محمد شوقي الزين.. فيلسوف اللامفكر فيه

إلى أي مدى تتفق مع العنوان الذي اخترناه لاختزال فلسفة الدكتور محمد شوقي الزين؛ “فيلسوف اللامفكر فيه”؟

هناك بالفعل شيء غير مفكَّر فيه عبر بعض الأسئلة المطروحة والتي لم ترع الاهتمام. مثلًا: البُعد التداولي المهجور أو غير المفكَّر فيه، هو الذي أطرحه تكميلًا واستئنافًا للبُعد التأويلي. مثلًا، قضيتُ سنوات في البحث لأفهم في الأخير أنَّا في الحقيقة لا نتبع فلسفة الآخرين ولم تكن الفلسفة العربية الإسلامية مجرَّد “فلسفة إغريقية مكتوبة بالعربية” كما قال أرنست رينان، بل يلعب البُعد التداولي دورًا رئيسًا في تبيان جانب الإبداع فيما نكتبه أو فيما وصل إلينا من الماضي. بمجرَّد أن نُدرج المؤشرات التداولية مثل المكان والزمان والنحن وذكاء الاستعمال، فإنَّا نُعبِّر عن كينونة لها القدرة على إظهار شيءٍ من ذاتها. لم نعطِ لهذه الحقيقة التداولية حقها من الدرس، لأن بمجرَّد ما “نستعمل” فكرة، فإنَّا نُبدع فيها ما دام تلك الفكرة تنتقل إلى سياق مغاير يقوم بأقلمتها وتملُّكها وتلوينها بألوانه. ومن ثمَّ، فإن ما نتداوله من فلسفات إنما هو ما نفكِّر فيه بمؤشراتنا الخاصة وفي سياقنا التاريخي.

يكمن وجه الإبداع هنا بالضبط، تمامًا كما تقول نظريات ما بعد الحداثة في الفن: ليس الإبداع الإيجاد من عدم، بل هو الاشتغال على عناصر موجودة سلفًا بمعقولية مغايرة وعبقرية أصيلة. لأن بمجرَّد ما نُعطي للعناصر الموجودة سلفًا صورة جديدة ومختلفة، فهذا وجه الإبداع نفسه. إذا بحثنا عن وجه الإبداع في الفلسفة العربية الإسلامية غير “الروح الفلسفية الإغريقية” المترجمة والمنقولة إلى العالم الإسلامي، فما هو؟ أقول بأنه موجود في معقولية اللسان العربي نفسه الذي ينبغي إعادة الاشتغال عليه. يمكن عزل فكرة عن إقليم معيَّن (السياق الإغريقي) والنظر في الكيفية التي تأخذ بها معنى جديد عندما تتسربل لباسًا لغويًا جديدًا في إقليم آخر. هنا مكمن النُقلة أو الانتقال في التصوُّر والتفلسف.

عندما نقرأ الكندي والفارابي وابن باجة، لا يمكن أن نقول بأنهم “أرسطو” يحمل عمامة على رأسه ويتكلم العربية. هناك إزاحة في القول الفلسفي العربي، ليس فحسب على مستوى اللسان، بل كذلك على صعيد المبحث، مثل العلاقة بين العقل والنقل التي لم يعرفها القدماء، لأنها طرحت مشكلات كلامية وفلسفية جسيمة بدخول الوحي في التاريخ، ووجَّهت التفكير الفلسفي نحو قضايا جديدة.

 

الملاحظ مؤخرا أن محمد شوقي الزين مهتم بالتفكير الفلسفي في الصورة. تابعت لك محاضرة عن دريدا والباروك، وعدة مقالات عن فن الأيقونة في التراث الديني. يبدو لي كأنك تريد استقراء ما يمكن تسميته بلاهوت الصورة، على اعتبار أنها نوع من اللاهوت المفتوح الذي يمكن أن يخصّب اللاهوت التقليدي المغلق. هذا يقودني إلى تنظير آخر لك للتمييز بين الخيال والمخيال، وبتحريم الصورة في الاسلام، وعلاقة ذلك بقدرة المسيحية على تجاوز نفسها في مقابل النظام الصارم في الاسلام. هل هذا فعلا ما جذبك للتفلسف في لاهوت الصورة والأيقونة أم أشياء أخرى؟

التفكير في الصورة هو امتداد للتفكير في الثقافة. كل تفكير في الثقافة يمرُّ عبر دراسة الصورة. الفاصل بين الطبيعة والثقافة هو الفاصل بين الشكل والصورة. تصنع الطبيعة الأشكال (أشكال الجبال والأنهار والأشجار)، لكن لا تصنع الصور. الصورة هي ابتكار ثقافي. لذا، اتَّخذت أنماطًا متعددة من الدراسة. يمكن الحديث عن لاهوت الصورة الذي يقرأ وجود الإنسان على صورة الإله؛ وفلسفة الصورة التي تقرأ نظام التمثُّل البشري وتجلياته في الفن والأدب والمعمار؛ وفينومينولوجيا الصورة التي تقرأ ما تكشفه الظواهر بذاتها لنظام الوعي والتمثل، إلخ.

يمكن تعداد كل الأنظمة المعرفية التي تشتغل على الصورة. لكن يبقى الإشكال المطروح: لماذا اختفت الصورة في التاريخ الفلسفي ما عدا بعض المحطات العابرة وغير الحاسمة؟ عندما طرد أفلاطون «نظام الصورة» من التفلسف بهجاء الفنان (المقلّد) والسفسطائي (صاحب زخرف القول) وحبَّذ في مكانها «نظام الفكرة» (الجدل والحوار الحي)، فإن الصورة لجأت إلى الفن والأدب واللاهوت للتعبير عن حقها في الوجود والتعبير. ثم كانت فريسة التقسيم المعرفي بجعل الفلسفة مملكة العقل، والفن والأدب أقاليم الانفعال الذي تثيره الصورة بقدرتها على الإغراء والاستمالة. لكن بانهيار الجدران بين الفلسفة والأدب مع صعود تيارات ما بعد الحداثة، وبصيرورة الصورة حضارة العصر في التقنية والفن والتكنولوجيات الحديثة والعالم الأثيري والافتراضي، فإن الفلسفة مدعوة لأن تتصالح مع الصورة التي أقصتها في تاريخها المعرفي. تنخرط محاولات دولوز (الفن والسينما) في هذه المصالحة وكان قد سبقها نقاش صارم ومثمر حول الأفلاطونية ومسألة السيمولاكر (الإيهام) الذي بسببه عيَّر أفلاطون منظومة الصورة.

 

في سؤالي لك عن فلسفة الصورة؛ سألت عن علاقة لاهوت الصورة بقدرة المسيحية على تجاوز نفسها مقارنة بالنظام العقائدي الصارم في الإسلام. فالمسيحية كما يراها البعض أكثر ديناميكية وتغيّرا. تحديثات كثيرة طرأت عليها بعد أن كانت الصورة محرمة في قرونها الأولى. هل لهذا التغيّر في استيعاب الصورة داخل اللاهوت المسيحي في مقابل رفضه في اللاهوت الإسلامي دخل في ديناميكية المسيحية المدّعاة في مقابل انغلاق الإسلام على نفسه؟

منطلق الصورة في المسيحية هو الآية الإنجيلية «خلق الله الإنسان على صورته». كانت هنالك تأويلات أدَّت إلى ما يُسمَّى في بيزنطة بـ«سجال الأيقونات»، بين قدرة الصورة على تمثُّل الألوهية وهو ما تُمثِّله «الأيقونة» أو عدم قدرتها على ذلك لأنها مجرَّد شيء حسِّي أو مادِّي وهو ما يُسمِّيه أعداؤها «الأيدولة» أو الصنم. كان هنالك نقاش محتدم وشرس، أدَّى في بعض الأحيان إلى صراعات دموية بين الفريقين، الفريق المناصر للأيقونة والفريق الرافض لها. في البداية كانت الغلبة لأعداء الأيقونة، لكن تبيَّن مع مرور الوقت بأن تبنِّي الصورة لم يكن فقط لدواعي دينية محضة عبر النقاشات اللاهوتية في المجمَّعات الكنسية، بل كذلك لدواعي سياسية وهي أن التوسُّع الإسلامي في العصر الأموي دفع بيزنطة لأن تجد شيئًا تخالف به العالم الإسلامي.

كان العالم الإسلامي وقتها «أيقونكلستيًا»، يُحرِّم الصورة والتصوير، وكان يُهدِّد بيزنطة بمختلف الغزوات والسياجات. علاوةً على الصراع العسكري، كان الصراع كذلك رمزيًا وحضاريًا، فعمدت بيزنطة إلى تبنِّي الصورة كرد فعل على العالم الإسلامي الخالي من التصوير في تمثُّله للأشياء الدينية والروحية. سيتأكَد ذلك قرونًا بعد ذلك، خصوصًا في معارك الاسترداد عندما أقدمت الجيوش النصرانية في الأندلس بشنِّ غارات على ملوك الطوائف لاسترجاع أقاليم واسعة، فسقطت المدن الاستراتيجية في الثغور الشمالية من الأندلس (سرقسطة ثم طليطلة). عندما سقطت قرطبة، أصبح الجامع الذي كان يؤمُّ فيه ابن رشد الحفيد عبارة عن كنيسة مع الإبقاء على مساحة واسعة من المسجد. من يلج في هذا الجامع-الكاتدرائية، يندهش من الأسلوب الباروكي الذي يُميِّز المنحوتات والتماثيل والجدران والهيكل في القسم الكاتدرائي منه، ويُدرك كيف أن الصراع كان حضاريًا في جوهره وهو إثبات الوجود المسيحي داخل المعلم الإسلامي بالزخم الأيقوني الذي يُؤثث ذلك المعلم.

الشيء نفسه مع قصر الحمراء في غرناطة. عندما استولى الإسبان على المدينة وهجرة آخر ملوكها، أبو عبد الله محمد الثاني عشر، قام الامبراطور شارلكان خلال حكمه ببناء قصر وسط قصر الحمراء ليكون مقرًّا له وليؤكِّد بذلك على غلبة الإسبان على الموريسكيين بعد مغادرتهم للأندلس نهائيًا. في اعتقادي، لا يمكن الفصل بين نظرية الصورة وتجليَّتها التاريخية والسياسية. وإن كانت الصورة تُدرَس لذاتها من حيث الأبعاد الجمالية والفلسفية والإدراكية، إلا أن تبنِّي الصورة في المسيحية ورفضها في الإسلام كانت لهما خلفيات تاريخية ونتائج سياسية جسيمة لم نُبرزها بالقدر الكافي.

 

‏اشتغل محمد شوقي الزين كثيرا على التصوف وعلاقته بالفلسفة. ورقتك في ملتقي بيت الزبير بالسلطنة كانت حول ذلك. وأذكر أني قرات أو سمعت لك رأيا حول الموت الفلسفي أو عندما يقال موت الحداثة أو موت المؤلف أو موت الفلسفة. اريد أن أسألك هنا؛ عن فكرة المابعديات وعلاقة مفهوم الموت هنا بالتصوف. يبدو لي تسارع هذه الحركات ودعوات الموت هذه متصلة بميول او بجذور صوفية تعود إلى الإنسان الحالي المعاصر. كما لو أنه انتبه إلى تحالف خفي بين الدين التقليدي ومادية العصر، وباتت تجربة الانتقام من كل العقلانية التي ورثها الانسان (الغربي خصوصا) من عصر التنوير؛ تتجلى في منزع صوفي يبشر بهذه الموتات والمابعديّات. ما رأيك في ذلك؟

هناك نصيب من الحق فيما ذكرته. في الحقيقة، ينتمي التصوف إلى رُباعية التفلسف التي ذكرها القدماء: تعلم العيش، وتعلم الحوار، وتعلم الموت، وأخيرًا تعلم القراءة. تشتغل هذه الرباعية وفق ثنائية منسجمة: العيش-الموت، الحوار-القراءة. في الحالة الأولى، لا ينفصل العيش عن تعلم الموت، ولا ينفصل الحوار عن طريقة في قراءة الآخر من أجل فهمه والتواصل معه. يستلهم العيش من الموت بإماتة انفعالات النفس وكل ما يُنغص العيش الرغد. لا يتعلق الأمر بالزهد القاسي كما توحيه الكلمة، بل هو نوع من الزهد المعتدل الذي يُعلِّم استساغة الحياة والتجرُّد من كل ما يُعكر صفو النفس من بين الانفعالات الغالبة (الكبرياء، الحسد، الغضب، الجشع، الطمع، إلخ). ليست المسألة مجرَّد أخلاق أو مواعظ، بل هي بالفعل فن في العيش والسلوك القويم وفق الطبيعة الإنسانية، أي وفق الفضيلة. جاءت موجة الموتات والمابعديات في ظل صعود النزعات البنيوية وما بعد الحداثة.

الغرض منها تبيان أن الإنسان والتاريخ والحضارة هي كلها ظواهر تتكلم عبرها البنيات اللاشعورية، ومن ثمَّ تراجُع البداهة والشعور واليقين. لا يمكن حتى الحديث عن الحتمية، بل فقط الحديث عن لعبة العلاقات التي تتبدَّل وتجعل الحدود في علاقة تبعية لبعضها بعضًا. ومن ثمَّ أسئلة الموت والمابعد، ما هي سوى أنماط بلاغية في الحديث عن “الفعل المتعدِّي”: ما يتعدَّى الذات نحو شبكة العلاقات التي تُحدِّدها، لأن في الحقيقة لا نقرّر ما نشاء كيفما نشاء ما لم نر السياق الذي يتيح ذلك أو لا يتيحه. لا يمكن التفكير في الحرية ما لم تكن الحتمية هي بمنزلة المعكوس مثل وجه الورقة وقفاها. الحتمية هي موت الذات، والحرية هي ابتعاثها.

 

في السؤال عن العلاقة بين التصوف ونزعة المابعديّات؛ لعلّ جوابك يفسّر في الوقت نفسه ظاهرة الميول أكثر نحو الأديان الأرضية أو الفلسفات الروحية الطبيعية لو صح القول. لست متأكدا أنها ظاهرة، ولكن عودة المطلق فيما يبدو؛ ليس هو مطلق الأديان السماوية، بل المطلق الأرضي قبل التجسّد في الإله السماوي المتعالي. ما رأيك في هذا الطرح؟

يمكن الأخذ بهذا الرأي. ثم إن الميل نحو الروحانيات المنفصلة عن الأديان هو رد فعل على ما حصل في التاريخ للأديان السماوية (خصوصًا المسيحية والإسلام) بتشكُّلها في مؤسسات وأنساق مالت نحو التعصُّب أو التطرُّف. يمكن التفكير مثلًا في محاكم التفتيش والحروب الدينية في المسيحية، وفي الإرهاب الذي طبع اليوم بعض الجماعات الجهادية في الإسلام. هذا العنف المتراكم عند المذاهب أو المؤسسات التي كان على عاتقها إدارة الدين هو الذي شجَّع البحث عن روحانيات خالصة في الحكمة الشرقية مثل البوذية والطاوية. كذلك، العديد من الغربيين الذين يعلنون إسلامهم، فمن باب التصوف والانخراط في الطريقة الروحية. ينبغي البحث عن إخفاق المذاهب والمؤسسات التي كان على عاتقها إدارة الدين والذي يمكن تحديده، في نظري، في العقل الأداتي الخالي من الروح، وهذه الأداتية مالت نحو الفولاذية في سياسة السلوكيات والضمائر من وجه المراقبة والمعاقبة.

 

‏ربما أعطف على سؤالي السابق سؤالا آخر حول التصوّف أيضا. لأني أظن أن الدكتور محمد شوقي الزين إجمالا يرى في التصوّف مسارا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الواقع العربي الذي يراه محطّما وممزّقا. يحضرني هنا ترجمتك الأخيرة لمقالة ميشيل دو سارتو “أجساد معذبة وأقوال محتجزة”، وأعطف عليها ما تثيره بعض أبحاثك حول جاك دريدا والتفكيك؛ كنوع من التشخيص والعلاج في آن لأزمتنا مع الأيديولوجيات السياسية والدينية. هل فعلا يرى الدكتور شوقي الزين في التصوف كمسار إنقاذ؛ تحطيم وإعادة بناء الذات العربية؟ وأي تصوّف بالتحديد تقصد هنا؟

كانت صورة التصوف التي تركَّبت عبر التاريخ سلبية للغاية، بجعله فرارًا من العالم وانغماسًا في الشطحات الذاتية والدروشة، وتم اختزاله إلى طرق روحية ذات أبعاد اجتماعية في التنسك والتبرك وإلحاقه في ذلك بالشرك. كل هذا عبارة عن تصوُّر «كاريكاتوري» للتصوف. أرى في التصوف طريقة في الحياة، طريقة صارمة في الاشتغال على الذات ببنائها وتكوينها مثلما نبني الحصون والقلاع. أستعير في ذلك عن الفيلسوف الرواقي والامبراطور الروماني ماركوس أورليوس صاحب عبارة «القلعة الباطنية». لأن بالفعل الذات في جهاد ضدَّ ذاتها من أجل تكوينها وتجويدها وجعلها في مقام رفع التحديَّات، وفي حرب ضدَّ انفعالاتها بضبطها وتهذيبها. يُوفِّر لنا التصوف أساسيات تجهيز الذات للاندماج بالعالم وإدارته. والعديد من الطوائف الدينية التي كانت لها الغلبة التاريخية والإدارة السياسية مثل الكاثوليكية في المسيحية، كانت ذات نزعة صوفية، فكوَّنت الإنسان الغربي تكوينًا صارمًا، وألهمته الطائفة الأخرى وهي البروتستانتية التي كانت كذلك ذات نزعة زهدية، حب العمل وقداسة العمل، فأسهمت في بلورة الروح الرأسمالية كما سلَّم بذلك عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر. في نظري، يُوفِّر التصوُّف هذه الفلسفة المتينة في تكوين الذات وحملها على الانخراط في العالم بناءً وتشكيلًا وإثراءً.

في ظل التبعثر الذي نحياه في العالم العربي، نحن بحاجة إلى هذا الالتزام والانسجام في الذات بإعادة تأهيلها وتوفير مقوّمات سلوكها للاضطلاع بقيادة العالم. لا نجد ذلك في الطوائف الأخرى التي يغلب عليها الصدام مع الآخر، أو اتِّهام الآخر. يقوم التصوف على المسؤولية الذاتية ومقومات بناء الذات أولًا. يُوفِّر التصوُّف الصور الروحانية وعلى عاتقنا تحويلها إلى مفاهيم بنائية. فهو المكمّل للفلسفة وليس النقيض. إذا كانت الأولى تأخذ بالعقل البرهاني وتعمل على التوصُّل بالعقل المحض، فإن التصوف يوفِّر طرق هذا التوصُّل عبر العقل الحدسي أو ما سمَّاه ابن عربي «العقل القابل»، له القدرة على تقمص الوجود في رمته وتقبُّل التجارب والصور مثل العُنصر الشفاف (دْيَافَان). نحن اليوم (ومنذ قرون) في قبضة العقل الآلي والجاف، الذي ميَّز في السابق الفقه الإسلامي والتسويغية المسيحية، ويُميِّز اليوم العقل الاقتصادي والتقني الذي أحدث تفاوتًا اجتماعيًا واستعمالا خطيرًا لوسائل القوة مثل الأسلحة. ملاذنا هو ما أسميه «العقل الليّن أو اللطيف» في مقابل «العقل الخشن أو الكثيف» الذي يسوس الحضارة اليوم.

 

شدّني دكتور في طرحك حول التصوف كمسار إنقاذ للواقع العربي؛ المقابلة بين العقل الأداتي والفقه الإسلامي. فهناك نزعة أداتية داخل الفقه الإسلامي، ولست متأكدا هل هذه النزعة هي الطاغية عليه، أم مظهر جزئي فيه. لو استعملنا مصطلحات العصر الحالي: ألا تجد هناك تجارب تواصلية (من العقل التواصلي عند هابرماس) في تاريخ الفقه الإسلامي؟ هناك فعلا فقهاء صوفية عديدون في التاريخ الإسلامي. ما رأيك؟

الفقه الإسلامي مثله مثل التسويغية في المسيحية (casuistry)، يقوم على العقل الأداتي لأنه يخص نظام الأفعال ويزن الحالات الخاصة في ضوء القاعدة العامة. هذا العقل الأداتي لا بدَّ منه، لأنه يسوس الأفعال والقواعد الموضوعة. لكن الخطر هو عندما يتحول العقل الأداتي إلى العقل المهيمن في وزن الأفعال والمقاصد ويترأس وجودنا في أكمله. نعرف إلى أي شيء آل العقل بعد عصر الأنوار، وكيف كانت مخاوف النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت تتعاظم بمقدار تحكُّم هذا العقل في مصير البشرية. لأن هذا العقل الذي بدأ في جو من «التفاؤل» وتقدم البشرية بخطوات حازمة نحو الاكتمال والتطور، انتهى بأجواء من «التشاؤم» من جرَّاء الحربين العالميتين في القرن العشرين وهما نتيجة تراكم في القوة وتحوُّل العقل إلى التقنية التي أتاحت إنتاج الأسلحة.

نرى بأن مسار العقل الأداتي منسجم وينتهي دائمًا بالصلابة والتحجر تمامًا مثلما أن العقل الفقهي والتسويغي انتهى بوجود مذاهب كانت تميل أكثر إلى الانغلاق والتعصُّب. كان هنالك بالفعل فقهاء صوفية، ويُعدُّ ابن عربي واحدًا منهم. لكن عندما نرى مقاربته للفقه، فهي تقوم أساسًا على البحث عن أساس غير أداتي للفقه بالبحث عن باطن الأحكام الشرعية كما نجد ذلك في الجزء الأول من «الفتوحات المكية» من طبعة دار صادر، حيث كل حكم شرعي (الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج) له اعتبار رمزي يتعدَّى المدلول الفقهي المحض.

قام ابن عربي بإلباس الفقه حُلَّة روحية وجمالية مفقودة في العقل الفقهي الخالص الذي هو عقل حسابي يرى الفعل ظاهرةً توزن بميزان الشرع؛ يُقوَّم ويُعاقَب إلى غاية أن يُناسب القاعدة الشرعية؛ شيء شبيه بـ «سرير بروكست» في الأسطورة الإغريقية حيث ينبغي أن يناسب الفعل القاعدة مثلما يُناسب الجسم السَّرير، كل عضو زائد يُقتطع وكل عضو ناقص يُمدَّد. حرص العقل الفقهي على انسجام الأفعال والقواعد هو الذي يُضفي عليه هذه الصرامة والتشدُّد.

 

أريد أن أفهم رؤية وفلسفة الدكتور محمد شوقي الزين للغة. أعرف أن السؤال هذا كبير وواسع، ولكن ما يعنيني هنا أكثر هو رؤيتك للغة الصوفية والمكثفات التي تحتمل التناقض أو البارادوكس داخلها. حيث يُلاحظ على الدكتور شوقي الزين أنه متماهي ومنخرط مع آخر ما توصّلت إليه فلسفة اللغة وأبحاثها، والترابط الوثيق بينها وبين البنية البيولوجية للإنسان. هذا الترابط الذي عبّرت عنه أبحاث الدماغ وعلم الأعصاب والعلوم الإدراكية بأكثر من شكل. هل اللغة عند شوقي الزين أكثر من مجرّد بنية فوقية؟ وكيف يؤثّر هذا النظر في تحليل ظواهر العنف التي هي أيضا ثيمة اشتغلت عليها كثير دكتور؟

اللغة هي بالضرورة ملتبسة. تتبع اللغة تعقيدات الواقع وتشابكاته. لا يمكن التعبير عن هذا الواقع بمبتدأ وخبر ومضاف إليه، أي لا يمكن التعبير عنه بلغة بسيطة تنتهي بمزاعم البداهة واليقين، وادعاءات القبض على حقيقة الواقع. كل لغة هي العجز عن الإحاطة بطبيعة الواقع وحقيقته. عندما يقول فتغنشتاين «حدود لغتي تعني حدود عالمي»، فهو يُشير إلى فكرة أنه لا يمكن أن نحيط بالعالم إحاطة تامَّة ومن خارج العالم. بل كل لغة هي تعبير محلي وناقص وملتبس لحقيقة العالم. تنعكس تناقضات الواقع على تناقضات اللغة ذاتها.

يكفي النظر مثلًا في العلاقات الدولية والجيواستراتيجية حيث تتغيَّر اللغة الدبلوماسية بتغيُّر منطق المصالح والتحالفات. على العموم، ومصداقًا لقول الفيلسوف هيرقليطس (السابق على سقراط) «لا نستحم في النهر مرتين»، الواقع هو موجات متتالية من الوقائع التي تكشف عن أحوالنا المتناقضة تجاهها ولغتنا الملتبسة في التعبير عنها وتدفعنا نحو هذه الوجهة أو تلك تبعًا للمعطيات المتوفرة. ومن ثمَّ، فإن هذه التناقضات والالتباسات هي عَرَض من أعراض الصراع الذي يُميِّز الواقع. أدرك القدماء أن الصراع يترأس العالم، دائمًا حسب هيرقليطس القائل «الصراع هو أب الأشياء جميعًا».

الصراع هو ظاهرة وجودية وبشرية، ولا يُختزَل سلبيًا وحصريًا في العنف. العنف هو إقليم من قارة الصراع الكوني الذي يشمل كذلك الإرادات المتنافرة والرغبات المتنافسة، والمنافسات الرياضية والاقتصادية والتجارية، والمعارك السياسية والأيديولوجية، والنزاعات الفكرية والمذهبية، إلخ. عندما يكون الصراع متحكما فيه يكون بنائيًا وحضاريًا، وعندما يفلت من الضبط يصير عنفًا وعدوانًا. الكل يتوقف على طريقة سياستنا للصراع، تمامًا كما ذهب الفيلسوف هيغل في طريقة إدارتنا لانفعالاتنا واستعمالها ضدَّها بتهذيبها وإرشادها نحو غايات تكوينية وإبداعية. أرى بأن اللغة تكون إبداعية عندما تُدرك طبيعة الصراع الذي يُميزها في بنيتها الداخلية أولًا، وفي علاقتها بالواقع ثانيًا وطريقة مقاربة هذا الواقع. تُقدم اللغة الصوفية جانبًا من هذا المشهد، ويكفي قراءة رسائل الحكيم الترمذي مثلًا، لندرك كيف يتكلم بطريقة مسرحية مدهشة حول صراع جيوش العقل وجيوش الهوى، ويرسم لوحة فنية حول صراع النفس ضد انفعالاتها. اللغة الصوفية غنيَّة بهذه المشاهد الصراعية الآيلة إلى تهذيب النفس وتكوينها وتمتين قُدُراتها الروحية والعقلية.

     

المُلاحظ على الدكتور محمد شوقي الزين أنه يتفلسف بعيدا عن المشاريع المركزية التقليدية لتجديد الفكر العربي. اشتباكك نادر مع أعمال الجابري وطه عبد الرحمن وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد وهشام جعيط وطيب تيزيني وغيرهم. حتى مع الفكر الإيراني المعاصر؛ حضورك متواضع! كأنك تبحث عما لم يفكر فيه بعد. فهل لديك تحفّظ ما على مشاريع هؤلاء؟ أم لأن لديك رؤيتك وفلسفتك الخاصة لتحديث الواقع العربي؟ هل من مزيد إضاءة على رؤيتك هذه لقرّائك؟

كان من المفروض أن تكون لي مداخلة عنوانها «الرؤية الجابرية للعالم: التراث في أفق العقل وحده» في ملتقى دولي بدعوة من الأكاديمية الملكية المغربية، لكن تواقت ذلك مع بداية جائحة كورونا، وتم تأجيل الملتقى. صحيح أنه ليست لي قراءات معمَّقة للمشاريع الفكرية العربية، ما عدا بعض الإشارات هنا وهناك، مثلًا بعض القراءات للمفكر التونسي هشام جعيط في ضوء نظرية المحاكاة والعنف والمقدس عند رونيه جيرار، أو المفكر اللبناني علي حرب الذي ترجمت كتابه «حديث النهايات» إلى الفرنسية، أو كذلك محمد أركون.

لم أر جدوى من تكرار الثيمات نفسها التي عالجها هؤلاء المفكرون وبالبراعة والعبقرية التي تتعدَّى ما يمكن أن أقدِّمه في هذا المجال، بل ارتأيت أن أعالج مسائل أخرى وبوسائل منهجية تختلف عن منهجياتهم. مثلًا، كان الغالب في قراءاتهم هو استعانتهم بالمنهج الماركسي لفهم الواقع الاجتماعي العربي، أو المنهج العقلاني-الابستمولوجي، أو المنهج النفسي والتحليلي. اخترت من جهتي المنهج التأويلي الذي يُقدّم مقاربات واسعة وغير حصرية، لأنه يستفيد من كل المعارف في تشكيل تصوُّر عام حول المشكلات الحضارية للسياق العربي الإسلامي.

كذلك، إذا كانت المشاريع العربية استلهمت من الطروحات المنهجية الغربية، خصوصًا ميشال فوكو (يُنظر كتاب الدكتور الزواوي بغورة «ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر: محمد عابد الجابري، محمد أركون، فتحي التريكي، مطاع صفدي»، (2001)، اشتغلتُ على شخصيات غير معروفة مثل ميشال دو سارتو الذي أنجزتُ حوله الدكتوراه في الفلسفة بالجامعة الفرنسية. كانت الهموم الفكرية لدو سارتو تقترب كثيرًا من انشغالاتي الفكرية، أولها أنه كان متخصصًا في التصوف المسيحي واشتغل على الصوفية اليسوعيين من المتصوف الإسباني إغناسيو دي لويولا إلى جان جوزيف سورين المعاصر لديكارت، واشتغلتُ في الدكتوراه الأولى على المتصوف الأندلسي محي الدين بن عربي.

اكتشفتُ بعدها وبمقدار قراءتي لدو سارتو أنه كان من اليسوعيين القلائل في الدفاع عن الثقافات الهامشية، خصوصًا تلك التي خضعت للاستعمار الإسباني في أمريكا اللاتينية، وكان موقفه من استقلال الجزائر إيجابيًا. ثم كتب مقالًا لم أكن أعلم بوجوده عنوانه «اللقاء بالإسلام» بعثه لي صديق أرجنتيني متخصص في الأعمال التاريخية لميشال دو سارتو. وفي العديد من مؤلفاته، أشار إلى بعض أعلام التصوف الإسلامي مثل الحلاج وابن عطاء الله الاسكندري.

نادرًا ما يشير المفكرون الغربيون إلى الثقافات الأخرى، ومنها الثقافة العربية الإسلامية. هناك نوع من التمركز الغربي عمل دو سارتو على مجاوزته بالاطلاع على الإرث الروحي والثقافي للأقاليم الجغرافية الأخرى. ربما لأن دو سارتو لا يأتي من الفضاء الفلسفي الخالص، لأنه كان مؤرخًا للتصوف المسيحي وكانت ميوله أنثروبولوجية واجتماعية في قراءة المجتمعات الغربية المعاصرة والحياة اليومية. لكن حضور الفلسفة في أعماله بارز ويتجلى ذلك في نقاشه لأرسطو وكانط وهيغل وماركس وميرلوبونتي وفوكو.

ما تعلمته من ابن عربي (موضوع الدكتوراه الأولى في الدراسات العربية الإسلامية) وميشال دو سارتو (موضوع الدكتوراه الثانية في الفلسفة) ساعدني كثيرًا في بلورة رؤية خاصة حول مقاربة الواقع العربي. أولًا، البُعد الإسمي والظاهري (وبشكل أوسع الظواهري أو الفينومينولوجي) المقتبس عن ابن عربي جعلني أركز اهتمامي على المسمَّيات ذاتها، على الظواهر كما هي معطاة لحدسنا أو إدراكنا، ورأيتُ الولوج إليها من باب النظرية الثقافية وفلسفة الصورة؛ ثانيًا، أتاح لي البُعد التداولي المستلهم عن دو سارتو مجاوزة بعض الثنائيات العقيمة مثل «الغالب/المغلوب»، «الأصل/التقليد»، بتثمين «ذكاء الاستعمال» الذي يُوفر رؤية أخرى حول مجالنا الثقافي الذي لا يُختزَل في تابع أو مقلِّد بل في مبتكر لشرطه الحضاري باستعمالات ذكية ومغايرة للإرث العالمي.

بهذه الصيغة نقلب العلاقة من التراتب إلى التجاور، من التلقي إلى الإسهام والمشاركة، ولا أظن أن المستعمل للإرث العالمي يكتفي باستهلاكه، بل يُضيف شيئًا من قبيل فكرة أو نظرة أو أسلوب، ويُكيّفه مع سياقه الخاص. بذلك نُحقق فكرة أساسية وهي «العيش المشترك»، لأن هذا العيش يقوم على إدراك مباشر للآخر، حدس واقعي للغير، عندما يقوم العنف أو الكراهية على التمثُّل الممزوج بالتخيُّل والاستيهام ويصنع الآخر لا كما يظهر بذاته، بل كما يريد الصانع أن يراه، فيُسند إليه نوايا أو أغراض ليست بالضرورة صحيحة. ما أقدمه هو في الوقت نفسه فلسفة معرفية بوساطة النظرية الثقافية وفلسفة أخلاقية في العيش الشامل بالبحث عن المشترك الإنساني الجامع.

 

في نفس جو إجابتك على السؤال عن تفاعل الدكتور شوقي الزين مع المشاريع الفكرية العربية، أريد أن أسألك عن نظرية القبض والبسط عند سروش، وهي نظرية ذات جذور صوفية، لاهتمامات سروش العرفانية. لأني أعطفها على فكرة العيش المشترك التي تدعو إليها. هل اشتبكت مع نظرية القبض والبسط التي يُطرح عنها أن سروش تأثر فيها بالملا صدرا؟

نعم، استمدَّ سروش نظريته من ثنائية القبض والبسط في المعجم الصوفي. أراد أن يُعطي للشريعة وجهًا أقل صلابةً وتشدُّدًا، وأقلَّ يقينيةً وادِّعاءً، ليُبيِّن أن هذه الشريعة هي، في نهاية المطاف، مجموعة من الاجتهادات والنقاشات الكلامية والفقهية التي توقَّفت في زمنٍ ما من التاريخ الديني وصارت قواعد ثابتة غير قابلة للنقاش، على الأقل في الأصول. أما الفروع فهي تخضع دومًا للنقاش بمقدار التقدُّم في الزمن وحلول وقائع جديدةً. إذا كان تثبيت القواعد يُمثِّل جانب «القبض» لأن ينجرُّ عنه تطبيق الأحكام والحدود، فإن تأويل تلك القواعد وأقلمتها في سياقات جديدة يُمثِّل جانب «البسط».

القبض هو بمنزلة البنيان المشيَّد على أسس متينة (مثل أركان الإسلام الخمسة)، والبسط هو الممارسات التي تتمُّ داخل هذا البنيان، وهي ممارسات حرَّة، تقوم بأقلمة القواعد في السياق، تمامًا مثل الساكن في البيت، لا يُغيِّر البنيان ولا الجدران، لكن يُغيِّر طريقة الرؤية إلى البنيان بتغيير وضعية الأشياء التي تعمِّره، وتغيير الأشكال التي يظهر بها (الألوان، الزوائد الزخرفية، إلخ). إذا كانت الأساليب الجمالية هي التي تُعطي للمعمار وجهًا من الوجوه، فإن الأساليب التأويلية (مثل الهيرمينوطيقا والابستمولوجيا) هي التي تُعطي للبينان الديني وجهًا ليِّنًا وقابلًا للتطوُّر والتأقلم، أي منبسطًا وله القابلية للتمدُّد واحتواء اجتهادات جديدة ترتبط بالسياق التداولي للذوات المدركة له.

 

في السؤال عن “ديكارت للمنطقة العربية”؛ تجد بعض الباحثين يضعون الغزالي كفيلسوف الشك في الحضارة الإسلامية… إلى أي مدى يختلف الشك الديكارتي عن الشك الغزالي؟

الاختلاف بين الشك الديكارتي والشك الغزالي هو أن الأول قاد إلى المعرفة العلمية التي بُنيت على التجربة والمنهج، وقاد الثاني إلى المعرفة الصوفية التي بُنيت على الحدس أو النور الإلهي المقذوف في القلب. يمتعض البعض من أن الشك الغزالي أسهم في تراجع المعرفة العلمية في السياق العربي الإسلامي التي كانت قد حققت أشواطًا مهمة مع ابن الهيثم والخوارزمي وغيرهما. لكن لا يمكن الجزم بأن الغزالي هو السَّبب في تراجع المعرفة العلمية. ربما تضرَّرت صورة المعرفة الفلسفية بسبب هجومه على الفلاسفة في «التهافت»، لكن كانت المعرفة العلمية مستقلة بسبب اعتمادها على مبادئ مستقاة من شرطها العلمي مثل التجربة والبحث.

إذا قيل بأن نقض مبدأ السببية هو الذريعة في تراجع العلم، فإن الغزالي لا ينفرد باستبعاد السببية، أو ربما يكون قد قيَّدها وحصرها، هناك أيضًا الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم الذي أبطل مبدأ السببية، ولم يُسهم هذا الإبطال في تراجع العلم. بل إن تجريبية هيوم أسهمت في تطوُّر المعرفة العلمية في الغرب. ما كان هيوم يريد البرهنة عليه هو أن السببية لا تُعلَّل تجريبيًا، فلا نرى العلاقة بين العلة والمعلول سوى في شكل تتابع، بوجود حدث يتبعه حدث آخر.

نقضي بعد ذلك بأن التتابع يخضع إلى مبدأ وهذا المبدأ هو السببية. جرت العادة بأن الإنسان يلاحظ تتابع الأشياء فيقوم بالربط بينها على أساس التتابع أو التبعية. هذا مجرَّد اعتقاد ترسَّخ لدى الإنسان بالعادة. نرى بأن شكيَّة هيوم بمبدأ السببية لم تهدِّم نظريته التجريبية التي كان لها دور حاسم في تطوُّر العلم. ومن ثمَّ، لا يمكن أن نُحمِّل الغزالي تراجع المعرفة العلمية في التاريخ العربي الإسلامي. ينبغي البحث عن عوامل أخرى حدَّدها مثلًا محمد عابد الجابري في أولوية «السياسة» في التاريخ العربي الإسلامي على «العلم» كما شرح ذلك في كتابه العمدة “نحن والتراث”.

 

لماذا اخترت ابن باجه ليكون الفيلسوف الأقرب إليك؟ ابن باجه المعروف عنه مناوئته للغزالي وللتصوّف والعرفان عموما، واهتمامه أكثر بالعقلانية الأرسطية وبالعلوم الطبيعية، وهو الذي أدخل ابن سينا إلى المغرب، بينما أجدك اخترت سلك الصوفية في إجابتك على أحد الأسئلة، بل أجد فلسفة الدكتور شوقي الزين أكثر اتجاها للبحث في تقاطعات الفلسفة مع التصوّف والعرفان والرمز والغموض؟

أظن أن هناك سوءً في الفهم فيما يخص ابن باجة وعلاقته بالتصوف. كنت في ملتقى مالقة (إسبانيا) قد قدمتُ مداخلة حول مفهوم «الصورة الروحانية» التي تتكرر في رسائل ابن باجة ورأيتُ في ذلك دينًا للتصوف وليس محاربته له. لكن لم يكن هذا التأويل موضوع استساغة من لدن بعض الدارسين لابن باجة الذي رأوا فيه تجنيًّا عليه وتشويهًا لفكره، رافضين كذلك عبارة «التصوف الفلسفي» الذي أشاعه المستشرقون.

لكن أرى بأن هناك خلطًا رهيبًا وسوء فهم بشأن التصوف الذي اختُزل إلى طرق صوفية وشطحات ودروشة. ثم مسوِّغ رفض عبارة «التصوف الفلسفي» لا يستقيم، لأن لو قدمنا خريطة حول تطور التصوف في الإسلام لرأيناه بأنه ثلاثي الأبعاد:

  1. «التصوف الزهدي» الذي بدأ في بغداد مع جيل معروف الكرخي والجنيد والذي كان أخلاقيًا وزهديًا اعتنت المدوَّنات الكبرى بإبرازه مع الكلاباذي والسراج الطوسي والقشيري وغيرهم؛
  2. «التصوف العشقي» الذي كانت له بذور أولية مع رابعة العدوية ليتأكد مع ابن الفارض ثم مولوية جلال الدين الرومي؛
  3. «التصوف الفلسفي» الذي تشكل من جرَّاء وفود الإرث الفلسفي الإغريقي إلى العالم الإسلامي عبر الترجمة وتجلى خصوصًا عند ابن عربي وأتباعه وبشكل جذري مع رواد الوحدة المطلقة مثل ابن سبعين نثرًا وعفيف الدين التلمساني نظمًا.

لا يمكن ألا نرى في هذه التطورات تفاعلات بين التصوف والثيمات الغالبة في عصره، تارةً الزهد الخالص مع الأوائل، ثم الشعر والإيحاء والخمريات والعشقيات، وأخيرًا الفلسفة عبر الوحدة الأنطولوجية ذات فروقات حاسمة بين الحدود الثلاثة المشكلة لهذه الأنطولوجيا: الله، والعالم، والإنسان. صحيح أن ابن باجة كان يسير على منوال المشائية (الأرسطية) وأتباعها أمثال الفارابي وابن سينا وكان مقام العقل عنده مهمًّا كما توحي به «رسالة اتصال العقل بالإنسان» ورسائل أخرى. لكن من الخطأ أن نُعطي للعقل هنا مدلولًا مستوحى من العقلانية الغربية لأنَّا سنرتكب مغالطة تاريخية بإسقاط مدلول حديث ومعاصر على نص قديم.

لا أظن أن العقل كما فهمه القدماء كان غريبًا عن نوع من التصوف الذي كان يمزج الإنسان بالكون والأنثروبولوجيا بالكوسمولوجيا. وما تراتبية العقول إلى غاية العقل الفعال سوى ترجمة ميتافيزيقية لما هي عليه حركة الألوهية في العالم عبر التعشُّق وارتباط الأجزاء بالكل (العقل الكلي، النفس الكلية). مثلًا يقول ابن السِّيد البطليوسي المعاصر لابن باجة في كتابه «الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة»: «فكانت صورة الإنسان أكمل الصور الطبيعية. ولا مرتبة بعدها إلا أن يتجوهر الإنسان بالمعارف، فيلحق بمرتبة المعقولات المجرَّدة عن الهيولى». لا يمكن ألا نرى في كل هذا شكلًا صوفيًا، لكن ليس بالمعنى الساذج كما نفهمه اليوم، وإنما بالمعنى الخالص في ارتباط الإنسان بأصله وتجرُّده عن شرطه الطبيعي.

المشكلة مع قراء ابن باجة والفلاسفة المسلمين عمومًا أنهم لا يريدون الخروج عن صريح النص وحرفية ما قاله صاحبه. ومن ثم، فهم يرفضون التأويلات التي لا تنسجم مع صريح النص. لكن إذا اقتصر البحث على تكرار ما قاله صاحب النص، فإنَّا لا نتقدَّم أساسًا في البحث. وعليه، تفقد القراءات المعاصرة الخاصة بالتراث العربي الإسلامي إلى الجرأة الأكاديمية في التفكير مع النص ومجاوزته بإعادة تحيينه وإلباسه حلة نظرية جديدة. هذا ممكن في التراث المسيحي حيث نجد أن جان لوك ماريون أحدث ثورة فينومينولوجية في إعادة تأويل القديس أغسطين وتوما الأكويني وديكارت، لكن نحن عاجزون عن الجرأة نفسها، بل مرعوبون من الخروج عن صريح النص. لذا، غالبًا ما تتحوَّل بحوثنا إلى نوع من الشرطة الأكاديمية في معرفة ما إذا كانت الأعمال الفكرية تطابق ما قاله النص وتسعى إلى إقصائها إذا كانت تخالفه أو تؤوِّله وفق مبادئ أخرى.

 

أريد أن أسأل أكثر دكتور لو سمحت لي عن رؤيتك عندما قلت سأرسل هيغل إلى الفيلسوف الكندي؛ على اعتبار أن كليهما اشتغل على مسألة الأنطولوجيا، وأنت هنا ربما تشير إلى رسالة الكندي في الفلسفة الأولى. سؤالي هنا تحديدا عن الكندي، الذي أهمله اللاحقون. أهمله الفارابي وأهمله ابن سينا، وربما لولا رسائله التي اكتشفت في بدايات القرن الماضي لظل لا يُعرف عنه سوى لقبه فيلسوف العرب. كيف تقرأ أهمية الفيلسوف الكندي؟

ما يثير الانتباه عند الفيلسوف الكندي هو اللغة التي كتب بها وهي من القوة والإيحاء ما يُفنِّد فكرة أن الفلسفة العربية الإسلامية هي الفلسفة الإغريقية مكتوبة باللسان العربي. يقول في «كتاب الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى»: «إن أعلى الصناعات الإنسانية منزلةً وأشرفها مرتبةً صناعة الفلسفة، التي حدُّها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان؛ لأن غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق». أجمل شيء في هذا التعريف هو أن الفلسفة عند الكندي عبارة عن «صناعة» أو «فن» وهذا يتعارض مع التصوُّر الشائع حول الفلسفة بوصفها «علمًا»، وبوجه أدق «علمًا ميتافيزيقيًا» الغرض منه معرفة الوجود بما هو وجود.

تصبح الفلسفة عند الكندي طريقة في تركيب نظام العالم أو تصوُّرنا للعالم، ويكون ذلك بصناعات أخرى مساعدة مثل المنطق الذي هو صناعة الحجَّة والبرهان، والخطابة التي هي صناعة العبارة. أعطى الكندي للفلسفة تصوُّرًا عاد إليه الفكر المعاصر مع جيل دولوز مثلًا الذي يختصر الفلسفة في «إبداع المفاهيم»، جامعًا بين الفن والعلم أو بين البُعد الجمالي والبُعد المعرفي. ثم يضيف الكندي مسألتين مهمَّتين «إصابة الحق» و«العمل بالحق»، وهذا ما يُعطي للفلسفة اكتمالها النسقي كونها تجمع بين النظري والعملي، الحقيقة من جهة (المعرفة والمنطق)، والخبرة العملية من جهة أخرى (السياسة والأخلاق).