هل أقام الفراعنة في بهلا؟

كتب بواسطة خليفة سليمان

كثيرا ما سمعت عن قلعة بهلا التي تعود الي فترات تاريخية مختلفة، وقد تكون من المباني أو الصروح القليلة جدا في سلطنة عمان وربما في جنوب شرق الجزيرة العربية التي يعود تاريخها الي فترات ما قبل الإسلام. وفي الحقيقة لم أسعى لزيارة القلعة وذلك ربما يعود لمخيلتي التي تسوقني الى تشابه معماري يسكن عقلي بعد زيارتي لمجموعة من القلاع والحصون في عمان. لقد ساقتني الصدفة لأزور القلعة برفقة مجموعة من الأخوة لأتلقى كمية من الدهشة بدءً من تفاصيل المكان ومكوناته ومكنوناته وانتهاءً باختلافاته عن القلاع العمانية الأخرى.

ومع تلك الدهشة الجميلة التي دفعتني للتجول في كل أجزاء القلعة، فأن ما استوقفني أكثر هو الجزء الجنوبي الشرقي من القلعة والذي يطلق عليه اسم “القصبة”. بهو عظيم يرتفع إلى أكثر من 15 مترا في تقديري، ويرتفع أكثر عند برج “الملوي” خلف البهو، وهو ارتفاع كبير إذا ما قورن بارتفاع البناء في الحصون والقلاع العمانية والذي يراوح حول 6 أمتار حسب موقع البوابة الإعلامية التابع لوزارة الاعلام العمانية. وعلى يمين الباب الذي يدخلك إلى البهو وتحديدا في الزاوية الشرقية تطالعك مقصورة تشبه المحراب برأس شبه مدبب ومقاعد جانبية يتقدمه ما يشبه السلم البسيط. وفي البهو الشاهق تطالعك أعمدة عظيمة تضفي على المكان الكثير من الفخامة. هذا المشهد دفعني إلى استحضار الذاكرة لأفتش فيها عن مشهد قد رأيته في مكان ما من هذا العالم، ثم لأصاب بالصدمة من التشابه الكبير بين هذا البهو وبهو المعابد الفرعونية وتحديدا تلك المعابد الموجودة في مدينة الأقصر المصرية.

تقول العبارة المعلقة على الحائط أن القصبة ” هي أقدم مرافق القلعة وتسمى أيضا (القلعة القديمة) تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية وتأخذ شكلا مستطيلا، وتتكون من عدة طوابق تصل إلي أكثر من خمسة طوابق، ويعود بنائها إلي الألف الأول قبل الميلاد ..” وهي فترة معاصرة للحقبة الفرعونية في تاريخ مصر والتي امتدت لنحو ثلاثة ألاف عام من الألف الثالث قبل الميلاد إلي نهايات الألف الاول قبل الميلاد. تقول العبارة أيضا ” توجد آثار في الأساسات تدل علي استيطان يعود تاريخها إلي الألفية الثالثة قبل الميلاد ..” وهو أمر مخالف لمعظم الآثار الموجودة في المنطقة والتي تعود لنفس الفترة التاريخية في كل من بات وأم النار وحفيت وغيرها من المواقع الأثرية العمانية والتي شيدت على شكل مدافن دائرية وأبراج مبنية بالحجارة. وما يزيد الأمر دهشة أن تلك الأساسات جاءت على شكل شبكي وهو ما يشبه أحد الأنماط العمرانية القديمة في المدن الفرعونية مثل مدينة العمال بتل العمارنة والتي هي عبارة عن مجمع سكني مربع الشكل محاط بسور، وتنقسم المنطقة السكنية إلى قسمين بواسطة حائط، الأول للطبقة العليا والثاني للطبقة الفقيرة (رفعت، 2016).

الأساسات التي يعود تاريخها الي الألف الثالث قبل الميلاد في قلعة بهلا

وتتشابه المقصورة الفخمة القابعة في ركن البهو إلى حد كبير مع هيكل قدس الأقداس الموجود في جميع معابد مصر الفرعونية. وقدس الأقداس كما تشير اليه المصادر المصرية (مساهل، 2022) هي عبارة عن هياكل أو غرف مخصصة لحفظ أدوات الملك أو الفرعون الخاصة وما يتبعها من مقتنيات مثل البخور والملابس وغيرها (يونس، 2015)، ولا يسمح لأحد بدخول غرفة قدس الأقداس إلا كبير الكهنة. وغالبا ما تحيط بغرفة قدس الأقداس عدد من الغرف يصل إليه عن طريق المرور في قاعة الأعمدة، والتي تتميز بالظلام الدامس (مساهل، 2022)، وهو أيضا ما يبدوا واضحا في بهو القصبة حيث يصل بين المقصورة والغرف الخلفية بناء عظيم من الأعمدة لا يدخله الا القليل من النور.

المقصورة الملكية الموجودة في بهو “القصبة” قلعة بهلا

مقصورة قدس الأقداس بمعبد حتشبسوت بالدير البحري- مصر
مقصورة قدس الأقداس بمعبد الكرنك في محافظة الأقصر المصرية

ومع كل تلك التفاصيل فأن الأعمدة الحجرية المربعة الضخمة في بهو القصبة والأعمدة الحجرية الدائرية ذات التيجان المرتبطة بالأقواس والموجودة في غرفة الدهليز بالقلعة، تتشابه أيضا مع الأعمدة المستديرة الموجودة في المعابد المصرية. ومع أهمية هذه الاعمدة كمحاور ارتكاز في الأبنية الضخمة الا انها كانت دليل علي العظمة في المعابد الجنائزية في مصر الفرعونية. والحقيقة فقد شاهدت كثيرا من هذه الأعمدة الحجرية الضخمة والأقواس في الكثير من المساجد القديمة في عمان دون غيرها من المباني، مما يدفعني للتفكير في ارتباطها بالجانب الديني أكثر من أي شيء آخر، وهو ما يقربني إلى فهم وتفسير فخامة بهو القصبة في قلعة بهلا التي ربما تكون معبدا جنائزيا للملك.

الأعمدة الأسطوانية الحجرية الموجودة في قلعة بهلا وبعض المساجد القديمة في عمان
الأعمدة الأسطوانية الحجرية ذات التيجان النخيلية في معبد خنوم بمحافظة الأقصر المصرية

وبعد الغوص في بعض المراجع التاريخية بحثا عن أي إشارة تدل على وصول الفراعنة إلى جنوب شرق الجزيرة العربية، لم أجد سوى ما كتب عن رحلة الملكة الفرعونية حتشبسوت إلى ميناء البليد في ظفار لجلب اللبان الي المعابد في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد (رمضان، 2021). وربما يكون للوجود الفارسي في عمان دورا أقرب إلى تفسير الأمر، حيث امتد حكم الإمبراطورية الأخمينية الفارسية – على سبيل المثال – الي مصر الفرعونية منذ حوالي القرن الرابع قبل الميلاد (حواس، 2022)، ولا يخفى على المتبحر في تاريخ المنطقة من أن الوجود الفارسي في جنوب شرق الجزيرة العربية يعود إلى القرن الثالث الميلادي منذ زمن الدولة الساسانية، وربما يكون الفرس هم من نقل بعضا من الملامح الحضارية من مصر الفرعونية الي عمان.

أن التأمل في تفاصيل المكان بشيء من الدقة قد يفضي بالكثير من الأفكار ويطرح الكثير من الأسئلة، فهل كان في بهو القصبة ثمة من نقوش أو تماثيل أو ملامح حضارية اندثرت مع تعاقب الحضارات على المكان؟ وخصوصا مع إدراك التأثير الديني على مثل هذه المكونات، حيث أقام الأئمة والملوك المتأخرين في جوانب القلعة. ويبقى السؤال الأهم عن تفاصيل المكان، هل هو نتيجة تواصل حضاري، أم نتيجة حضارة مستقلة وموازية للحضارات الأخرى؟ وهل أقام الفراعنة في بهلا أم أن تأثير الحضارة الفرعونية أتى إلى بهلا؟

ختاما، فأن المقال هو وجهة نظر زائر بُهر بما رأى، وحتما هي تحتاج الى تصحيح أو توجيه من متخصص في التاريخ ودراسات الحضارات، وهي دعوة للمهتمين والمتخصصين في هذا الجانب لقراءة المعالم الحضارية العمانية في بهلا وغيرها من المواقع، لاكتشاف ما تزخر به من أسرار ومكنونات. كما أتمنى أن يحظى موقع قلعة بهلا بالمزيد من العناية وخصوصا إعادة ترميم الحارات التي تحيط بالقلعة وإعادة بناء سور بهلا المهيب الذي يضفي على المدينة القديمة الكثير من البهاء، وتحويل المكان بأكمله الى وجهة سياحية تاريخية وأثرية وحضارية متكاملة. كما أود الإشارة الى نقطة قد لا يتفق معي فيها البعض، وهي الاستفادة من السرديات الغرائبية والموروث الثقافي الشعبي التي تتمتع بها مدينة بهلا دون غيرها، ربما من خلال إنشاء مرافق ذات علاقة بالموروث أو تنظيم فعاليات مبتكرة، فالكثير من المدن العالمية ترتكز على هذا الجانب والذي بلا شك بات أحد أدوات صناعة السياحة. ولا يخفى على أحد أهمية السياحة اقتصاديا وحضاريا، وأهميتها الكبيرة في خلق فرص عمل للسكان. ومن المؤكد أن الدول تتسابق وتنفق الكثير من الأموال في سبيل صنع سياحة مبتكرة من العدم، ونحن نملك المرتكزات التي نحتاج فقط أن ننفض الغبار عنها ونقدمها لنا أولا كسياحة داخلية، ثم للعالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع

  1. وزارة الاعلام (2024)، القلاع والحصون، البوابة الإعلامية، مسقط، https://omaninfo.om/module.php?m=pages-showpage&CatID=195&ID=663

2.رفعت، مصطفى (2016)، سلسلة تخطيط المدن التاريخية – تخطيط المدن الفرعونية، موقع الباحثون المصريون، https://egyresmag.com/ph_cities_planning/

3.يونس، خالد (2015)، تعرف على قدس الأقداس في المعابد المصرية، موقع البوابة نيوز، https://www.albawabhnews.com/1678428

4.مساهل، محمد عبد الخالق (2022)، المعابد المصرية: تاج العمارة ودرة الحضارة، المصري اليوم، https://www.almasryalyoum.com/news/details/2505184

5.رمضان، فوزي (2012)، الفراعنة كانوا هنا .. وعمان ما زالت هناك، جريدة الوطن https://alwatan.om/details/415404

6.حواس، ابتسام علي (2022)، مسكوكات ملوك الدولة الأخمينية، المؤتمر العلمي الثاني 1-2 حزيران 2022، جامعة أسيوط، مصر.

أدب ثقافة وفكر

عن الكاتب

خليفة سليمان

كاتب وأديب عماني