أن نكون على خطى الريح في المقدمة. تقديري لرئيس الهيئة الذي أتمنى منه أن يتقبلني ويتقبل رأيي.

 

 

 

 

 

الثاني والخمسون سياسة

عن الكاتب

تركي البلوشي

رئيس تحرير صحيفة البلد الإلكترونية