مقاربات فكرية ولغوية تعيد للتاريخ العروبي حقائقه وحقوقه

كتب بواسطة سريعة سليم حديد

هو البحث الحثيث عن الحقائق التاريخية وخاصة أصول الحضارة العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج عبر الزمن الغابر، يفضي إلى اكتشاف الحقائق وإثبات أولوية العرب في تأسيس حضارتهم التي خلدت من خلال الأهرامات والزقورات والمعابد واللقى الأثرية وما إلى ذلك، فلا يمكن الفصل بين الدول العربية وخاصة أنها تملك منظومة اللغة المتطورة التي ميزتها عن غيرها من الحضارات، وهذا هو الهدف الأسمى لإنتاج كتاب يوجه المتلقي نحو العودة إلى التاريخ في قراءة مستفيضة تبين له الحقائق, وتستكشف  المغالطات والأكاذيب والسرقات التي وقعت بحقه.

بين أيدينا كتاب هام للدكتور “جمال الدين الخضور” بعنوان: “عودة التاريخ في التأسيس للميتولوجيا العربية. الجزء الأول: الأنثروبولوجية المعرفية العربية. دراسة في الأناسة المعرفية التاريخية. اللغوية ووحدتها حتى الألف الثاني قبل الميلاد.

ــ حمل الفصل الأول مقدمة في معطيات الأنثربولوجية المعرفية العربية التاريخية, فما شهدته الحضارات العربية من تطور وتفجير الطبيعة من قدرات خلاقة خرجت من الكهوف وضفاف الأنهار وصولاً إلى الزقورات والأهرامات وأعمدة المعابد في تدمر والكرنك وبعلبك.. فاعتبر كل ذلك وحدة أناسية متكاملة مرتبطة ببعضها، لا يعروها الانفصال أو التصدع. فلم تكن الرؤى الاستشراقية التي حاولت تشويه الأناسة العربية إلا منظومة أيدولوجية هدفت بالضرورة إلى مسخ الشخصية العربية في وجه صحراوي جاف، ظهر منذ حوالي ألف سنة ونيف هادفة إلى تشويه وخلخلة وحدة البنية الثقافية المعرفية العربية، وتشويه جذورها التاريخية، فقسمت الشعب العربي تقسيماً عبثياً غير مستند إلى وقائع ودلائل مؤكدة. وهذا ما ذكره “شلوتسر” في كتابه الذي بعنوان “فهرس الأدب الشرقي والتوراتي” عام 1781 نقتطف:

“قسَّم العرب إلى ساميين وحاميين، ووضع خطوطاً خاصة لدخول اليافثيين “الآريين” بطريقة أو بأخرى إلى نسيج المنطقة ليخلخل بنيتها الأناسية الواحدة بهدف التأسيس اللاحق والسافر لعقد الانتماءات الثقافية بل والعرقية لشعوب المنطقة العربية وصولاً للتبرير الأيدولوجي التالي في المشاريع السايكس بيكوية وزرع الكيان الصهيوني لاحقاً.” ص 12

ــ اشتغلت البحوث الغربية والعربية على (آركيولوجيا) ثقافة المشرق العربي باعتبارها مسارات متقطعة في اتجاهاتها الذاتية وفي علاقاتها فيما بينها, وقد ابتعدت تلك البحوث عن التطور الذاتي الحلزوني الصاعد لسيرورتها الفرعية ولخطها البياني الإجمالي في المنظومة الثقافية الحاوية والمنتجة لها. هذا الابتعاد الذي وضع حواجز مرتفعة نحو الوصول إلى الحقائق التاريخية الصحيحة للأناسة المعرفية العروبية الما قبل تاريخية.

ــ كان لا بد للمستشرق العربي من أن يدافع عن ذلك البناء الأناسي العظيم، فجاء الإسلام حاملاً المظهر الأناسي المعرفي التالي للعروبة الذي شكل مع اللغة العربية تكويناً أناسياً احتوى في صلب ارتقائه الأطر العامة لما سبقه من تكوينات ميثولوجيه بحيثيات راقية.

ــ يحاول المؤلف إثبات التزييف التاريخي الذي طال الأناسة العربية من خلال تقسيم التاريخ العربي إلى مجموعات مترابطة مستنداً إلى التأسيس المعرفي بمعناه الشمولي. فمثلاً: اللغة العربية لا يمكن أن تنشأ في مدة قصيرة جداً، فهي تظهر من خلال سيرورة تاريخية طويلة، كذلك هناك تداخل في البنى الحضارية، فلا يمكن الفصل بين البناء الميثولوجي أو الحضاري أو غيره للبابليين والآشوريين والكنعانيين عن البناء الحضاري للمصريين أو الليبيين أو اليمانيين أو غيرهم، فكيف بنا باللغة وارتباطاتها بالبنية الأناسية العامة؟!

ــ فقد قُسمت الميتولوجيا العربية إلى المراحل التالية: للميتولوجيا العروبية البدائية التي تشكل المراحل المتأخرة عن عصر الباليوليت والميزوليت وتتضمن المرحلة النباتية والطوطمية، إضافة إلى الميتولوجيا العربية الفلسفية الأولى، ومحاولة الإنسان الارتقاء بجسده نحو السماء عبر الزاقورات والأهرامات.. وبعدما اكتشف عجزه بدأ بالتفكير التجريدي وتطوراته. فظهرت الديانات التوحيدية، وتلاها الإسلام. وهكذا نلاحظ التطور التراكمي للتاريخ العربي مع ارتقاءات نوعية هامة.

ــ لا يمكن التعويل على أقوال العالم “كوبنز” حول نظريته ” قصة الجانب الشرقي أصل الجنس البشري” بأنه تطور على امتداد وادي الخسيف عند منابع ومجرى نهر النيل قبل ملايين من السنين. وقد تناسى هو وغيره من الباحثين التغيرات المناخية بتحول العديد من المناطق من الغابات المدارية إلى مناطق صحراوية أو شبه صحراوية، كما في صحراء ليبيا، وهذا التغير المناخي ينطبق على وادي الخسيف، فقد كان هو وبلاد الرافدين مناطق مغمورة بالمياه بعد انتهاء الطور الجليدي الأخير. فالإنسان في الشرق العربي تطور طقسياً ومورفولوجياً عن إنسان “النياندرتاليين” الذي سكن أوربا.

ــ ومما يؤكد امتداد الحضارة العربية وصلاتها مع بعضها ظهور “الحضارة النطوفية (نسبة إلى وادي النطوف قرب أريحا) امتدت من الفرات إلى النيل، وهناك نجد الامتداد التالي للشمالي الإفريقي، وهذا يعني وجود الخلفية المشتركة في المجالات المعمارية والاقتصادية والتقنية وبالتالي وجود لغة حضارية مشتركة.” ص44

يقول الدكتور عبد العزيز عثمان:

“لقد كانت سورية في العصر الحجري النحاسي, كما كانت في العصر الحجري الحديث المركز الحضاري الرئيس في الشرق الأدنى بأسره.”ص48

فقد تبين تداخل البنية الديموغرافية منذ التاريخ الموغل في القدم من خلال فحص الأدوات الحجرية المنسوبة إلى المراحل الباكرة من “الباليوليث” في الجزيرة العربية أنها قد استوردت من بلاد الشام، لأنها تشبه الأدوات الحجرية التي عثر عليها هناك. هذه الآثار تؤكد أن الجزيرة العربية كانت مأهولة بالسكان منذ المرحلة “الباليوليتية” وكذلك تبين أن الأدوات الصوانية التي اكتشفت في وادي حضرموت، هي من النوع ذاته الذي عثر عليه في جنوب فلسطين. وهذا ينسحب على الخليج العربي وصولاً إلى البحرين، وخاصة بعد امتداد الطمي الذي حمله نهرا دجلة والفرات، وكذلك يبين النص السومري  بعض الحقائق، نقتطف:

“في “دلمون” لا ينعق الغراب الأسود

وطير “العتيدو” لا يصيح ولا يصرخ

الأسد لا يفترس…

لم يعرفوا الكوارث التي تدمر الغلة

لم توجد الأرملة

والطير من الأعالي لا يسقط…” ص91

النص يؤكد وجود الحضارة المغمورة في الخليج العربي في المراحل المتأخرة من “النيوليث والميزوليث، وهذا ما تؤيده كلمة “دلمون” وهي منطقة في البحرين، هذه المنطقة التي تقع في لب التاريخ الثقافي والتاريخي للكتلة الاجتماعية التي يخاطبها النص. هذا يعني أن السومريين هم أبناء هؤلاء الأجداد الذين بنوا الحضارات على امتداد جغرافية المشرق العربي، أضف إلى ذلك يتحدث النص عن وحدة الحضارة الأناسية في منطقة الشرق العربي بلسان واحد، وهذا ناتج عن تطور الكتلة الاجتماعية العروبية. من هنا ظهرت أدلة كثيرة تشير إلى أن السومريين هم أول من صنع الحضارة العربية التي أخذت بالتمدد إلى باقي البلدان. وقد عجز بعض الباحثين أمثال: صموئيل كريمو وأوديورانت وغيرهما أن يردوا فجر التاريخ إلى خارج المنظومة العروبية, فعندما عجزوا عن تزوير أناسة المكان, اتجهوا إلى تزوير أناسة الزمان “التاريخ”.

ــ الأناسة العربية اللغوية المقارنة والميثولوجيا:

تعتبر اللغة واحدة من التجليات المتعددة للوظيفة الرمزية, وقد تم انتشارها من خلال تفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية والاجتماعية، بالتالي هي الحصيلة المعرفية التي تمكن الفكر من أن يصبح فكراً. وبوصول اللغة التي وحدت اللهجات في القرآن الكريم تبين أن اللهجات: الأكادية والكنعانية والأمازيغية.. من اللهجات العربية المتطورة التي مرت بها اللغة العربية عبر سيرورتها التاريخية الطويلة

ــ ظهرت النظريات العرقية في القرن التاسع عشر زمن وجود الاستعمار الغربي، حيث بدأ طمس كل ما تدين به اليونان وغيرها للعرب، فمن المثبت أن الكنعانيين والمصريين القدماء ذهبوا إلى اليونان، وعلموا أهلها الحروف الأبجدية وفنون العمارة والتجارة، أضف إلى ذلك أن اليونانيين أيضاً كانوا يسافرون إلى بلاد مصر وكنعان ليأخذوا عنهم الهندسة والرياضيات والطب والدين.. لذا وجب الاهتمام بمسألة إعادة التاريخ إلى مساره الصحيح، علماً أنه قد انطلقت أصوات من الغرب تؤكد أسبقية العرب في بناء الحضارة، ومنهم “بييرروسي” فقد قال:

“لقد حان الوقت لكي ندرك أنه إذا كان غربنا محبوباً غنياً جميلاً ومنظماً كذلك، فإنه يعود فضل ذلك كله إلى تلكم الإمبراطوريات العربية الكبرى التي خلقت وأوجدت مثل هذه السعادة..” ص117

ــ يذكر المؤلف العديد من الأمثلة التي توثق  تناول الكلمات نفسها في العديد من اللهجات وباختلافات بسيطة لا تبعدها عن معناها الأصلي، وذلك في اللغة الكنعانية والأكادية والآرامية وفي اللهجة المصرية القديمة والعربية الفصحى المعاصرة، كذلك في الإيبلاوية والإنكليزية والعربية، كذلك يورد العديد من المقارنات بين حروف المسند والأحرف الفينيقية إضافة إلى الاستدلال بالأشعار العربية القديمة، ورصد التراتبية الزمانية في القراءة التاريخية ملخصة بالخط العام للحراك ابتداء من منطقة الجنوب اليماني وصولاً بالحراك الجولاني التلقائي والقسري، ومن ثم الحراك العربي الإسلامي، مبيناً تفرع اللهجات العروبية من اللهجة العروبية البدائية الأصل ومنها: اللهجات المشرقية كالسومرية والأكادية والآرامية.. واللهجات العروبية الوسطى منها: السبئية والحميرية والأمهرية وصولاً إلى اللهجات العروبية المغاربية ومنها: الأمازيغية البربرية والليبية والجبالية والكوشيتية والقرطاجية وغيرها.

ـــ الأناسة التاريخية المعرفية المسروقة:

هذا هو عنوان الفصل الخامس والأخير من الكتاب الذي اهتم بالدرجة الأولى بالبحث عن الدلائل التي تؤكد عدم وجود أي تأسيس تاريخي لكلمة “عبري” وبالتالي تعتبر اللغة العبرية بحد ذاتها لغة الكلام الكنعانية المكتوبة بحروف آرامية، والآرامية فرع من فروع اللهجات العروبية الشمالية الغربية…” ص203 وكما هو معروف فلا ثقافة خارج التاريخ، فمكونات البنية اليهودية مأخوذة من التكوين العروبي أولاً والعربي لاحقاً.

ــ ذكر المؤلف عدداً من الأسماء المذكورة في التوراة ليؤكد عميلة السطو التي حصلت بحق آداب المنطقة العروبية، والقراءة التفكيكية المقارنة تثبت ذلك ليس من ناحية السرد فقط بل من جانب المحتوى الأناسي أيضاً. نقتطف:

“ابراهام يعني: والد أمم كثيرة. ابرام: الجد الكبير. اسم ايل يعني: اسمع (أيها الإله) ايل. اسرائيل: أسير (عبد) الإله ايل. ص215

ويختم المؤلف فصله بقوله:

“سيصبح الأمر مبتذلاً أن نذكر بالتفصيل آلاف التشبيهات (السرقات) القريبة الواضحة بين الديانات الفلسطينية والموضوعات الأساسية اليهودية المستعارة بوضوح من الموضوعات العربية.. ولمزيد من التفصيل، يمكن العودة إلى “الميثولوجيا الكنعانية والاغتصاب التوراتي” لمؤلفه حسن الباشا، الناشر، الطبعة الأولى،  دار الجليل، دمشق 1988حيث يورد فيه السطو الذي ارتكب بحق الميثولوجيا العروبية.

ــ ختاماً نقول: إن كتاب “عودة التاريخ” يؤسس لمنظومة معرفية واحدة مستندة إلى الدلائل القاطعة التي تؤكد أن المنطقة العربية عرفت منظومة ثقافية واحدة منذ مراحل “النيوليت” والثورة الزراعية في الألف العاشر قبل الميلاد وصولاً إلى المرحلة الإسلامية وما بعدها. وقد مرَّ التاريخ الصاعد المتطور بمراحل ما قبل الكتابة ومن ثم الكتابة من السومرية فالبابلية والكنعانية والنيلية.. وذلك عبر الرد على المناهج الغربية والاستقرائية في قراءة الفكر الفلسفي في بداياته من خلال قراءة المنظومة الأناسية اللغوية التي تعتبر أساس الفكر ومنطلق الحضارة.

الكتاب: “عودة التاريخ في التأسيس للميتولوجيا العربية. الجزء الأول: الأنثروبولوجية المعرفية العربية. دراسة في الأناسة المعرفية التاريخية. اللغوية ووحدتها حتى الألف الثاني قبل الميلاد.”

المؤلف: الدكتور جمال الدين الخضور.

الناشر: دار الفرقد. الطبعة الثانية 2010

أدب ثقافة وفكر

عن الكاتب

سريعة سليم حديد