من ابن رشد إلى ما بعد حداثة عربية

إلى أي مدى تتفق مع العنوان الذي اخترناه لوصف المشروع الفلسفي للدكتور محمد المصباحي؛ ” من ابن رشد إلى ما بعد حداثة عربية”؟

كان اختيارا في الصميم ويدل على اطلاع حقيقي باللحظتين اللتين مرت بهما كتاباتي. نعم، يمكنني أن أتساءل كيف قفزتم من ابن رشد، الذي يمثل خير تمثيل التراث-القدامة، إلى ما بعد الحداثة دون المرور بالحداثة التي أبيتم إلا أن تحجبوها في عنوانكم؟ لعلكم كنتم تقصدون بذلك أن ابن رشد يمثل الحداثة، أو على الأقل ينطوي على بعض مصادراتها، أو لعلكم كنتم بهذا الإخفاء المتعمد الإشارة إلى معارضتي الشديدة لمن كان يعتبر أبا الوليد بعقله البرهاني هو البابَ الوحيد المفتوح أمامنا لولوج الحداثة بتحدياتها ورهاناتها المختلفة، عِلماً بأن رفعي لشعار ما بعد الحداثة لم يكن بسبب أننا حققنا كفايتنا من الحداثة ونتطلع إلى ما بعدها، وإنما للتنبيه إلى أن للحداثة أبوابا متعددة.

فالعقل البرهاني ليس وحده الذي يضمن لنا الحصول على تأشيرة الدخول إلى فضاء الحداثة، ولكن أيضا العقل البياني والخيال العرفاني، وبهذه الجهة نكون في برزخ بين الحداثة وما بعدها. وكان قصدنا من وراء ذلك أننا نريد أن ندخل إلى الحداثة ككل، بكل مقوماتنا، بعقلنا ووحينا، بقرآننا وفلسفاتنا وكلامنا، وبألف ليلة وليلة وبالمعلقات وبالمقامات، بدواوين المتنبي وأبي العلاء المعري، بفصل المقال وبفصوص الحكمة الخ. بهذا نكون قد دخلنا الحداثة ونحن ممتلئين، إيماناً منا، وهذا من المفارقات، بأن الامتلاء هو الشرط الذي يمكّننا من إحداث فراغ في ذاتنا يسمح لها بقبول واستيعاب الحداثة وما يليها، بنقد الامتلاء، بل والانقلاب عليه.

 

في الحقيقة يتردّد في بالي كثيرا أن الدكتور المصباحي يتعامل مع الحداثة الأوروبية بحذر؛ على اعتبار أنها حيّدت الدين إلى أبعد حدّ، والآن ما بعد الحداثة تحاول إصلاح ما أفسدته الحداثة من قطيعة مع الإله. كما لو أن الدكتور المصباحي سيؤيد القول بأن الحداثة لن تدخل إلى المنطقة العربية في كل الأحوال، ولكن ما بعد الحداثة من الممكن أن ندخل إليها؛ فيما لو دخلنا كما قلت: “بكل مقوماتنا”. هل هذا ما يريد أن يقوله الفيلسوف المصباحي؟

الحداثة لم تفسد شيئا، كل ما فعلته هو أنها فتحت عيون الإنسان ليدرك أنه جوهر الكون. الحداثة فضحت ضروب الأوهام والاستلابات التي هيمنت على العقل البشري، وعملت على تحريره من الأساطير التي تخنقه، الأمر الذي بوأها مركز الصدارة في الكون. ما أردت قوله هو أن الحداثة، بلوازمها المختلفة، وبخاصة التنوير والليبرالية (العقل والحرية)، هو الخط الأساسي الذي أقول به، أما “ما بعد الحداثة” فهي مجرد تلوين وتلطيف للحداثة. لذلك علينا أن نحتاط من “ما بعد الحداثة”، فهي من حيث هي مراجعة ذاتية للحداثة أمر جيد، لكنها تُخفي مكرا مفاده أن الشعوب بطبيعتها العرقية والثقافية غير الغربية غير قابلة لتمثل الحداثة، لذلك علينا أن نخفف من وطأتها لكي تصبح مقبولة لدى هاته الشعوب. والحال أنني أومن بأن العالم العربي ليس فقط قابلا للحداثة الأصيلة، وليس للحداثة الرخيصة، بل وأنه كان من المساهمين فيها على المستويات العلمية والفلسفية والحضارية.

 

‏هل يفترض بنا أن نتجاوز سؤال الهوية؟ هل هو سؤال عفي عليه الزمن؟ هل طرح هذا السؤال يعتبر تخلّفا؟ على اعتبار أن التقنيات المتقدمة صنعت شرخا عميقا في الذات المعاصرة، وبالتالي ما عادت تتقوم بالتاريخ والتراث والكليّات الاجتماعية كالحرية والعدالة، بقدر ما تتقوم بالعمل والتقدم. هل توجد هوية في ظل أن الآخر أصبح هو ما يستعمر كل أنا؟ هل نحن لاواقعيين حقا عندما ننشغل بهذا الهاجس؟ وإلى أي مدى؟

الهوية صفة من صفات الذات، ما يعني أن الهوية نسبة، إضافة، علاقة، وليست وجودا. وهذا يدل على الذات واحدة، بينما الهوية متعددة، وهذا معناه أن الذات تملك هويات كثيرة تتجدد باستمرار. من بين ثمار الحداثة أنها حولت إشكال الذات والصفات من طابعه اللاهوتي، الذي كان يخص الإله في الأزمنة السابقة لها، إلى طابع إنساني يتعلق بنسبة الهويات إلى ذاته. مثلا المتنطعون من الفرنسيين يدّعون أن العلمانية هي هويتهم التي تميزهم عن باقي الأمم، لكن فقط عندما يتعلق الأمر بمواجهة الإسلام الفرنسي، أما عندما يتعلق الأمر بالمقارنة مع ألمانيا، أو إيطاليا، أو إسبانيا، أو أمريكا فإننا نجدهم يلبسون هويات أخرى كاللغة والنزعة الجمهورية والطبخ والأدب الخ.

بل إننا أصبحنا نسمع عن الهوية الأوروبية أو الغربية في مواجهة الهوية السلافية. في حين نجد الإنجليز يفتخرون بنظامهم الملكي ويعتبرونها عنوانا لهويتهم، ويبتعدون قدر الإمكان عن الهوية الأوروبية… وفي الزمان ما بعد حقوق الإنسان، نجد هويات سلبية جديدة تظهر في الغرب، حيث أصبح معاداة المثلية والجندر ومعاداة السامية مثلا معايير لرفض إعطاء الجنسية الفرنسية أو الألمانية أو الإنجليزية لطالبيها لأنهم لم يستوعبوا الهوية الفرنسية أو الألمانية، بل وحتى لطالبي منصب في جامعة غربية عريقة. أصبحنا، إذن، أمام هويات جديدة تتجسد في طابوهات جديدة: عدم المس بالمثليين أو باليهود أو بمناصري إيديولوجية الجندر! أما إذا أخذنا بعين الاعتبار آثار الثورة الرقمية، فإننا سنجد الفرد يلتحف يوميا بهويات كثيرة.

 

في جوابك على سؤال الهوية؛ هذا يعني أن الدكتور المصباحي يرادف بين سؤال الهوية والانغلاق وسد الأبواب في وجه الآخر. كما لو أن خطاب الهوية يصبح سلاحا؛ نرفعه في اللحظة المناسبة في وجه الآخر بحسب القرب والبعد عنه. وبما أن الجميع يرفعه؛ فلن نكون كعرب ومسلمين بدعا من ذلك. دكتور كيف نوازن هنا بين خطاب الهوية والانفتاح المنشود في خطابات الحداثة وما بعدها؟

إذا أخذنا الهوية بمعنى “جهة” من جهات الذات، أي إذا اعتبرنا الإنسان واحدا بالذات كثيرا بالجهات، فإنها لن تكون سلاحا ضد الآخر، بل ستكون نقطة وصل به والحوار معه، على أن يكون هذا الانفتاح على الآخر أداة تطوير الذات كي تتناسب معه. فالمناسبة بيننا وبين الآخر شرط وجودنا في العالم وولوجنا إلى الحداثة. لكن إن أخذنا الهوية بمعنى الامتلاء الذي لا مكان فيه للفراغ القابل للمزيد من لدن الآخر، فستكون الهوية طامّة كبرى علينا.

 

حول هايدغر وابن سينا؛ أريد أن أسأل ما الذي أثار هايدغر في ابن سينا؟

ما أثار مارتان هايدغر في ابن سينا هو تعريفه لماهية الحقيقة بالمطابقة مع الواقع، أو باعتبارها “تطابقا لما في الذهن مع الشيء”، ويشير هيدغر إلى أن توما الإكويني ينسب هذا التعريف لابن سينا. كما أنه سيثير فضول جيل دولوز بسبب تقسيمة الماهية إلى ثلاث ماهيات: الماهية السارية في الأشياء، والماهية الحالة في الذهن، والماهية المفارقة للأشياء وللذهن.

 

قد يبدو هذا السؤال شخصيا، ولكن أحتاج إليه لأفهم فلسفة الدكتور محمد المصباحي. يقول برتولت بريشت؛ الكاتب الألماني: “لم ألتق قط بشخص لا يمتلك حس الدعابة يفهم ديالكتيك هيجل.” وإذا كان فوكو يقول بأن الفلسفة بعد هيجل هي كلها محاولة للخلاص منه. والحال أن الصورة الحاضرة في الذهن عن أعمال المصباحي أنه لم يشتغل على هيجل مطلقا. وعطفا على الاستشهاد الذي ذكرته عن بريشت؛ هل لدى الدكتور المصباحي موقف معين تجاه هيجل بحيث يهمله ويتجاوزه، أم فقط لأنه مهتم بالواقع العربي الإسلامي بالدرجة الأولى؟

فعلا مَن لا يملك حس الدعابة، لن يدخل باب الديالكتيك الهيغلي، طالما أن جَدَله قائم على التناقض والسلب (سلب السلب إيجاب)، وهما أساس الدعابة والسخرية والمسرح في نفس الوقت. فإذا سلّمنا بهذه المقدمة فإننا سننتهي حتما إما إلى أن فوكو نفسه يفتقد روح الدعابة وبالتالي روح الديالكتيك، أو أن الفلسفة اللاحقة لهيغل لا تمتلك تلك الروح، وبذلك ستكون فلسفة بئيسة للهوية الثابتة في مقابل فلسفة التناقض المرحة. إذ حينما تصبح الفلسفة تؤمن بعقيدة الهوية، لن يكون للأسماء سوى معنى واحد، ما يعني نهاية التأويل وربما نهاية التاريخ.

أما بالنسبة لي فلم انقطع عن الاهتمام بهيغل خصوصا في مرحلة ماركسيتي، حيث اعتبره، بجانب أرسطو، من الفلاسفة الذين لا يمكن تجاوزهم لكونه دشن عهدا جديدا في الفلسفة يؤمن بأن لا شيء يشكّل هوية مع ذاته، وبالتالي فنحن لسنا نحن كما تقول أغنية “ناس الغيوان”، لأننا في صيرورة وتحول دائمين. ومن ثم فإن الادعاء بتجاوز هيغل يأذن بنهاية التاريخ. نعم، لم أكتب مباشرة عن هيغل، لكنني كتبت في موضوعات شبه هيغلية كموضوع التضاد.

 

يأخذني جوابك عن هيغل والتناقض إلى منطق المفارقة أو البارادوكس. هل يرى الدكتور المصباحي في البارادوكس حالة صحية تماما؟ أو ربما أكثر من ذلك فيما يبدو؛ هل يحث الدكتور المصباحي على المفارقات التي تحتمل الصحة والخطأ في آن واحد؟

التفكير بالمفارقة هو المنهج الذي تصطنعه الفلسفة والتصوف معا للاقتراب من الحقيقة أو المعنى، لكن بشرط أن نسيطر عليها، أي ألاّ تؤدي بنا المفارقة إلى الإعاقة عن التقدم إلى الأمام. ذلك أن المفارقات تقود إلى الحيرة؛ وكلما ازدادت حيرتنا ازددنا قربا من الحقيقة، لكن بشرط أن نعرف كيف تنعقد عقدة المفارقة، لأننا إن لم نعرف كيفية عقدنا لها، لن نعرف كيفية حلها. لهذا تلعب مقالة “الباء” من كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو التي تنظر في إشكالات أو مفارقات ما بعد الطبيعة أهمية قصوى في الفلسفة. وقد سبق لي في كتاب تحولات الفكر والوجود أن بيّنت أن مقالة الباء (صراع الأقوال والدلالات) حاضرة في خلفية فصل المقال لابن رشد.

 

بما أنك كتبت عن الحداثة وأفق ما بعد الحداثة، وكتبت ما وصفته بحداثة رشدية، وحداثة بأصوات متعددة، وربما الأمر ينطبق أيضا على دراساتك حول ابن عربي والغزالي؛ فيُهيأ إليّ أن الدكتور المصباحي يبحث عما يمكن تسميته بمابعدية عربية. على غرار التقسيمات التي نجدها في الفكر الأوروبي الذي شهد انقطاعات وانعطافات كثيرة. أن نفهم ابن رشد مثلا لكي نصنع ما بعد رشدية أو غزالية (أو ابنعربية) خاصة بنا وبثقافتنا. هل محمد المصباحي يريد أن يقترح إطارا نظريا ما لمنعطف عربي يبني على إرث ابن رشد وأقرانه ليؤسس لحداثة عربية مبدعة وخلّاقة على غرار المابعديّات الغربية؟

فعلا، خروجي من نطاق التأويل البرهاني لابن رشد مكنني من استعادة حريتي الفكرية والتصالح مع من كان ابن رشد لا يقبل بعض أطروحاتهم كابن عربي، وابن سينا، والغزالي، والمتكلمين. لكن مثلا، إذا كنت لا أستطيع أن أتجاهل وصف ابن رشد للغزالي بالمُلبِّس وبالسفسطائي وبكاره الحق، وبأنه نشر بتأويله ثقافة كراهية العلم والعقل والانفتاح على علوم الأمم الأخرى، فإني لا أستطيع إنكار عبقرية هذا المفكر المخضرم (الهجين) وتخريجاته العجيبة.

هذا الانفتاح على كل الأطياف مهما بلغت درجة تحفظنا إزاء اطروحاتها هو ما يؤسس ما تفضلت بتسميته “ما بعد الرشدية”، ما يجعلنا ننظر إلى تاريخنا الفكري نظرة جدلية بعيدة عن عقلية الإقصاء، لا النظرة الهوياتية التطابقية. لكن الذهاب إلى ما بعد الرشدية لا يعني التخلي عن التنوير العقلاني، وإنما يعني أنني أومن بأن هناك أكثر من عقلانية، أو أكثر من زاوية للنظر إلى التنوير، شريطة ألا تنبذ هذه الزوايا النظر العلمي والتقني للعالم. والغاية من انفتاح “ما بعد الرشدية” على خصومها هو العمل على تجديد الحوار بحثا عن منطلقات جديدة للإبداع تؤسس لأصالتنا تجاه الآخر.

 

أريد أن أسألك تاليا عن موقف يبدو يحتمل منطق المفارقة داخله، وهو موقفك من التأويل كمشروع ومنهج لدراسة العقل العربي والذات العربية. إذ يبدو أن الدكتور المصباحي يبحث عن شيء داخل هذا المشروع، لا يعطي العقل العربي كل الثقة الأنطولوجية، وفي نفس الوقت لا يلغي أثر الذات ودورها في معرفة العالم. ربما يبدو أن الأمر قابل للتحقق أوروبيا لأن من ينتج المشاريع التأويلية في النهاية جهات (أفراد أو مؤسسات) بحثية وأكاديمية. ولكن كيف يمكن لذلك أن يتحقق عربيا والحق في التأويل مُصادر من قبل السلطتين السياسية والدينية؟ كما لو أن التأويل هو نفي وإثبات في الآن نفسه؛ نفي لإمكان الحداثة وإثبات لهذا الإمكان. هل الدكتور المصباحي يقرأ التأويل هكذا؟

التاريخ العربي الإسلامي يكاد يكون عبارة عن صراع بين الضدين التنوير والتأويل، بين الإضاءة العقلية والإغماض المجازي الخيالي؛ بين رؤية عقلية للوجود تسعى لاكتشاف حقائقه وتوظيفها لتغييره؛ ورؤية رمزية للنصوص العتيقة لإضفاء المعاني وظلال المعاني عليها. وغالبا ما كان ينتصر “الكشف العرفاني” على “النظر العقلي”، و”التأويل الرمزي” على “البرهان العقلي”. ويكفي أن نتذكر مثالين شهيرين للتدليل على ذلك، أولهما القصة التي يذكرها القرآن عن انتصار النبي الخِضْر على النبي موسى، والثاني الحكاية التي يذكرها ابن عربي والتي يصور فيها أنه أربك ابن رشد ودفعه للانكفاء على بحثه الفلسفي. كانت نتيجة انتصار التأويل على البرهان (التفسير العلمي) كارثية في تاريخنا الثقافي، تمثلت في تعطيل العقل والإرادة، فخسرنا العلم (الطبيعي) وخسرنا التاريخ، وبدلا من مواجهة الوجود بتنا نواجه النصوص، مما ولّد ثقافة التكفير، تكفير كلِّ من يبرهن على قدرة العقل على التفكير المستقل، وقدرة الأشياء على الفعل والتأثير، لأن ذلك تطاول على الإرادة الإلهية وإشراك في وحدة الذات الإلهية.

أما في أزمنتنا الحديثة فقد صار الصراع ثلاثيا بعد أن جاء التأويل مدعيا أنه بديل مطلب التنوير ومطلب التغيير معا، مما أهّله لأنه يُشكّل السمة القوية “لما بعد الحداثة” إن لم يكن أهمها. هكذا نشأ الصراع بين أنظمة المقاربة الثلاثة هذه. بيد أننا نؤمن بأنه يمكن أن تتعايش فيما بينها لكن دون إلغاء الاختلاف فيما بينها والخلط بين مجالاتها، كأن نقحم مثلا “التأويل” في البحث العلمي والانجرار وراء هلوسات الإعجاز العلمي للكتب المقدسة. ذلك أن الاختلاف واضح بين موضوعات التنوير والتأويل والتغيير، إذ موضوع “التنوير” هو الموجودات والظواهر الطبيعية، وموضوع “التأويل” هو النصوص المقدسة، بينما موضوع التغيير هو هياكل وأنظمة المدينة (الدولة). لذلك لن يغني البحث في هذا عن البحث في ذاك، لأن “التأويل” يتحرك داخل رؤية رمزية للعالم محاطة بالغموض والأسرار من كل جانب، رؤية تقسّم العالم إلى ظاهر وباطن، إلى عقل وأسطورة، وفكر وخيال، وشريعة وطريقة.

و”التنوير” يناضل ضمن نظرة أونطولوجية للعالم، والتغيير يتحرك في فضاء براكسيولوجي (من البراكسيس-الفعل). وليس من الحكمة أن نتخذ موقفا محايدا من هذه اللحظات المتصارعة، البرهانية والتأويلية والتغييرية، لأن مواجهة مصاعب الواقع الطبيعي (الحرائق والفياضات والزلازل والجفاف والأوبئة الخ) والواقع الاجتماعي السياسي (الفوضى، الاستبداد السياسي، والفساد، والظلم الخ)، والواقع الثقافي (ازدراء الثقافات واحتقار اللغات المحلية الخ) … لا يمكن أن يكون فعالا إلا بالعقل البرهاني، أما التأويل الرمزي والأسطوري فلا يستطيع سوى أن يدغدغ أحلامنا ويسكّن كوابيسنا. نعم، يمكن للتأويل أن يكشف لنا عن الوجه الآخر للواقع، عن طريق مد الخيال لنظره إلى الوجه الخفي من الحقيقة، وإعادة الاعتبار للغة بلوازمها المجازية والتمثيلية والتشبيهية، لكنه لا يستطيع فهمه والتأثير فيه.

 

في العلاقة المرتبكة بين الفيلسوف ورجل الدين؛ يمكن بسهولة ملاحظة أن رجل الدين، عربيا، هو صاحب الحظوة الأكبر جماهيريا وربما حتى سياسيا (لدى الساسة والسلطة). الأجوبة التقليدية لتفسير ذلك هي كالعادة؛ إما حول اللغة التجريدية للفيلسوف، أو دغدغة المشاعر لدى رجل الدين، أو أن الدين هو الأقدم أنثروبولوجيا من الفلسفة، أو أحيانا لأن الفلسفة لا تقدم أجوبة، أو لأنها تعمل ضد الدين، وهكذا. هل لدى الدكتور محمد المصباحي إجابات أخرى تفتح نوافذ جديدة للتفكير في هذه المسألة؟ كيف يتفاعل المصباحي مع إشكالية الفيلسوف مع رجل الدين؟

ما زالت لرجل الدين حظوة لدى الساسة أولا لأن الدين ما زال هو أساس مشروعية السلطة في البلاد العربية الإسلامية؛ وثانيا لأنه أداة التحكم في الجماهير ولجمها كيلا تنزل إلى الشارع للمطالبة بالديموقراطية والعدالة. أما الحظوة التي يتمتع بها رجل الدين لدى الجماهير فراجعة أولا لأن الدين ما زال يحتل مكانة مرموقة في مخيالها ووجودها؛ وثانيا لكون الجماهير المسلمة ما زالت تؤمن بالخوارق والمعجزات والأساطير، وتعتقد بأن لا إرادة لها أمام الإرادة الإلهية، وهذا نتيجة الأمية والجهل والخضوع لرؤية غيبية للكون؛ وثالثا لكون معظم رجال يملكون موهبة استثنائية في فن الخطابة تمكنهم من إيصال معرفتهم الواسعة والدقيقة بالشريعة إلى الجماهير بلغة شعرية مقنعة مطعمة بالقصص والحوادث الاستثنائية التي تُنسب للسلف “الصالح”.

 

أريد أن أسألك عن الفيلسوف الكندي؛ لأني لاحظت أنك لم تقل شيئا عنه هنا. رغم أنك درست فلسفته وكتبت عنها كثيرا في كتبك. بل في إحدى الندوات العربية حول الكندي أُهديت أعمال الندوة إليك. أين تقع أهمية أبو يعقوب الكندي اليوم؟ ما المسائل الملحّة في حاضرنا يجيب عليها الكندي؟

الأهمية التأسيسية لأبي يعقوب الكندي لا يمكن إنكارها، ولو أن معظم اللاحقين عليه تعمدوا إسدال ستائر النسيان عليه، ربما بسبب أن لغته كانت في طور التكوين مما جعلها غير واضحة، وهذا ما يتضح مثلا في رسالته في العقل، أو تردده في استعمال اسم الماهية في كتبه الميتافيزيقية. ولكني أعتقد أن من يريد دراسة أركيولوجية اللغة الفلسفية العربية فعليه أن يرجع إلى رسائله بالإضافة إلى الترجمات الأولى للأعمال الفلسفية اليونانية، وهذه مهمة جليلة شرع في إنجازها أنطون سيف.

 

لدي هنا سؤال عن ابن تيمية الفيلسوف وليس الفقيه. لست متأكدا، ولكن يبدو أن المصباحي يتجاوزه لدرجة الإهمال. في المقابل نجد أبو يعرب المرزوقي يعتبره المنظر الأول للمذهب الاسمي إسلاميا. ناهيك عما يعني ذلك في التأسيس لمنطق عربي يتجاوز منطق اليونان، والانتقال إلى الحالة العقلانية وتجاوز الأفلاطونية المحدثة التي صبغت الفلسفة الإسلامية. كيف يتفاعل المصباحي مع هذا الطرح؟

وقانا الله من هذا المحدّث المتشدد الذي لم يترك علما من علوم العقل والخيال والوجدان إلا وسلط عليه وبالا من شتائمه المتشائمة. إنه ليس لا فقيها ولا فيلسوفا. الفلسفة كثيرة عليه، إنها تقتضي حرية التفكير لا الحجر عليه. إننا نحتاج إلى من يفتح الأبواب لا أن يغلقها، نحتاج لمن يضع مجتمعاتنا في طريق التحدي العلمي والفلسفي، لا في طريق النكوص إلى مرتكزات النصوص العتيقة.