ما يتركه الفيلسوف؛ في الأسئلة المنسيّة

ما الأسئلة الفلسفية التي لم يطرحها الدكتور على نفسه؟ أو التي تمنى أن يشتغل عليها، ولكن لأي سبب من الأسباب لم يفعل؟ أو التي يتمنى أن يكون لك تلاميذ يواصلون ما بدأته؟ هل سبب تجاوزك لهذه الأسئلة لأنها لم تنضج كفاية؟ أم لغياب مناهج النظر فيها؟ أم لأنها غير مهمة اجتماعيا؟ أم لأنها محرّمة عربيا؟

 

د. عبد السلام بن عبد العالي

لعل السؤال يقصد المجالات التي كنت أتمنى الخوض فيها ولم أفعل. ربما يصعب تحديد هذه المجالات وحصرها نظرا لاتساعها. فالدرس الفلسفي، في المغرب على سبيل المثال، حديث لا نستطيع أن نرجع به إلى أبعد من نهايات خمسينيات القرن الماضي. وترجمات الأصول مازالت متعثرة لأسباب معقدة، من بينها أننا مازلنا في طور فتح لغتنا على الحداثة. هذا فضلا على أننا نوجد في الفلسفة بين تراثين ضخمين، لا يقل أحدهما عن الآخر أهمية. ها أنتم ترون أن الطريق صعب، وهو يتطلب مكابدة ونضالا على مستوى النظرية.

سؤال ممتد: هذا السؤال يشبه أن نطلب من الباحث أن يدرس موضوعا ما ثم لا يجد مصادر عربية تتحدّث عن الموضوع، فيضطر إلى الاعتماد كليّا على اجتهادات الشعوب الأخرى، أو حتى عندما يريد الكاتب الفلسفي أن يضرب أمثلة على تحليلاته فيلجأ إلى مجال ثقافي آخر غير مجاله. كما لو أن هناك أسئلة منسيّة في المشهد الفلسفي العربي. لفت انتباهي فيما قلت؛ مسألة “فتح اللغة العربية على الحداثة”. كما لو أن د. عبد السلام يرى أن اللغة العربية ما تزال لم تقتحم حقول تفكير أخرى. ما الذي يراه بنعبد العالي هنا، ولا يراه جمهور الفلسفة عربيا؟

أنا لا أرى عيبا في الانفتاح على كل الثقافات مكانا وزمانا، لم يكن نيتشه، على سبيل المثال، يرى عيبا في الاستشهاد بأديب فرنسي مثل ستاندال أو موباسان. مثلما لا يرى هايدغر عيبا في الحوار مع الفلاسفة الإغريق، أو البيروني في حديثه عن ثقافات متعددة.

أما فيما يتعلق بعجز اللغة فهذا أمر نلمسه عند الترجمة. كما تعلم، أنا أجتهد كثيرا لنقل نصوص فلسفية إلى العربية، إلا أنني أجد عجزا كبيرا في نقل بعضها، مثل نصوص دريدا على سبيل المثال. والأمر لا يخص اللغة العربية وحدها، ويكفي أن نتابع ترجمات هيجل وهايدغر إلى اللغة الفرنسية لنلمس ذلك. 

 

د. محمد شوقي الزين

هناك أسئلة لم أشتغل عليها بسبب ضيق الوقت، ولكيلا أجمع عدة اهتمامات في الوقت نفسه تفاديًا للتشتت. لكن، إذا كان لي اهتمام بموضوع ما ولا أجد الوقت الكافي للانكباب على دراسته، فإني ألجأ إلى الترجمة، باختيار الكتاب الملائم الذي يدخل في صلب اهتماماتي. مثلًا، ترجمتي لكتاب جان غرايش «العيش بالتفلسف» للنظر في العلاقة بين الفلسفة بوصفها مؤسسة ثابتة من النصوص تنتمي إلى إقليمٍ بعينه (الإغريق) والتفلسف بوصفه عملية متغيرة من التفكير مع النصوص وضدها وينتمي إلى أقاليم متعددة (آسيوية، عربية، لاتينية، إلخ). وفَّرت لي ترجمة هذا الكتاب وقتًا ثمينًا.

الشيء نفسه مع مفهوم الحقيقة. منذ مدَّة أفكر في إنجاز عمل حول الحقيقة، لكن بسبب اشتغالي على قضايا أخرى ومنها النظرية الثقافية، ارتأيتُ ترجمة كتاب آخر لجان غرايش عنوانه «موعد مع الحقيقة».

في نظري، تُعد الترجمة هي «ما لا يُطرَح على النفس» من قضايا وأسئلة، أو لنقل بأنَّا نطرح هذه القضايا والأسئلة بوساطة الترجمة. حتى الأسئلة المحرَّمة يمكن طرحها بوساطة الترجمة، وإن كان ينبغي التصرُّف في الترجمة بتكييف عباراتها مع السياق التداولي. كان هذا مثلًا في عز الحرب الباردة بترجمة روايات أمريكية إلى الروسية بالتحايل على الروح الشيوعية الغالبة وعكسه بترجمة الروايات الروسية بصفتها إزاحة داخل الفكر الأمريكي الليبرالي.

أجازف بالقول بأن الترجمة في حد ذاتها هي السؤال الفلسفي الذي لم نطرحه على ذواتنا. ومهما ترجمنا أو كتبنا حول الترجمة، تفلت هذه الأخيرة من طريقتنا في المقاربة الفلسفية. تريد الترجمة أن تكون ممارسة عملية تحثنا على التفكير فيما تتحدث عنه، لكن تختفي عندما نقصدها بالتفكير والسؤال الفلسفي. لماذا؟ ربما لا يوجد جواب عن هذا السؤال ما عدا الإشارة البابلية في استحالة تحديد اللحظة الأولى لتفكك اللغات وانفصالها عن بعضها. لذا، تبقى الترجمة هي السر المكنون واللغز المحيِّر.

 

د. محمد المصباحي

لا يمكن للمرء أن يتناول في حياته كل الأسئلة. وهناك أكثر من سؤال لم يكن الوقت كافيا لتناوله، وتهم خاصة مجالات العقل العملي، كسؤال الأخلاق وسؤال السياسة وسؤال الجسد بنزواته وانفعالاته ونزوعاته، وسؤال الفلسفة الشعبية، وسؤال علاقة الأدب والفن بالفلسفة. مثلا كنت دائما أتمنى أن يسمح لي الوقت أن استخرج فلسفة كبار الشعراء كالمتنبي والمعري ومحمود درويش من دواوينهم الزاخرة بالأفكار والتلميحات الفلسفية.

 

سؤال ممتد: هل تظن أن المحرمات الثقافية أو الخطوط الحمراء الكثيرة لدى السلطة (بمختلف أشكالها) سبب في عدم طرح أو تناول بعض الأسئلة الفلسفية؟

في الفلسفة الخطوط الحمراء حوافز، وليست مثبطات، إذ هي التي ترشدنا إلى الأسئلة الحقيقية. ولا أعلم أن هناك خطوطا حقيقية حمراء وُضعت أمامنا. أنا أتمنى لو كان في زماننا رجل مثل الغزالي فيضع أمامنا ثلاثة مسائل علينا ألا نقترب منها (النفس، خلود العالم، الله). الخطوط الثلاثة التي وضعها الغزالي لم تعد حمراء، بل أصبحت خضراء بفضل التقدم العلمي في كل المجالات.

 

د. الزواوي بغورة

لا أصدر في عملي وبحثي عن فكرة كلية، أو مشروع شامل، يحمل أسئلة محددة معدة سلفا، ويسعى لتقديم أجوبة شافية، ولكنني أقوم بأبحاث جزئية تحاول، قدر الامكان، تحليل أسئلة محددة في اللغة، والعدالة، والهوية. وغالبا ما تؤدي هذه الأسئلة والتحليلات الى طرح أسئلة جديدة. وهو ما يعني أن طبيعة البحث الذي أقوم به هو الذي يفرض أسئلته التي أحاول جاهدا الإجابة عليها. وعليه، فإنَّني لا اعتقد أن الأمر يعود لغياب المنهج، أو لأنها محرمة. إن الانتماء إلى الفلسفة وإلى البحث الفلسفي يتطلب الخضوع فقط لمحكمة العقل، ولا شيء يعلو عليه.

 

د. عبد الله السيد ولدبّاه

من الصعب الإجابة على هذا السؤال، لكن أود فقط أن أقول إن الموضوع الذي كنت أود أن أتفرغ له وأرجو أن يشغل الجيل الجديد من دارسي الفلسفة هو موضوع البلاغة العربية من منظور فلسفي منطقي، أي أدوات الحجاج والإقناع والتعبير في النص الأدبي العربي الذي غاب إجمالا عن اهتمامات المشتغلين بالتراث من الفلاسفة العرب المحدثين. عندنا إرهاصات مشجعة في كتابات طه حسين وأمين الخولي. لكنها غير كافية وتحتاج إلى تطوير وتعميق.