قـبـرص: أول العشـق.. أفروديت

كتب بواسطة خلفان الزيدي

قبرص

وكأنها لي وحدي.. تنتظرني هناك في الشاطئ الجنوبي بين صخرتين، تراقب صفحة الماء، وهي تبسط كفيها وقلبها لأول عابر يمر قربها.. خلتها تنتظرني أن أكون انا العابر الأول الذي يأتيها، ويسلب فؤادها كما سلبت فؤادي.. كانت اشجار البرتقال تصطف على الشارع الجبلي المفضي إليها، ومن البعيد تتراءى كروم العنب، وهي تتدلى بالعناقيد ذات الألوان البهيجة، وتغري العابرين بفاكهة ذات منافع شتى.

كنت أنظر جهة الصخرتين، وأبحث عن أفروديت المستلقية هناك.. تشاكس الآلهة هيفيستوس إله الحدادة والنار، وآريس إله الحرب، وأنكايسيس الأمير الطروادي، أو أدونيس الصياد الجميل.. ليكون للحياة نبضها وايقاعها.. ويتصاعد العشق يحلق بالقلوب، ويطير فرحا في سماوات بعيدة.. أسمع خفقان قلبي الصغير.. والعطش يبلغ مداه.. وهذا البحر الممتد هناك.. تتلاطم أمواجه، وهي تتسابق لتلامس جسد فينوس النائمة على رماله الصفراء.. وروحي المتيمة تسابق أشواقي وحنيني..

عندما وقفت المركبة بنا.. كنت أول الهابطين منها.. رأيتني أهرع جريا للوصول إلى الصخرتين.. كانت السماء حينها زرقاء صافية.. وكانت نسائم البحر تهب باردة رطبة.. وأمواج اليمّ بدأت تسكن.. بعدما قذف تحت قدمي رغوة زبد أبيض، تكشفت عن صدفة انفتحت مطلقة طيف نوراني.. واضطربت صفحة الماء.. وهي ترى الطيف ينكشف عن غادة حسناء متلألئة.. كتمثال من نور لها شعر كأشعة الشمس، ينساب فوق كتفيها العاجيتين.. فيهب النسيم العاشق يقبله.. ثم يرتد ليتركه ينتشر فوق خصرها، ويغطي بعضا من صدرها العاري..

وقبل أن أهرع إليها عاشقا.. متيما.. غريبا يبحث مناه.. غمرني موج الماء.. وأغرقني.. كما أغرقني عشق فينوس أو أفروديت أو عشتار.. بمسمياتها الاسطورية.

***

– اذا ستذهب إلى قبرص؟.

– نعم .. هل هي بعيدة عن مسقط؟.

لم يجد صاحبي الذي أحدثه عن وجهة سفري القادمة.. إلى جزيرة قبرص، غير حيرة كبيرة يبسطها أمامي، وهو يتساءل عن كينونة هذا المسافر الذي يذهب إلى بقعة لا يعرف موقعها، ولا يدري أي سماء تظلها، ولا أي ارض تقلها..

لم أعرف عن قبرص غير أنها جزيرة، وما عدا ذلك، مرهون باكتشاف ما سيأتي من أحداث، وما سيطرأ من تفاصيل، تأخذني إلى بلاد لا أعرف محلها من الشرق أو الغرب.

يقال ـ والعهدة على ما سمعته من بعض الأصدقاء ـ أن قبرص أبعد أرض في بلاد الله، إنها جنته في السماء الدنيا، من دخلها.. لا يود الخروج منها، ومن خرج منها ـ مرغما ـ طلب الرجوع إليها ثانية، واشتاقت نفسه إليها، وما عاد يغريه شيئا غير السفر مجددا إليها.

كان عنوان قبرص غائبا من المدن والعواصم التي ارتسمت على شاشة عملاقة داخل المطار، وانا أنهي اجراءات السفر، سألت موظف الطيران عنها، فقال لي أن اسمها يسكن في المحطة التالية من رحلتي.. ستجدها معنونة بمدنها وعاصمتها في المطار التالي.. فقط عليك أن لا تنسى ابتسامة أفروديت.. أبحث عنها حال وصولك !.

كان الاسم كفيلا بارتجاج القلب وخفقانه، ووجدت كياني يهتز، وكأن عاشق وجد مناه بعد طول مسير، وصار قريبا من هدفه الذي تعنى لأجله..

أفروديت.. ربة الحب والجمال، من لها سجدت الأرباب، وتصارعت الآلهة.. أكون أنا عما قريب في حضرتها، باسطا قلبي.. أهبه اياها، بخفقاته ونبضاته.. بأحاسيسه ومشاعره.. وهو قرباني إليها.. فلتفعل به كما شاءت وشاء لها الهوى..

أفروديت.. هذه الحسناء التي تبزغ من زبد البحر، فتولد كائنا بهيا، أجدني أسابق الخطوات، واطوي المسافات للوصول إليها، لأكون إلهًا للجمال في حضرتها، وربًا للحسن في قربها، وكي أطفئ نار الوجد، وظمأ القلوب.. وكانت رحلة طويلة، رغم أنها لم تتجاوز الثماني ساعات..

اقتربت مني مضيفة الطيران، وسألتني عما اذا كنت اطلب شيئا قبل موعد العشاء، نظرت إلى عينيها، وسحت في لجة اخضرارهما، بحثا عن صورة مقاربة لأفروديت.. ولم أكن عصيا على الولوج إلى ساحتها، وجدت في عينيها تقاطع المشرقين والمغربين، وأنا في كل الجهات انظر إليها، واحتضن حروف كلماتها، وهي تعيد سؤالها على مسامعي، وتستفسر عن طلبي..

ـ ماء عينيكِ.

ثم اردفت مقاطعا نفسي: يكفيني الماء لأروي ظمئي..

***

في فضاءات المساء، كنت أحلق قريبا من السماء، وأكاد ألمس نجومها بيدي، وأنا اطلق خفقات قلبي، تنبض بعشق ولد للتو، لعينين خضراوين، تنظراني لي، وتسحبان من شفاه تسكن ادناهما، ابتسامة حقيقية، لي وحدي.. كنت أتمنى أن يعرف الراكب الجالس محاذاتي، مشاعري في تلك اللحظة، لكنني ادركت أن ابتسامة كالتي تلقيتها، قذفت نحوه من ذات العينين، ووجدته يطلب كطلبي، ماء ليروي ظمأه..

كانت انوار القراءة وحدها التي تبين بعض ملامح الركاب وطاقم الطائرة الذي يمر بينهما، يتلقى الطلبات.. ويجيب على تساؤلات المسافرين.. يقذف ابتسامة هنا، ويبث اطمئنان هناك.

وجدت الذي يجلس جنبي، يغيظني وهو يكشف لي عن اعجابه بالمضيفة ذات العيون الخضر، وكأنني لست العاشق الأول لها، أنا الذي نظرت بصيرا في عينيها، وسحت في لجة الزبرجد الساكن مقلتيها.. وأنا الذي دب خفوقه أول مرة، ونبضت حنايا عشقه لخاطرها..

كانت خيوط الظلام قد بدأت تنسج عباءتها، فالركاب الذين اضاءوا مصابيح القراءة أعلى المقاعد، عادوا لإطفائها، وراحوا في سبات، يطوي ساعات الرحلة، ويختزلها، كنت غارقا في التفكير، في صورة الجميلة أفروديت، متسائلا: هل تشبه النساء؟.. وهل في عينيها اخضرار؟..

أم زرقة البحر، أم لون الشهد؟.. أي لون يسكن عينيها، وأي عشق ينبض بين ضلوعها؟.. وأنا أحلق عاليا، أسافر لخيالاتي، أحسب ساعات الرحلة المتبقية، والمسار الذي تأخذنا الطائرة إليه.

مرت الساعات الثماني سراعا بالنسبة للنائمين على المقاعد، الذين لم يفيقوا إلا على صوت طاقم الطائرة وهو يلقي تعليماته المملة على اسماعنا.. الرجاء من حضرات الركاب المسافرين إعادة مقاعدهم إلى وضعها المعتاد، وذلك استعدادا للهبوط في مطار لارنكا الدولي.. أما أنا فقد كانت ساعات الرحلة بألف ساعة وساعة، مرت بطيئة وانا احسب الوقت، وأهيم في خيالاتي، متفننا برسم صورة للجميلة أفروديت.

***

في مطار لارنكا الدولي تفحصت المستقبلين، عليّ أصل إلى بغيتي، وأتعرف إلى مضيفي في هذه البلاد، كنت اطوف اللوحات واللافتات المرفوعة، متفحصا اسمي بين المطلوب التعرف عليهم، وكان ان اهتديت إلى مرادي على ما تهوى الأنفس وتلذ الأعين..

كانت ساعة المطار تشير وقتئذ إلى الثانية والنصف بعد منتصف ليل الأحد السابع عشر من نوفمبر، وكان مستقبلي “حسين” ذو الأصول العربية، يبدي ترحيبه الشديد بي وبالمجموعة السياحية التي وجدتني ضمنها، في جولة تعبر مدن ومناطق الجزيرة، كل له هدف وغاية، البعض منها تحدد سلفا، والبعض الآخر وجد هدفه يتحدد لحظة صعوده الطائرة، حينما عرف أن ثمة جميلة في هذه الجزيرة، تسمى أفروديت أو فينوس.. ربة الحب والجمال.

كان حسين يبث فينا الاعجاب بجزيرته، وهو يطرأ التوقيت الذي جئنا فيه، ويحكي عن طبيعة جزيرة قبرص التي تتمتع بمناخ معتدل لطيف، مشمش طوال العام، قال لنا: إنها الجزيرة الأكثر دفئا في البحر الأبيض المتوسط، وهي ثالث أكبر جزيرة فيه، بعد صقلية وسردينيا، وتقع في نهاية الجزء الجنوبي الغربي منه.

كانت المعلومات المناخية والجغرافية التي يسوقها حسين، بمثابة فاتحة لي للتعرف عن قرب على الجزيرة المجهولة، المتوارية عن معرفتي المتواضعة بالبلدان والمحيطات.

وبرغم أن النعاس قد بدأ يدب في عيني، والتعب يأخذ مبلغه، إلا أن حسين راح يواصل الحديث، ونحن نقطع الطريق إلى مدينة ليماسول جنوب غرب لارنكا، لم يتسن لي التعرف أكثر على المدينة، أو رؤية معالمها في تلك الليلة المظلمة، حيث غلبني النوم، وكأني بـ (حسين) وقد توقف عن الكلام المباح..

صباح اليوم التالي، استيقظت على رنين هاتف غرفتي في الفندق الذي يقع وسط ليماسول، وكان المتحدث على الطرف الآخر حسين، وهو يطلب مني النزول للبدء في اكتشاف المدينة..

كان بهو الفندق مختلفا عما وجدته عليه أول الأمر، حينما دلفت إليه قبيل الفجر، فقد بدأت حركة السياح تدب في ارجائه، وامكن رؤية اللوحات الفنية المعلقة على ممراته الداخلية، وتعرفت عن قرب على بعض ملامح الحياة في ليماسول، وطبيعة الناس في هذه المدينة.

في حافلة صغيرة، كنا نقطع شوارع ليماسول، وكان حسين يتحدث بإسهاب عن حياته، وكيف انتقل مع عائلته من لبنان خلال الحرب الأهلية، ليستقر به المطاف في هذه البلاد، ويكون حياته فيها، اخبرنا أنه تأقلم مع الحياة التي بدت متقاربة بعض الشيء مع حياة بيروت، غير أن الغلاء هنا طاغ إلى حد كبير، والمعيشة مرتفعة التكاليف، وربما يعود ذلك لطبيعة الجزيرة السياحية، وكونها مقصدا للسياح الأثرياء من مختلف دول العالم.

لكن الحرب الأهلية التي هرب حسين منها في لبنان، سبقته إلى قبرص، وكأنه هارب من الجحيم إلى الجحيم.. كانت الجزيرة حصلت على استقلالها من بريطانيا في عام 1960مع دستور يعطي ضمانات للأقليات (ولاسيما الأتراك)، ولكن الغالبية اليونانية ألغت هذه الضمانات، وفي عام 1974 شهدت الجزيرة انقلابا عسكريا ناجحا قاده ضباط من القبارصة اليونانيين تابعين لقوات الحرس الوطني، واستطاعت الإطاحة بحكم الرئيس مكاريوس الذي اضطر إلى الفرار خارج البلاد.

كانت الدولة التركية تراقب الأوضاع السياسية المضطربة في قبرص عن كثب، واعتقدت أن الوقت قد حان لحسم عسكري، ينهي ـ كما تعتقد ـ الصراع الطويل الممتد بين القبارصة الأتراك واليونانيين، فاجتاح في عام 1974 الجيش التركي قبرص، وسيطر على مساحات واسعة شمالي البلاد.

وطوال عامي 1974 و1975 لم يستطع الجانبان التوصل في مباحثاتهما إلى تسوية للأزمة، مما حدا بالقبارصة الأتراك بزعامة رؤوف دنكطاش إلى إعلان المناطق الشمالية القبرصية منطقة حكم ذاتي، وأطلقوا عليها اسم الولايات القبرصية التركية الفدرالية، لكن ذلك لم يكن كافيا لاستقرار الأوضاع.

ففي عام 1983أعلن القبارصة الأتراك تلك المناطق جمهورية مستقلة تحت مسمى “جمهورية شمالي قبرص التركية” ورأسها الزعيم رؤوف دنكطاش، وأعلنت الدولة التركية على الفور الاعتراف بها، لكنها عجزت عن نيل اعتراف أي دولة أخرى في العالم، كما لم تمنحها الأمم المتحدة عضويتها، وأصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 541 الذي أعلن فيه عدم شرعية هذا الاستقلال، ومطالبة القوات التركية بالانسحاب، وظل الجميع يعترف فقط بحكومة قبرصية واحدة، لدولة قبرصية واحدة في الجنوب.

وعلى ذلك بقيت المشكلة القبرصية تراوح مكانها، حكومة في الشمال غير معترف بها سوى من تركيا، ووجود عسكري تركي هناك يقدر بنحو ثلاثين ألف جندي.. وحكومة أخرى في الجنوب تحظى بالشرعية الدولية، وظل الوحدويون في الجانبين يطالبون بعودة الوحدة إلى الجزيرة المقسمة، وارتفعت أصواتهم بأن الوقت قد حان لتذليل الصعاب ومحاولة تجاوز إحن الماضي.

لم تكن مشكلة توحيد الجزيرة قد انتهت، حينئذ، وكان على حسين أن يتعايش مع التطورات الإيجابية الناتجة عن التقارب التركي اليوناني، في مسألة توحيد الجزيرة، وإيجاد حل للمشكلة التي دامت سنوات طويلة، وهو ينظر بتفاؤل للسنوات التالية، إذ اشار لي: أن ثمة بشائر أمل تلوح في المستقبل، تنهي العداء بين شطري الجزيرة، وقد كان ما تنبأ به حسين، في الأعوام التالية لزيارتي هذه.

***

كنت مع حسين اتقاسم التفاؤل.. وأرسمه على محيا الأيام القادمة، واستمع إلى كلمات أغنية بإيقاعات يونانية.. تحكي قصة حب بين شاب يسكن الشطر الجنوبي من الجزيرة، وفتاة في الشطر الشمالي، مثل هذه الحكاية كانت تتناسل بشكل كبير، كانت رغبة الناس في الوحدة، وإعادة لم شمل الجزيرة وتوحيدها، عارمة تنتاب الجميع.. دون استثناء، لكن العقبة أمامهم تتمثل في أهواء الساسة، الذين يديرون اللعبة.. كيفما يحلو لهم.

طلبت من حسين أن يبعد بنا قليلا عن حديث السياسة، ويأخذنا إلى مسارب أخرى.

كانت ليماسول في تلك الساعة، على غير المعتاد من الهدوء وشبه انعدام الحركة، والكثير من المحلات التجارية التي نمر عليها مغلقة، فيما عدا بعض المقاهي والمطاعم التي فتحت أبوابها، دون أن تكون مكتظة بالمرتادين.

وجدت في الصورة الماثلة تلك، عودة أخرى للحديث عن السياسة وافعالها، فلا بد أن ما يجري أمامي هو اضراب شامل.. يهدف لشل حركة الحياة في المدينة، وينذر بعواقب وخيمة علينا، غير أن حسين قطع الشك ذلك بالإشارة إلى انه يوم الأحد.. وفيه تغلق المقاهي والمطاعم وكل المحلات، ذلك أن البلد كلها في إجازة يومي السبت والأحد، وكل شيء يعطل، كان الطريق البحري الذي سلكناه يبدو خاليا، رغم صفاء مياه البحر، ورغم جمال الطقس في تلك الساعة المشمسة من ساعات ظهيرة يوم الأحد.. والمقاهي المحيطة به، مغلقة هي الأخرى، ومراكب الصيد جاثمة على الشاطئ، وكذلك الحال بالنسبة للمراكب السياحية، التي تأخذ المرتادين في جولة بحرية، تنظر للجمال القبرصي من خارج الحدود.

وعلى عكس المعتاد في مناطق أخرى، لا يخرج الناس للتسوق في يوم اجازاتهم، بل انهم يقضون معظم اليوم في البيوت، ويذهبون إلى الكنائس، وقد يخرجون مساء الأحد للتريض والمشي، والاستعداد لأيام العمل التالية، وجدنا في طريقنا مطعم ذو بهو خارجي، مسقوف بالأعمدة الخشبية ذو نقوش وشبابيك تسمح لخيوط الشمس بالانسياب، كان المكان مغريا للجلوس فيه، وتناول وجبة الغداء.

تفحصت قائمة الطعام التي وضعها النادل امامي، كان الكثير من اصنافها يعتمد على لحم الخنزير كوجبة مفضلة للقبارصة، تطهى بطرق متعددة، ويتفنن في تقديمها بوصفات مختلفة، وبالنسبة لي.. لم يكن الخيار امامي، سوى طلب وجبة اسماك، تنقذني من مطب تناول لحم الخنزير ومشتقاته..

لكن هروبي من هذا المطب، ومحاولتي المستميتة تجنب هذه الاطعمة، كاد أن يوقعني في المحظور، ففي حفلة عشاء اقيمت على شرف مجموعتنا السياحية، اغرتني ذبيحة اللحم الموضوع على صحن كبير، كهيئة “الغوزي” في عُمان، كان اللحم بارقا، يتلألأ.. كومة حمراء، فاقع لونها تسر الناظرين..

أمسكت بالسكين الطويلة الموضوعة قريبا من الصحن، ورحت اقطع شريحة تطفئ جوعي، ونهمي، ثم أخذت بعض المقبلات، ووضعتها حول الطبق، وأنا أمني النفس بعشاء، ستحدثني عنه طويلا، لكن ذلك لم يدم طويلا، فبعدما وضعت السكين والشوكة على شريحة اللحم، وتأهبت لأول لقمة، أمسكني نادل في المطعم، وهو يخبرني أن شريحة اللحم تلك، ما هي إلا لحم الخنزير الذي اتجنب تناوله، وحتى الإقتراب من مشتقاته.. وكان خياري حينئذ هو تناول المقبلات وبعض الخضار المسلوقة.

وعدت تلك الليلة إلى غرفتي، أطل من نافذتها على المدينة التي هدأت قبل ان يحين موعد نومها، وراحت في سكون، كنت افتش عن أفروديت أو فينوس، وعن محلها من الجزيرة، وأين يمكن مشاهدتها، تذكرت أنني في زحمة الحديث عن وضع الجزيرة السياسي، وعن طبيعتها الاجتماعية، نسيت أن أسال حسين عن أفروديت، وعن فينوس جميلة الجميلات، وربة الحسن.

كان الكتاب التعريفي الموضوع على منضدة صغيرة داخل الغرفة، يحمل بعض الصور السياحية الجميلة من قبرص، قرأت فيه بما تسنى لي من كلمات.. أعرف بعض معانيها، كي اتوصل إلى كينونة ما ترمي إليه، وأحاول أن أجتث صورة قد تبقى عالقة في ذهني.. حينما أعود إلى دياري، وأحكي قصتي.

***

في ليلة بان قمرها.. كانت روحي تحلق نحو عشق لم تتضح كينونته، ولم تتبين معالمه، ولا وضحت ملامحه، عشق يأخذني لتخيل صورة أفروديت تتجسد في صور عدة، ترمقني بعينها الخضراوين، كلون هذه الجزيرة البادي من علو شاهق.. أو عسليتان كلون الشهد.. وانا أبسط امامها عشقي وجنوني..

وغبت في لجة الحلم.. في خيالات الجنون.. كنت معها، أقذف ابتسامتي، فتتلقاها بابتسامة ترتد لقلبي.. فيشتعل جنوني..

صبيحة اليوم التالي.. كان أول ما هممت بسؤاله لحسين هو: أين تسكن أفروديت؟.

وكأن سؤالي لم يباغته.. وكأنه تهيأ للإجابة عليه.. وتوقع طرحه.. مطلقا نحوي ابتسامة، عمقت في ذاتي.. فضول البحث عن المعشوقة المجهولة.. وغير الابتسامة تلك.. لم ينطق حسين بكلمة أخرى..

كان صمته ذلك وابتسامته الغامضة، توصد ابوابا مغلقة تأهبت لفتحها.. وكشف بطائنها، ولم اقو على حمل هذا المجهول على كاهلي، فعدت لأبحث عن اجابة شافية، كان حسين يمضي بي ونحن نخرج من باب الفندق، باتجاه السيارة، حينما توقف فجأة، وهو يطفئ نار الشوق في صدري..

ـ سنذهب إليها اليوم .. إنها قريب منا.

***

.. يغمرني الماء.

يضرب بصفحته وجهي، وأنا ارتل صلوات الحب في محرابه.. اتلو قصص العشاق، واسرد حكايات المحبين، وأفروديت تستلقي غير بعيد مني، تمد يديها للغريب القادم نحوها.. عشيق آخر ينضم لقائمة طويلة من العشاق الذين يؤمونها في هذا المكان.

الصخرة الشمالية تواري أشعة الشمس التي تسللت خلسة، لتضيء جسد الغريب وهو يتدثر بماء البحر، يكابد الطريق للوصول إلى المعشوقة الجميلة التي تربعت عرش الجمال، واتخذت متكأها، تراقب صراع الأفئدة للوصول إليها، ونيل ودها.. يتمتمون بمعاني الحب لربة والجمال.

كان قلب العاشق يخفق في تلك اللحظة.. ويتصاعد نبضه، وكانت هي تتكون، وتتجسد ـ كما تجسدت أول مرة ـ طيف نوراني.. يولد من رحم الماء، ويشب في مسكن الآلهة، حتى اذا ما أكتمل نضجها، قذفت نفسها عند الصخرة الجنوبية، تنتظر العاشق.. ليتوحد الماء بالماء.

كانت السماء زرقاء صافية.. عندما غمرني الماء، وسحبني إلى اعماقه.. والزبد الأبيض يتكوم حولي.. وأنا ارتعش بردا وعشقا.

كان نسيم ليماسول يداعب انفاسنا، ونحن نقطع المسير نحو بافوس.. المدينة التالية في رحلة البحث عن جميلة الجميلات، وربة العشق والجمال.. أفروديت.

كان حسين ينتشي بالموسيقى اليونانية التي تنبعث من مذياع السيارة.. يقطع الصمت المطبق على كلينا، وصورة المدينة تتبدل بين المارة في الشوارع.. والباعة في المحلات.. والاكشاك الصغيرة المنتشرة على جانبي الطريق.

كانت الحياة قد بدأت تصخب في المدينة، التي نفضت عن كاهلها صورة الأمس، وصمت اجازة الآحاد، كان الجميع يتبادل التحية، وكأنهم غابوا ردحا من الزمن، فعادوا إلى مدينتهم ليجدوها كما هي، يوم تواروا عن انظارها قبل يومين.. كنت ألمح ابتسامة حسين وهمته العالية، وهو يقودني في دروب المدينة، ويعبر بي الطرقات، دون أن يقول شيئا، غير ترديد بعض الكلمات الغير المفهومة على ايقاع الموسيقى المنبعثة.

ألتفت إليه، بعد برهة من الوقت، وأنا اصرخ من اعماقي من هذا الصمت القاتل بيننا، لكنه قابلني بابتسام: إنه صمت أفروديت يا صديقي.. وما أراه إلا اعتراك في هذه اللحظات.

كانت صورة أفروديت تتماثل أمامي، وهي تمشط شعرها، وتتركه لهبة النسيم، يحركه كيفما شاء، كان جسدها يسطع تحت أشعة الشمس، ويضيء كأنه كوكب دري، والبحر يتلألأ تحت قدميها العاريتين..

***

كانت السيارة تتحرك بنا، وتنعرج في طريق يأخذنا جهة الجنوب.. حيث تنتظرنا هناك بافوس أشهر مدينة في التاريخ القديم.. وأكثرها حيوية في عصرنا الحالي، كنا نصعد طريقا يقودنا إلى مرتفعات جبلية، يخترق غابات الصنوبر الوارفة الضلال، وأشجار الأرز، ثم ننحدر إلى مناطق أخرى تتميز بأشجار البرتقال وكروم العنب، ونباتات واشجار أخرى.. تمتد بامتداد البصر..

كانت بيوت الفلاحين تتوزع بتنسيق معماري واحد، وتبدو بتشكيلاتها المتقاربة.. كمكعبات صغيرة، وفي البعيد بدت طواحين الهواء، وهي تحاكي حركة الرياح، كانت الأرض من حولها منبسطة خضراء، تغري السائح للتوقف برهة، والتقاط مشاهد خالدة، وصورا جميلة تستعيدها الذاكرة.. كلما اشتاقت إلى رياحين هذا المكان ونسماته..

– ما أرى إلا أن أفروديت سلبت فؤادك، وأخرست لسانك؟

قال لي حسين، وهو يقتل  الصمت الذي هز كياني، أنا الذي صرخت من قبل.. وأعلنت رغبتي في الحديث، واطلقت ابتسامة تقارب ابتسامته.

كنا نقترب من غايتنا وهدفنا، وكانت المرتفعات الجبلية التي صعدنا إليها من جديد، في طريق تالي، تنبئ عن تفاصيل المشهد، الذي لف هذه البقعة الأسطورية، على مدار أكثر من 10 الأف سنة، هي عمر الأساطير والقصص التي ولدت في هذا المكان.

***

كان الشاطئ الممتد، يتعرج ثم يلتفت بانحناء بسيطة حول صخرتين متقاربتين، وكأنهما حارستين.. للبحر من الشرق، والساحل من الغرب، وغير ذلك لم يتضح المشهد، إذ بات ما فيه، وحوله متخيلا، تكتنفه اسطورة المكان.

توقف حسين في أعالي الطريق، وطلب مني النزول من السيارة، ثم قال لي وهو يشير جهة الصخرتين: هنا ولدت أفروديت، وهناك نبض الهيام بين الطبيعة والانسان، والالهة الاسطورية القديمة..

كنت أحرك عدسة الكاميرا وأصوبها جهة المكان، وأنا اقرب الصورة، أبحث عن مشاهد العذاري وهي تفد إلى معبد أفروديت للتضحية بعذريتهن، مع أي وافد غريب للجزيرة، فيما يسمّونه “البغاء المقدس”..

تقول أسطورة قديمة: أن خلاف نشب بين أفروديت والآلهة أخرى، حول من الأجمل، فقررتا أن تحتكما إلى أحد البشر.. فنزلتا والتقيتا ابن ملك طروادة.. ناولتاه تفاحة، ليمنحها للأجمل، فمنحها لأفروديت.. ونتيجة لذلك، نشبت حرب ضروس، ما زال أهالي قبرص ـ على خلفيتها ـ يعتبرون النساء أساس وسبب الحروب حتى الآن..

إنها لعنة النساء، تطاردنا.. قال حسين، وكأنه يكتم في قلبه قصة مريرة، كانت النساء طرفا فيها، غير إني كنت أنظر إلى صورة أخرى، وإلى مشهد مغاير للحكاية، إلى أفروديت التي استحقت ثناء ابن ملك طروادة، وخطفت قلبه، كما خطفت قلب من بعده..

***

كلما حاولت رسم صورة لها.. كانت عينيها تقفز كلؤلؤتين تبرقان، بمكامن الجمال في لون مقلتيها، كنت اسح النظر إليها، وانا انتشي بوجودها معي، وأربت على كتفها، أقربها ناحيتي، كلما امتدت صفحة الماء، وعانقت احدى الصخرتين.. أو كلاهما..

وكأن الزمن أختزل لحظتها، وعدت للوراء الآف السنين، يوم كان هوميريوس الشاعر الاغريقي الأعمى، يكتب ملحمتيه الالياذة والأوديسا، ويروي مغامرات أوديسيوس وهو عائد لوطنه، بعد سقوط طروادة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

كان هوميريوس كأي شاعر، أو اسطوري، ينظر إلى أفروديت بوصفها الإلهة التي تقهر بالشهوة جميع الرجال والآلهة الأسطورية على السواء، ولذلك جاءت اشارته لها في النشيد الرابع عشر من لياذته، بمثابة تأكيد للمكانة الخاصة التي احتلتها أفروديت.. النموذج الكامل للجمال الذي تغنّى به شعراء اليونان القديمة.

كان حضور أفروديت يشيع الحبور، والهناءة والهدوء والحب, فلا معنى للحياة دونها.. تبثّ في الوجود براءة الحضور وفتنة الغواية، ولذة الجسد ومتعة الروح, وعبير الحب الصافي.. الذي لا ينفصل عن معنى التولّد والإخصاب والنماء..

قلت لحسين: كل هذا الحب لأفروديت؟..

إنها الأسطورة يا صديقي، تتشكل بكيفيات مختلفة، وهيئات متعددة، إنها الحب، وإنها الغواية.

قال حسين وكأنه يناقض، ما ذهب إليه الفؤاد وما هوى، ومضى يصف طاغوت المرأة، وحضورها في الحرب والدمار الذي يحل ببني الإنسانية.. كانت حرب طروادة التي بنى عليها حسين موقفه، مثالا على رؤيته للمرأة، كما صورها ونظر إليها..

***

كان الحديث يبتعد عن أفروديت، وعن المكان الذي نحن فيه، ليجرنا إلى مسالك وطرائق أخرى، لم اشأ ان أسلكها في تلك الساعة، كنت أريد أن أعطي القلب، ما يشتهي من بوح المشاعر، وسرد الأحاسيس، وأتركه يغرد في ملكوت العشق، ويحلق في سماوات الحب.. ينبض كما شاء له الهوى.

عند الصخرتين، وجدت نفسي تهيم في لجة البحر، تنتظر موجة تحمل زبده، وتقذفه جهتي، ثم تنكشف القوقعة عن حورية، بديعة الجمال، تسكن المكان، وتسلب القلوب والأفئدة..

كانت الشمس قد عامدت في تلك اللحظة كبد السماء، واشتد وهيجها، وبدت صفحة الماء ناصعة البياض، متلألئة بانعكاس اشعة النور عليها، لم ادر زمن ما مضى علي، وانا في مكاني اتأمل صورة المكان، والمشهد الماثل أمامي، كان كل شيء يجري كما جرى من قبل، ومئات السنين.. تأتي وتروح.. غدوا ورواحا على المكان، دون أن تتغير الصورة، أو تختلف تفاصيل الحكاية..

أفروديت.. كما بدت أول مرة، تعود بذات الهيئة وذات التفاصيل، لا شيء يغير مكانتها، وصورتها في قلوب العذاري، المسكونة بعشقها، اللاواتي ينشدن ان تهبها بعضا من جمالها.. وقليلا من حسنها.. كانت مشاهد “البغاء المقدس” تنسحب على رمال الشاطئ، والغريب يمارس غوايته، ويطفئ رغبته.. والصخرتين ضاحكتين.. تناظران المشاهد من حولها..

كان الوقت ينسحب سريعا.. وامامنا برنامج طويل.. لذا ودعت المكان، منتقلا إلى السيارة، حيث كان حسين بانتظاري، وهو يحكي مشاهدته لي، وأنا على صورة العاشق تلك.

***

في الطريق الواصل إلى منطقة أخرى في بافوس.. كنا ننظر مشاهد وصور أخرى للمدينة البديعة، هذه التي تمتزج بصور تاريخية وحضارية عديدة، تتقارب مع جماليات الطبيعة الخضراء.. حيث تفرد الحقول والمراعي، مساحاتها لأشجار ونباتات متنوعة من اصناف شتى..

صورة بافوس.. كانت الأقرب إلى القلب من مدن قبرصية أخرى.. كانت ليماسول التي وضعت الرحال فيها أول مرة.. ولارنكا التي دخلناها عابرين في ليلتنا الأولى في الجزيرة، لا تساوي شيئا بالمقارنة مع بافوس، ولعل حصنها الذي يتخذ موقعه على البحر الأبيض المتوسط قريبا من المطاعم المجاورة للشاطئ والمرفأ، إحدى صور التاريخ الذي يكتب ذاكرة المدينة.. وينبئ بتاريخ الذين تعاقبوا عليها.. من الأشوريون والمصريون والفرس واليونان، إلى البطالمة والرومان والبيزنطيون، والصليبيون وحتى العثمانيون والبريطانيون، ولكل منهم صفحاته التي سطرها هنا، سواء اكانت مليئة بالسلم أم بالحرب.

كانت الآثار الهيلينسية والرومانية، وآثار بداية العصر المسيحي، بادية للعيان.. ولعل اطلال المسرح الروماني البيضاوي بمدرجاته المتعددة واطلال معبد ابوللو ذي الأعمدة الرخامية، شواهد أخرى على ازدهار بافوس في العصور السحيقة.

اخبرني حسين ان هذا المكان شهد معركة شرسة بين الحامية الرومانية وجنود الفتح العربي، الذين اقبلوا على الجزيرة اثناء العصر الأموي..

كنا نقطع السفوح الجبلية، ونعبر الغابات الخضراء.. كان هذا التقابل في جماليات الطبيعية، هو ما حول بافوس إلى مدينة ساحرة.. ذات جذب سياحي، يؤمها السياح والزوار من بقاع العالم.

ومن بافوس.. إلى كوريون، صادفنا عشرات القرى ذات الأحياء الفقيرة، وقد بدت خالية من السكان بعدما هجرها اهلها، وتحولوا إلى وظائف أخرى تدر ربحا سريعا، وعائدا ضخما لا يقارن بالعمل الشاق في مجال الزراعة والفلاحة، والمفارقة التي عرفتها.. ان الكثير من هؤلاء الفلاحين تحولوا إلى مطربين يغنون في الملاهي الليلية حتى الصباح، بعدما وجدوا في الغناء.. طريقا سريعة، وسهلة للثراء، غير ان هذا الثراء لم يعرف قراهم بعدما تحولت إلى أماكن فقيرة تسكنها الأشباح.

لم نشأ أن نحط رحالنا في الفنادق القريبة أو الواقعة في نطاق مدينة كوريون، فقد عشت لحظة مروري بها رعب حقيقي، وكان علينا ازاء ذلك أن نواصل الطريق ونمضي، في دروب طويلة لنصل إلى محطة أخرى، يمكن التألف معها.. واستئجار غرف للنوم حتى صباح اليوم التالي.

***

في فندق صغير قريبا من ترودوس.. وضعت أمتعتي، واتفقت وحسين على اللقاء صباح اليوم التالي، واستئناف رحلتنا في ربوع الجزيرة، كان الاجهاد قد أخذ مبلغه مني، فارتميت على السرير، دون أن أسأل حسين عن محطتنا التالية، أو ماهية المنطقة التي حللنا فيها..

لم تلبث هذه التساؤلات في ذاتي كثيرا، فقد داعبت خيوط النهار جفوني، وفزت من النوم على رنين الهاتف..

كان حسين يطلب مني النزول، للتجول في الطبيعة البكر.. وفي موطن الحضارة.

كانت سيارتنا تقطع هذه المرة جبال ترودوس وسط قبرص، ونمر على قرى ذات هندسة معمارية بديعة..

عرفت من حسين: أن جبال ترودوس تضم ما يقارب (120) نوعا من النباتات والأزهار، بينها ازهار الزنبق والخزامى والأوركيد ـ رمز العشق ـ وكأني بهذا العشق يتبعنا في كل خطواتنا ومسارنا..

واضافة إلى ذلك، تتميز المنحدرات الجنوبية من السلسلة الجبلية.. بأشجار الكروم، والمنتجعات التي تحتوي على ينابيع معدنية، لشفاء الأمراض العصبية، كان من أهم هذه المنتجعات التي مررنا عليها بردروموس واغراس وبلاترس وبيدولاس.. والطريف ان معظم سكان هذه المنحدرات يتحدثون اللغتين العربية والانجليزية.

كان من السهل عليّ أن أجد قاسما مشتركا مع هذه المناطق، عبر حضارتي العربية، وأبحث في دلالة ومعاني هذه التواصل، أو أليس حسين هذا الذي يقودني في الجزيرة ويعرفني على تاريخ قبرص ومناطقها، عربي مثلي؟!.. حاله حال الكثير من العرب الذين هاجروا إلى هنا للعمل..

***

في قرى بتسيليا التالية لجبال ترودوس من جهة الشرق، توقفنا في أحد المطاعم، رغم عدم احساسنا بالجوع، كان حسين يعلل ذلك، باستحالة المرء عبور هذه المنطقة، دون تذوق أكلاتها التي تشتهر بها، وتميزها دون غيرها من المناطق القبرصية..

في مطعم يعج بالزوار، كنت أنظر إلى الاطباق المقدمة، تتشابه، وكأن المطعم لا يقدم غير هذا الصنف من الطعام.

إنه طبق سوجوكو.

قال حسين وهو يشير إلى نادل المطعم ليأتينا بطبقين..

“سوجوكو”.. أو أي تسمية أخرى قريبة له، هو عبارة عن طبق حلوى يصنع من عصير العنب والمكسرات، وتشتهر به قرى بتسيليا دون غيرها، كما تشتهر بأطباق أخرى مثل السمك النهري الذي يطهى بطرق متعددة..

في يوم تالٍ.. كنا نشق وسط الجزيرة في الطريق إلى العاصمة نيقوسيا.. وكما هو الحال في مدن ومناطق قبرص، كانت أشجار الصنوبر والأرز ومزارع البرتقال والكروم، تحيط بنا من كل صوب..

كانت الساعة قد جاوزت العاشرة صباحا.. عندما وصلنا إلى المدينة، وتنسمنا هوائها الممتزج بروائح الماضي، وعبق الحاضر.. كانت العمارة الفينيقية القديمة والحصينة، حاضرة في الكثير من الشواهد والمباني التاريخية.. وجدت ذاتي تقترب أكثر من روح المدينة، وتنتشئ بمشاهدها، وتحن لأمكنة تقارب صورة نيقوسيا.

وكأن الزمن عاد.. وصفحات التاريخ تكشفت عن أحداث وحكايات رومانية قديمة، بدت حاضرة في كل الجهات، كان أجمل ما في الصورة.. احتساء فنجان قهوة في مقهى حمل أسم كوكب الشرق.. كتبت باللغة العربية، والأجمل أن مرتادي المقهى، خليط بين العرب والقبارصة وسياح اوروبيين.. كنت بينهم، أراقب التحاور والتقارب الذي تنصهر معه الفروقات، وتتمازج الاختلافات العرقية والدينية والجنسية.. وكمثلهم كنت وحسين نتحاور في ماهية هذا التمازج والتقارب.. بين الشرق والغرب.

***

ولأن قبرص.. وعاصمتها حاضرة في الصراعات ولعب المخابرات، تعد مركزا مهما للجاسوسية في العالم، باعتبار قربها من بؤر الصراع، فعلى مرمى النظر من سواحلها، يقبع سرطان خبيث، في الجسد الممتد امام سواحلها، الجسد المتقسم إلى دول ودويلات، انشغلت عنه بالصراع بينها، متناسية العدو الرئيسي المتربص بها، وبخيراتها..

في الشوارع القريبة من المقهى.. كانت الصورة الماثلة للعاصمة نيقوسيا، تتكشف عن مدينة عصرية، تحوي محلات ومباني ومتاحف على الطراز المعماري الحديث.. تتجاور مع سلسلة من المؤسسات العلمية الدولية.. كانت بحق مركزا عالميا للحضارة والعراقة.

في احد المراكز التي تعنى بالحرف التقليدية والمهن اليدوية.. اقتربنا من طبيعة العمل.. كان جل العاملين في المركز من كبار السن، ويعود سبب ذلك إلى شغل اوقات هؤلاء الناس، وعدم تركهم للاستسلام للواقع المر الذي تتسببه شيخوختهم وعجزهم عن القيام بأعمال شاقة، وربما عدم قدرتهم على تأمين معيشتهم.. كانت فكرة مبهرة، لشغل اوقات فراغ العجزة، وبث السعادة في نفوسهم..

في جانب آخر من نيقوسيا.. وصلنا إلى الخط الفاصل الذي يقسم قبرص.. شمالها وجنوبها.. كانت الملصقات واللافتات المنتشرة حول الخط، تندد بهذا التقسيم والانقسام بين شطري الجزيرة، وتطالب بأن تعود اللحمة الوطنية للبلاد، وتتوحد كل الجهود لإعادة بناء الجزيرة وتنميتها، خاصة بعدما وضعت نفسها بقوة، كمزار سياحي يقصد من كل بقاع العالم.

كنت وحسين، نتأمل البوابة الحديدية، وننظر بحزن عميق، إلى الرغبة المكنونة في صدور ابناء الشمال والجنوب، وسعيهم إلى انهاء هذا التفتت والانقسام، كانوا يكافحون بكل ما أمكنهم من عزيمة.. وإصرار.. اقتربت من مجموعة تحمل شعارات الوحدة.. وأضأت معهم الشموع لغد تنير الشمس فيه المكان القبرصي الموحد.

لا حدود للحلم..

ولا معنى مستحيل..

تبقى الرغبة هي من تحرك العزيمة في نفوسنا، وتقوى الإصرار في قلوبنا..

ومهما أوتيت معاول الهدم من قوة.. تبقى قوة البناء هي الأقوى والأبقى..

ستشرق شمس قبرص.. وتعود الجزيرة موحدة، كما يحلم ابنائها في الشمال والجنوب..

وذلك ما هو كائن.. بعد سنوات قليلة من زيارتي هذه..

ففي (10 مارس 2007م).. أقدم القبارصة اليونانيون على هدم جدار يرمز إلى تقسيم العاصمة نيقوسيا، مطلقين بذلك خطوة جديدة.. باتجاه تحقيق حرية الحركة في القطاع التجاري للمدينة.

قبل ذلك بشهرين، وتحديدا في التاسع من يناير 2007م، وفي بادرة حسن نية تجاه القبارصة اليونانيين، وفي طريق تحقيق الهدف ذاته، أقدم  القبارصة الأتراك على تفكيك جسر معدني على شارع أساسي في نيقوسيا.

كانت وحدة الجزيرة.. أقرب لشعبها من حبل الوريد..

في الطائرة التي أقلتني.. بعدما ودعت حسين.. وودعت نسيم قبرص.. ورياحينها.. ابتسمت لي مضيفة الطيران.. وهي تسألني عما إذا كان باستطاعتها تقديم أي خدمة لي.. بادلتها الابتسامة.. وأنا أنظر ملامحها.. وأحملق في وجهها.. ثم أهيم سائحا في مقلتيها.. وكانت آهة بألف عشق تفور من فؤادي..

يا ليتني عرفت ما لون عينيها.

 

أدب الخامس والأربعون

عن الكاتب

خلفان الزيدي