ما بعد زوال “إسرائيل”

كتب بواسطة يحيى الرواحي

تُرى ما الذي سيحدثُ لذلك الكيان عند زوال “إسرائيل”؟! توقّع المفكّر المسلمُ الكبير محمّد الغزالي في كتابه “الإسلام والأوضاع الاقتصاديّة” أنّ “زوالَ إسرائيل قد يسبقُه زوالُ أنظمةٍ عربيّة عاشت تضحكُ على شعوبها”، وكنّا شخصياً نتوقّعُ أنّ ذلك مصيرُ هذا الكيان الذي نتحدّثُ عنه، لكنّ تطوّرَ الأحداث في السنوات القليلة الماضية يجعلنا نظنّ أنّ زوالَه إمّا أن يسبق زوالَ “إسرائيل” أو ربّما سيكون نتيجةً له! يبقى أنّه حين زوالهما سيعجبُ المخدوعون من مبلغ سذاجتهم إذ لم ينتبهوا لكلّ الدلائل التي كانت تدلّ على حقيقة ذلك الكيان مع وضوحها وضوحَ الشّمس في رابعة النّهار!

في إحدى حلقات برنامج “الجزيرة” الشهير “شاهدٌ على العصر”؛ تنبّأ الشيخُ الشهيدُ أحمد ياسين بزوال ما يُسمّى دولةَ “إسرائيل” في الربع الأول من القرن الميلادي الحالي، بل إنّه حدّد عام 2027 م عاماً لا يكونُ فيه وجودٌ لها! استند الشيخُ الشهيدُ في توقّعه على استقراء وتحليلٍ لما وردَ في القرآن الكريم من قصّة تيه بني إسرائيل أربعين سنةً، مستنتجاً أنّ الأجيال تتبدّلُ كلّ أربعين سنة، وأنّه عند قيام إسرائيل كان لدينا جيلُ النكبة، ثمّ جاء جيلُ الانتفاضة والمقاومة، والجيلُ الحالي هو جيلُ النصر والتحرير!
تلكَ النبوءةُ ليست الوحيدة التي تتحدّثُ عن زوال “إسرائيل”، فالنبوءات كثيرة، بل إنّ كثيراً من تلك النبوءات تُنسبُ إلى بعضٍ من أساطين تلك “الدولة” (لم يتسنّ للكاتب التحقّق من مصدرٍ موثوق من تلك النبوءات المنسوبة لبعضهم، سوى ما تناقلته بعض مواقع الأخبار)، لكن ما يعنينا هنا وبعيداً عن الشطط أو الإيغال في “التنجيم” المصاحب لبعض تلك النبوءات، هو أننا شخصياً آمنّا ولا زلنا نؤمن أنّ زوال “إسرائيل” واقعٌ لا محالة، ونؤمنُ أنّه في عام 2030 م أو قبله لن يكون هناك وجودٌ لما يُسمّى “دولة إسرائيل”، توقّعنا هذا يستند إلى معطياتٍ كثيرة أهمّها استقراءُ تطوّر الأحداث منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وليس المجال لبسطها هنا، لذا فليأذن لي القرّاءُ الكرامُ أن أواصلَ الحديثَ على أنّ زوالَها حقيقةٌ واقعة، ولنلقِ الضوءَ على ما بعدَ زوالها!
لعلّ أعظمَ ما سيصدمُ الكثيرَ بعد زوال “إسرائيل” هو اكتشافُ أنّها لم تكن العضوَ الدخيلَ الوحيدَ الذي زُرعَ في وطننا العربيّ، بل إنّ هناكَ عضواً آخر زرعَ قبلَها ومهّدَ لقيامها! وكانت مهمّتُه الأساسُ طوال حياة الكيان الصهيوني تشتيتَ شمل المسلمين وحرفَ بوصلة جهادهم بتوجيهها بعيداً عن ذلكم الكيان المسخ! وقد نجحَ في مهمّته تلك فأجّج صراعاتٍ مذهبيّةً اكتوت بنيرانها بلدانٌ كثيرة، وساهمت في صرف الأنظار عن قضيّة فلسطين، كما أنّه نجحَ في تصوير دولٍ وشعوبٍ مناصرةٍ لفلسطين ومقاومتها على أنّها أعداءُ للأمّة، مستغلاً العاطفة الدينية والعصبيّة المذهبية في ذلك! ولم يقتصرْ دورُه على ذلك فحسب، بل إنّه تعدّاه إلى العبث بشعائر المسلمين والتلاعب بعباداتهم كمواقيت رمضان والحج، والحرب الشعواء التي شنّها على مقدّسات المسلمين ومحاولة تغيير معالمها وطمس آثارها، وكلّ ذلك تحت غطاء التوسعة والتطوير والتحديث!
تُرى ما الذي سيحدثُ لذلك الكيان عند زوال “إسرائيل”؟! توقّع المفكّر المسلمُ الكبير محمّد الغزالي في كتابه “الإسلام والأوضاع الاقتصاديّة” أنّ “زوالَ إسرائيل قد يسبقُه زوالُ أنظمةٍ عربيّة عاشت تضحكُ على شعوبها”، وكنّا شخصياً نتوقّعُ أنّ ذلك مصيرُ هذا الكيان الذي نتحدّثُ عنه، لكنّ تطوّرَ الأحداث في السنوات القليلة الماضية يجعلنا نظنّ أنّ زوالَه إمّا أن يسبق زوالَ “إسرائيل” أو ربّما سيكون نتيجةً له! يبقى أنّه حين زوالهما سيعجبُ المخدوعون من مبلغ سذاجتهم إذ لم ينتبهوا لكلّ الدلائل التي كانت تدلّ على حقيقة ذلك الكيان مع وضوحها وضوحَ الشّمس في رابعة النّهار!
زوال “إسرائيل” سينتجُ عنه أيضاً انحسارُ مناهج تسمّى زوراً “فكرية”، ودعواتٍ وُصِفَت كذباً وتدليساً أنّها “إصلاحيّةٌ وتنويرية”؛ لم تقم إلا بفعل “الصهيونية” ولأجلها، وتعرية أصحابها أمامَ من كان غشاءُ الجهل يحجبُ عينيه فيحسبُ أنّه لباسٌ سابغٌ يرتديه أولئك! وهي مناهجُ ودعوات كان قوامُها احتقارُ العقل المسلم، وانتقاص التديّن المسلم، و الغضّ من أثر العقيدة في بناءِ الإنسان المتحضّر! وليسَ عجيباً أن تتقاطعَ هذه المناهجُ مع ذلكم الكيان الآخر الذي لبسَ لبوسَ الإسلام، فالأخير كان يوفّرُ لأصحاب هذه المناهج ما يحتاجونه من أمثلةٍ سيّئةٍ ومشوّهة للتدليل على فساد التديّن “المسلم”، وتطرّف الفكر “المسلم”! فكلاهما أي ذلك الكيان المشبوه وهذه الأفكار والمناهج المضلّلة، صادران عن المصدر ذاته!
وقد عمل كلاهما على صرفِ المسلمين عن أسبابِ قوّتهم وعوامل نصرهم بطريقين رئيسين:
أمّا ذلك الكيان، فعمدَ إلى تفريخِ جماعاتٍ وحركاتٍ ترفعُ زوراً لواءَ الإسلام والجهاد، ولا تأتي من الأفعالِ إلا ما يؤدّي إلى نفرةِ النّاس من الإسلام والجهاد، وإلصاق تُهمِ “الإرهاب” و”البربريّة” به، كاستحلال الدماء والأموال والأعراض، وتكفير جميع أهل القبلة من مخالفيهم!
وأمّا أصحابُ تلك المناهج “الفكرية” والدعوات “الإصلاحية” –بزعمهم- فعمدوا –إمّا عمداً أو جهلا- إلى الدعوةِ لكلّ شئٍ يقطعُ صلةَ الأمّة بما به نصرُها؛ وأولُ ما ابتدأوا به هو تشكيك الأمّة في قدراتها، وجعلها تؤمنُ بعجزها وتخلّفها، فوصموا عقلَها بالجمود، وعامّتها بالقطيع ذي النزعة المحافظة الفطرية، وجعلوا التمسّكَ بالدين أو أي شئٍ من التقاليد عصبيّةً جاهليّة، حتّى وصلوا إلى الجهرِ بدعوى أنّ سرّ تخلّف الأمّة وهزيمتَها يكمنُ في دينها! وبأنّ التقدّمَ والرقيّ والنصرَ لن يتحقّقَ إلا بالتخلّي عن الماضي بكلّ ما فيه!! ولا يخفى ما في هذه الدعاوى من خدمةٍ للمشروع “الصهيوني” وقطعٍ للصلة بين المسلمين و”الوقود” الذي يغذّي مقاومتهم له!
وإن شئتَ أن تعجب، فاعجب أن يرفعَ لواءَ هذه الدعاوى أناسٌ في بلادنا بعد أن ثبتَ فشلُها في أقطار أخرى أخذت بها وطبّقتها نُخبُها الحاكمة و”مثقّفوها” سنين عديدة، فما كان من نتيجتها سوى هزائم متلاحقة مُنيت بها تلك الأقطار، وتخلّفٌ في جميع الميادين، حتّى أصبحت تلك البلدانُ مضربَ المثل في إهدار الثروات والفساد والتخلّف العلمي والمدني! واعجب أن يُنادى بمثلِ تلك الدعاوى وقد أثبتت الانتصارات التي حقّقتها المقاومات الإسلاميّة في لبنان وغزّة خطأها أو على الأقلّ عدمَ اطّرادها! فهَبْ مثلاً أنّ المقاومةَ في لبنان أو غزّة آمنت بدعاوى هؤلاء في تخلّفِ العقل المسلم وعجزه؛ فهل كان لها أن تطوّرَ من القدرات القتاليّة ما أدهشَ العدوّ وجعلَه يرتدّ خائبا؟! ثمّ هبْ أنّ دعاوى هؤلاء في أنّ التديّن سببُ الهزيمة والتخلّف صحيحة؛ فبمَ ستفسّرُ ثباتَ أولئك المقاومين مع قلّةِ عددِهم وضعف إمكانيّاتهم مقارنةً بعدوّهم؟ وبمَ ستفسّرُ من أسباب ماديّةٍ عجزَ جيشٍ مزوّدٍ بأحدث ما توصّلَ له العقلُ البشريُّ من إمكانات في كسرِ شوكتهم أو الفتّ من عزيمتهم؟! ثمّ افترضْ مجاراةَ هؤلاء في سخريّتهم من “الكرامات” وتسميتها بـ “الخرافة” فبمَ سيفسّرون ما صاحَبَ المجاهدين من أحداثَ ووقائعَ لا تفسيرَ ماديَّ لها، كأولئك المجاهدين الذي حُبسوا في نفقهم لواحد وعشرين يوماً كاملا بعد قصفه وانهياره، وتبجّسِ نبعِ عينٍ أبقاهم على قيد الحياة؟!
إنّ زوالَ “إسرائيل” الواقع قريباً لا محالة، كفيلٌ بإظهارِ كثيرٍ من الحقائق المغيّبة، وتعريةِ الكثيرِ من المندسّين والمخدوعين، ولن ينتبه أولئك المخدوعون إلا على تخلّفهم عن ركب الانتصار، وفشلهم في ركوب قطار العزة الذي انطلق دون توقّفٍ، ويزدادُ سيرُه سرعةً يوماً بعد يوم، حتّى يُصبحَ من العسير على من فوّت ركوبَه عند انطلاقه أن يظفرَ بالقفز إليه عند مشارفته وصولِ محطّة الظفر!
فإذا كان الأمرُ كذلك؛ فما المطلوبُ من كلّ واحدٍ فينا ليضمنَ أنّه ليسَ من المخدوعين أو ممّن يرفعون شعارات الهزيمة والخذلان عمداً أو جهلا، وليضمنَ أنّه فردٌ من أفراد جيل النّصر والتحرير؟
الأمرُ الأوّلُ الذي ينبغي فعلُه أن ينزعَ من كان يلبسُ نظّارةَ “المذهبية” أو “الحزبيّة” أو “الطائفيّة” نظارتَه، ليتمكّنَ من رؤيةِ الحقائق كما هي على الأرض، وليحاكم “الدول” و”الحركات” بأفعالها وأقوالها، لا بما يؤمنُ هو أنّها تخفي في نفوسِها وتستعملُ “التقيّة” في كتمانه! فليسَ من الحكمةِ في شئٍ أن تُتّهمَ دولٌ قدّمت للمقاومة ولقضيّة فلسطين من الدعمِ الماديّ والمعنويّ ما لا يمكنُ نكرانه بأنّها ضدّ المقاومة والقضية! فيما تُبرّأُ ساحاتُ دولٍ فاحت روائح تآمرها وتعاونِها مع العدو حتى أزكمت الأنوف وأغشت الأعين!
ثمّ ليطبّق أولئك المعتنقون لمذاهب يسمّونها “فكرية” ومناهج يدّعونها “إصلاحيّةً تنويرية” ما يدعون إليه من تفكيك وغربلة للأفكار، على ما يعتنقونه، فلعلّهم يكتشفون لو تجرّدوا حقّ التجرّد، أو ملكوا العلمَ والفهمَ حقاً أنّ مذاهبَهم الفكريّة ومناهجهم التنويرية الإصلاحيّة ما هي إلاّ صناعاتٌ “صهيونيّة” عملت منذ نشأتها على إبعاهم عن طريق التقدّم، وسبيل النّصر، ولا أحسبُ أنّ الأمرَ عسيرٌ في اكتناه الحقائق ولدينا من التجارب في منطقتنا بين من رفعوا تلك الشعارات واعتنقوها وبين من رفعوا لواء المقاومة الإسلاميّة وطبّقوها؛ ما هو كفيلٌ بتوضيح الصبح لذي عينين مبصرتين!
أمّا تلك الشجيرات المتسلّقة، والحرباوات المتلوّنة، التي تنادي بمبدأٍ في الصباح، وبضدّه في المساء، وغرّدت دهرَها بكلّ ما يقدحُ في المقاومة وما تستندُ إليه من أفكارَ ومبادئ، ثمّ لمّا رأت رجحان كفّة المقاومة وظهورَ انتصاراتها، ركبت موجةَ المقاومة، وأصبحت “مقاومةً” بلسانها أكثرَ من المقاومة نفسها! ونصّبت أنفسَها متحدّثةً باسمها حتّى لتكادُ تخالُها إحدى قياداتها الميدانيّة، وراسمي سياساتها “الاستراتيجية”، فلا نقولُ لها سوى أنّ السماجةَ قد بلغت مداها، والجهالةَ قد عمّت رُباها، وما فعلُها سوى تواصلٌ في سلسلة انحدارها وسقوطها، وما عاد يُخدعُ بها سوى من كان من طينتها!

الثاني والخمسون سياسة

عن الكاتب

يحيى الرواحي

كاتب عماني