كوت الجلالي

كتب بواسطة يعقوب الريامي

شاءت الأقدار أن يكون محمود أحد نزلاء هذا السجن المرعب ، ليس بتهمة قتله للضابط البريطاني كولن فهو على يقين أنه أحسن الهرب والتخفي بعد تلك الحادثة ، لكن تمت مداهمة بيته ليلا واعتقاله لأن اسمه وجد في تلك الوثائق المخفية في الصندوق الذي عثر عليه في الكهف ! ، فقد كانت تحوي على قوائم بأسماء المقاتلين والمتعاطفين مع الثورة .

أرتعد الضابط البريطاني لصوت طلقة أستشعر أنها مرقت بجانبه ، أعقب ذلك ذهول شديد عندما شاهد صاحبه يهوي إلى الأرض .
فهرع إليه ثم جثا على ركبتيه محاولا إسعافه ..
وجده يلفظ النفس الأخير فالرصاصة أصابته في مقتل .
حينها وضع رأسه على صدر صاحبه ، لم يملك حزنه فانفلتت منه أصوات النشيج .
ظل يسكب ألمه .. بعدها رفع رأسه والدموع تسيل على خده الصقيل ثم صرخ بصوت عالي ..
سأنتقممممممم ! .
أحدثت هذه الكلمة صدى واسعا في قرى الجبل الأخضر .
* * * * * * * *
عزم السلطان سعيد بن تيمور على اجتثاث نظام الإمامة نهائيا الذي طالما أرق حكمه وحكم أسلافه ، وكان سببا في تقسيم الدولة العمانية إلى دولة مسقط ﺍﻟﺴﺎﺣﻞ وإمامة عمان .
كانت العلاقة حذرة بين السلطان سعيد ودولة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي ، إذ التزم الطرفان ببنود معاهدة السيب التي أبرمت عام 1920 م ، إلا أن وفاة الأخير واستخلافه من بعده الإمام غالب بن علي الهنائي عام 1954م تزامن مع العقود التي وقعها السلطان مع شركة بريطانية للتنقيب واستخراج الذهب الأسود ، خصوصا بعد معرفتهم بأرض فهود الغنية بالنفط ، الواقعة تحت نفوذ الإمامة ، لهذا قرر السلطان بالتعاون مع حلفائه البريطانيين تسديد ضربة ماحقة لهم .
* * * * * * *
انفرطت حجارة من تحت قدم محمود بعد إطلاقه لرصاصة من سلاحه التقليدي بوعشر .. فسارع في التستر خلف صخرة كبيرة ، بعد لحظات أظهر مقدمة رأسه ثم أرسل بصره باتجاه الهدف .
أمعن النظر ثم أدرك حقيقة مرة ، فصفع الصخرة حسرة فقد وقع مالا يرغب فيه ! .

محمود شاب على مشارف العشرين ، من ولاية سمائل ، يميل إلى القصر ، بالرغم من نحافته إلا أنه ذو بنية صلبة ، يتقن أستخدم السلاح وشيئا من فنون القتال .
يتميز محمود بحماسته الشديدة في دعم الإمامة ، ملامح وجهه تشي بمدى كراهته للبريطانيين فهو يعتقد أنهم جاءوا لتنفيذ مصالحهم الاستعمارية وتحقيق مطامعهم السياسية والاقتصادية . أوكلت إليه مهمة الحراسة الخاصة للكهف الذي اختبأ فيه الإمام غالب وأمير الجبل الشيخ سليمان بن حمير النبهاني الذي ساند الإمام بأن فتح له الجبل لحمايته بعد انتصار القوات الحكومية والبريطانية في نزوى معقل الإمامة .
براعة محمود في الرماية أهلته للانضمام إلى فريق القناصة .
غمغم محمود في حنق .. لن يفلت مني هذا الوغد .
تناول البندقية وأسندها على كتفه .. سحب رصاصة جديدة .. أجهزها في بيت النار .. ثم صوبها نحو الضابط البريطاني .. ما هي إلا لحظات حتى لعلع في الفضاء أصوات طلقات صادرة من رشاش تم نثرها بعشوائية نحو قمم الجبال والأودية ، فانطلقت رصاصة طائشة أصابت قريبا منه . حينها خشي محمود من هذا السيل الناري ﺍﻟمنهمر فأطلق رجليه بعيدا .
محمود يدرك أن الأيام التالية ستكون عصيبة فقد علموا من عيونهم المبثوثين في الجبل وخارجه أن البريطانيين يعدون العدة لاختراق الجبل الأخضر برا .
كان رهط من مقاتلي الإمام متحلقين تحت شجرة العلعلان ، بعضهم يطلب الراحة ومنهم من ينظف البنادق وغيرهم يتبادلون الرأي في إدارة المعركة .
عندما وصل محمود إليهم .. شخصت الأبصار نحوه مترقبين خبره ..
قال لهم متقطع الأنفاس :
– أردت الضابط كولن .. وأراد الله صاحبه ! .
كان من ضمن المجموعة رجل أشيب مهاب الكلمة ، ذو حكمة متوقدة ، يرجع إليه في شؤون الحرب .. قام من مجلسه ثم نظر نظرة في الأفق ، قال لهم بعد حين بوجه يغشاه الكدر :
– يبدو أن طيور السماء ستحلق بكثرة على رؤوسنا قريبا .
لم يستوعب أحد نبوة الشيخ وقتئذ .
الضابط كولن هو أحد قادة العمليات العسكرية في حرب الجبل الأخضر . كان قاسيا شرسا .. أصدر أوامر بمحاصرة الجبل وإقامة طوقٍ من نقاط التفتيش حوله .
بسبب صلفه وعنجهيته قتل الكثير من المدنيين ، انتهج سياسة الأرض المحروقة فدمر الأفلاج وأفسد المزارع ، بقصد تجويع المقاتلين وإجبارهم على الاستسلام ، كل هذا بالقصف الجوي المكثف .

أفعاله البعيدة عن أخلاقيات الحرب أشعلت الحقد في صدور المقاتلين ، وعدوه مصدر خطر على مسار المعركة ، لهذا رأت القيادة قطف رأسه عاجلا ، فأرسلت محمود القيام بهذه المهمة البطولية وذلك بإن ينزل من الجبل الأخضر ويقترب من حواجز التفتيش الموضوعة على مداخل الجبل ، باحثا عن ضحيته كولن .
لم تكد تمر ساعات على تلك الحادثة حتى حلقت طائرات الفينوم والشاكلتون التابعة لسلاح الطيران الملكي البريطاني على سفوح قرى الجبل الأخضر ثم راحت تقذف حممها وتطلق قنابلها بشكل عشوائي .
كان نتيجة هذا القصف العنيف أن دمرت عددا من القرى وقتل العشرات من المدنيين .
حينها فهم الجميع مقولة الشيخ الحكيم .. طيور السماء ! .
* * * * * * *
أسدل الليل ستائره الحالكة على قرى الجبل الأخضر جبالها أوديتها حقولها ، وآب الناس إلى مخادعهم وألسنتهم تلهج بالدعاء إلى الله أن يمن عليهم بليلة آمنة ، وأن يجعل بينهم وبين قذائف الموت حجابا مستورا ، فرائحة البارود مازالت تزكم أنوفهم ليلا ونهارا .
في هذا التوقيت كانت القوات البريطانية بمساندة كتيبة ساحل عمان تتأهب لعملية كبرى وهي اقتحام الجبل الأخضر تحت مخطط محكم ، يبدأ بتحديد ثلاث طرق للوصول إليه .
في تلك الليلة انتشر خبر أن القوات المعادية ستدخل الجبل من عقبة الظفر ، على إثره تحركت قوات الإمام بقيادة الشيخ سليمان نحو العقبة لمباغتة العدو ، لكن الحقيقة كانت بخلاف ذلك فالقوات ظهرت من موقع آخر ، حينها تنبه الثوار إلى أن الخبر لم يكن سوى إشاعة مغرضة أطلقها العدو فالحرب خدعة .
بعد تمركز القوات الحكومية في موقع بالجبل الأخضر حلقت طائرات الهليكوبتر بصخبها لنقل المؤن والغذاء ، هنا ظن الثوار أنه إنزال مظلي للجنود ، هذا الحدث أربكهم .
دامت عملية اقتحام الجبل الأخضر تسع ساعات من الثامنة والنصف ليلا إلى انشقاق الفجر ، مرورا بقريتي وادي بني حبيب وسيق .
بعد مواجهة حادة بين الفريقين وتراشق بالأسلحة النارية ، أيقن الثوار أن المعركة ليست في صالحهم ، خاصة بعد سقوط الشريجة آخر معقل للإمام وقواته فبسقوطها يعني استسلام الجبل الأخضر ونهاية الحرب .
صدرت تعليمات من قادة المقاتلين بوجوب مغادرة الزعيمين غالب وسليمان فالمكان لم يعد آمنا .
* * * * * * *
في ﻧﻬﺎﺭ كئيب من أيام عام 1959م كانت أقدام الإمام وحرسه تهرول إلى خارج الجبل الأخضر ، في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى مأوى قد رسما معالمه مسبقا .
ظل محمود يصول كالأسد الجائع ، تارة تجده في مقدمة ركب الإمام يمسح المكان بعينين حذرتين ثم ينتقل إلى المؤخرة يتفحص الجروف والتلال .
هذا الجهد الدؤوب منه لم يصرفه عن أمر ظل يطن في عقله ويصرخ في أعماق وجدانه ، فكان سببا في تحوله إلى شخص موتور يغلي في عروقه دم الثأر .
حسم هذه الحالة النفسية الخانقة بأن التفت إلى قائد الحرس وهمس في إذنه :
– اِئذن لي بالانصراف .
القائد مستغربا :
– إلى أين ? .
رد محمود بوجهه حازم :
– سأعود إلى الكهف .. ففي بندقيتي رصاصة أخيرة يجب أن أضعها في المكان المناسب ! .
لمعت عينا القائد فقد فهم مراده فقال :
– لك الله .. وعليه توكل .
انطلق محمود يقفز بخفة .. صاعدا تلة ومتسلقا جبل .
استطاعت فرقة الضابط كولن محاصرة الكهف فجرا ثم الاقتراب منه بحذر .. صعق الضابط حين دلف الكهف فلم يجد غير نار تبقى منها جمرا متوقدا وصندوق به وثائق و خرائط وجرار الماء ، فركل بحذائه إحداها غيظا لتفويته فرصة القبض على قادة التمرد – هكذا يسميهم – .
أمر الضابط بحمل الصندوق .
بينما كانت خطوته الأولى يجتازها خارج الكهف إذ به يطلق صرخة راعدة .. كان الموت أقرب إليه من أصحابه الذين هبوا إليه .
في الجانب الآخر كان محمود ينفخ الدخان المتصاعد من فوهة بندقيته ، وابتسامة ظفر تسطع من محياه .
سارع في الانسحاب من موقعه بخطوات هادئة حذرة .
عدل محمود عن اللحاق بمجموعة الإمام فقد آثر العودة إلى بيته في سمائل .

وضعت حرب الجبل الأخضر أوزارها بذهاب الإمام وأمير الجبل إلى المملكة العربية السعودية وطلب اللجوء السياسي ، بهذا دانت المنطقة الداخلية لحكم مسقط ، وتوحدت عمان تحت حكم سلطان واحد .
* * * * * * * *
المكان مظلمٌ رطبٌ كئيبٌ .. من هنا يصدر أنين متألم ومن هناك صراخ معذب ، والأصفاد تطوق أطرافهم .
الأجساد ضامرة وشبح الموت يأتيهم بكرة وأصيلا .
كان كوت الجلالي يضم خليطا من المعارضين لحكومة مسقط والمشاركين مع الإمام في الحرب حتى بعض مشايخ العلم أركان الإمامة .
شاءت الأقدار أن يكون محمود أحد نزلاء هذا السجن المرعب ، ليس بتهمة قتله للضابط البريطاني كولن فهو على يقين أنه أحسن الهرب والتخفي بعد تلك الحادثة ، لكن تمت مداهمة بيته ليلا واعتقاله لأن اسمه وجد في تلك الوثائق المخفية في الصندوق الذي عثر عليه في الكهف ! ، فقد كانت تحوي على قوائم بأسماء المقاتلين والمتعاطفين مع الثورة .
ظل محمود يكابد مرارة السجن ما يقرب أحدى عشر سنة ، إلى أن انبلج نور النهضة المباركة عام ١٩٧٠م بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم فعم الخير واليمن سائر الدولة وكل مواطن .
كان ثمار هذا التحول التاريخي في حياة الدولة الجديدة إصدار السلطان قابوس عفوا شاملا عن كل المساجين في كوت الجلالي لتطوى صفحة الظلم وتشرق شمس العدل .
ها هو محمود يعود إلي سمائل وقد استقر في عقله عهدٌ بأن يعيش حياة هانئة في كنف أسرة يسكن إليها ، وأن يكون معول بناء للوطن وداعماً لمسيرة التنمية في ظل الحكومة الجديدة ، وينسى سنوات القتال والسجن والخوف ، ولن يتذكر تلك الأحداث إلا حين يقع بصره على رسغي يديه وقدميه فيتلمس العلامات الغائرة في جلده من أثر حز قيود السجن ! .

أدب الثاني والخمسون

عن الكاتب

يعقوب الريامي

كاتب عماني