لماذا لا يُنصتُ الرجال ولا تستطيعُ النساء قراءة الخرائط؟! … الجزء الثاني: كيف ضُلّلت النساء؟!

كتب بواسطة يحيى الرواحي

الكثير من المجموعات حسنة النيّة كانت مقتنعةً أنّه حينما تحرّرُ النساءُ من أغلال الاضطهاد والإجحاف الذكوري المفترض فإنهنّ سيصعدنَ بسرعةٍ إلى أعلى المستويات في معظم المهن والهوايات التي كانت تحت سيطرة الذكور. لكن –كما سترون قريباً-يواصلُ الرجال بما يُشبه الاحتكار المطلق إمساكهم بتلك المهن والوظائف التي تتطلّبُ قدرةً “مكانيّة”.

نواصلُ في هذا الجزء استعراضنا لكتاب “لماذا لا يُنصتُ الرجال، ولا تستطيعُ النساء قراءةَ الخرائط” لمؤلّفيه آلَن بِيس وزوجه باربرا.
كيف ضُلّلت النساء؟!
تحت هذا العنوان المثير جداً يقول المؤلفان وسأنقلُ كلامَهما كاملا*: “إذاً أين يضع كلّ هذا الدليل “المكانيّ” النساء؟ الكثير من المجموعات حسنة النيّة كانت مقتنعةً أنّه حينما تحرّرُ النساءُ من أغلال الاضطهاد والإجحاف الذكوري المفترض فإنهنّ سيصعدنَ بسرعةٍ إلى أعلى المستويات في معظم المهن والهوايات التي كانت تحت سيطرة الذكور. لكن –كما سترون قريباً-يواصلُ الرجال بما يُشبه الاحتكار المطلق إمساكهم بتلك المهن والوظائف التي تتطلّبُ قدرةً “مكانيّة”. ملايين النساء تجاهلنَ ميولَهنّ الطبيعيّة اتجاهَ المهن والوظائف التي كان بإمكانهنّ أن يتميّزنَ فيها تلقائياً بمهاراتهنّ الذهنيّة الخاصّة.”(15)! ما يحاول المؤلّفان قولَه هنا هو أنّ النساء اللاتي اخترنَ- مدفوعاتٍ بدعاوى مجموعات حقوق المرأة- أن يقتحمنَ الوظائفَ والمهن الخاصّة بالرجال وتجاهلن الوظائف الملائمة لقدراتهنّ ومهاراتهنّ الطبيعيّة ؛ قد فشلنَ فشلاً ذريعاً في التفوّق على الرجال في تلك الوظائف والمهن، ولذلك بقيت السيطرةُ فيها للرجال. في حين أنّهنّ لو اتّجهن للوظائف الملائمة لفطرتهنّ لتميّزنَ فيها تلقائيا!
ثمّ يواصلُ المؤلّفان عرضَ إحصاءات لبعض الوظائف الملائمة للرجال وكيف أنّ الغلبةَ فيها والسيطرة تبقى لهم، وعرض بعض الوظائف الملائمة للنساء وكيف أنّهن بسطن سيطرتَهنّ عليها، ممّا يؤكّدُ أّنّه مهما اتجه كلّ جنسٍ لما يلائمُ فطرته من أعمال فإنّه سيتفوّق فيها والعكس صحيح! وفي السياق نفسه يجدرُ بنا أن ننقلَ ما قاله المؤلفان عن جمعية المهندسين النوويين إذ يقولان: “نقدّمُ فرصاً متساوية لكلا الجنسين” هذا ما أخبرتنا به جمعية المهندسين النوويين، “لكننا نوظّفُ على أساس الكفاءة وليس على أساس المساواة”. والنتيجة أنّ 98.3% من المهندسين النوويين ذكور”(16). ويذكر المؤلفان بعد ذلك كيف أنّ أبحاث تلك الجمعيّة أظهرت أنّ المهندّسات أقدرُ في التعامل مع الحروف فيما كان المهندسون أقدرَ في التعامل مع الأرقام، ثمّ يقولان:”انظر إلى التأريخ وسترى أنّه عملياً لم تتميّز النساء في المجالات التي تتطلّبُ قدرةً مكانيّة أو استنتاجاً رياضياً كالشطرنج أو التركيب أو علم الصواريخ، قد يدّعي البعضُ أنّ الاستبدادَ الجنسيّ الذكوريّ هو ما أبقى النساءَ خارجَ هذه المجالات، لكن انظر حولك وسترى ندرةَ النساءِ اللاتي تفوّقن على الرجال في المجالات التي تتطلّبُ قدرةً مكانيّة في عالمنا المعاصر ذي الفرص المتساوية”(17)، يبيّنُ المؤلّفان بعد ذلك أين يمكنُ للنساء أن تتميّز حين يقولان: “تبرعُ النساءُ في المجالات الإبداعية مثل الأداء الفنّي والتعليم والموارد البشريّة؛ وجميع الحقول حيثُ التحليل المنطقي التجريدي غير ذي أهميّةٍ عظمى”(18)
ثم يناقشُ المؤلّفان ردّات فعل ناشطي المطالبة بالمساواة بين الجنسين عند أي نقاشٍ للفروقات بينهما، وأجد أنّه من اللازم –مرةً اخرى- نقلُ كلامِهما كاملاً إذ يقولان: “أي نقاشٍ للفروقات بين الجنسين مثل تلك التي يناقشها الكتابُ يثيرُ “عواءَ” احتجاجاتٍ من ناشطي حقوق المرأة الذين يرونها مقوّضةً لحججهم في سبيل المساواة العادلة في الحياة. لكن ومع أنّ الإجحاف المجتمعي قد يعزّز ويفاقمُ التصرّفات النمطيّة للذكور والإناث والإساءات الجوهرية؛ فإنّ تلك الصورَ النمطيّة ليست المسؤولةَ عن سلوكنا. تركيبنا الحيوي الأساسي ونظامُ أدمغتنا هما المذنبان! الكثير من النساءِ يشعرنَ بالفشل أو أنّ النساءَ قد فشلن عموماً في اقتحام المناطق الواقعة تحت سيطرة الذكور، هذا الشعورُ خاطئٌ بكلّ بساطة، لم تفشل النساء؛ كلّ ما في الأمر هو أنّهنّ غيرُ مهيئاتٍ لدخول المناطق التي تناسبُ عقولَ الذكور أكثر. لم تفشل النساء؛ فقط فشلنَ في أن يكنّ رجالا! إنّ الفكرةَ القائلةَ بأنّ النساءَ لم تنجح في المجتمع غيرُ صائبةٍ سوى في حالة الافتراض بأنّ مقياسَ نجاحِ الذكور هو -أو ينبغي أن يكون- المعيار لنجاح الجميع. لكن من قالَ أنّ تبوّءَ منصب المدير التنفيذي وقيادة مؤسسة ما أو قيادة طائرةٍ ضخمة أو برمجة مكّوك فضاء هي أقصى مقاييس الإنجاز؟!”(19)
ونختمُ استعراضنا لهذا الجزء بنقل تشبيهٍ بليغٍ أتى به المؤلّفان في تصويرهما للمساعي المبذولة لجعل أحد الجنسين يتصرّف كالآخر، وذلك حين قالا: “يمكنك أن تنجحَ في تعليم الكلب المشيَ على رجليه الخلفيّتين، وإن كرّرَ الكلبُ هذا السلوكَ بانتظامٍ فقد تشبهُه ذرّيتُه في ذلك أيضا، لكنّ هذا ليس الوضعَ الطبيعيّ للكلب؛ ويتطلّبُ الكثيرَ من الألم والجهد ليتمكّن من المشي بتلك الطريقة. وضعُ الكلب الطبيعيّ هو أن يمشيَ على أربع”(20)
بالطبع لا ينبغي أن يفوتنا التنبّه إلى أنّ لكلّ قاعدةٍ استثناء، وأنّه قد يوجدُ بين الجنسين –الذكر والأنثى-من يشبه الجنسَ الآخر أكثر أو يستطيعُ القيامَ بما يستطيعُ الجنسُ الآخر القيامَ به، لكنّ هذا يبقى استثناءً ولا يصحّ أن يُتّخذَ دليلاً لدحض ما أثبته العلمُ من الفروقات الجوهرية بين الجنسين.

*جميع الاقتباسات من الكتاب ترجمةٌ شخصيةٌ من كاتب المقال، وأيّ خطأ في الترجمة يتحمّلُها الكاتبُ ولا تلزمُ مؤلّفَي الكتاب.
(15)
Alan & Barbara Pease., (2001), “Why men don’t listen & women can’t read maps”, Orion Books Ltd: London, p. 125
(16)
128 المصدر السابق، ص
(17) و (18)
المصدر السابق، ص 129
(19)
المصدر السابق، ص132
(20)
المصدر السابق، ص 134

الخامس والخمسون ثقافة وفكر

عن الكاتب

يحيى الرواحي

كاتب عماني