مقدمة
تصاعد نقع وطيس الحوارات الساخنة في الفترة الأخيرة على شتى وسائل الإعلام و التواصل الاجتماعي , و انقسم مثقفو البلد ، أن لم نقل كافة أطياف المجتمع ، إلى جبهتين أو أكثر ، حول موضوعات شتى ، بالوسع إيجازها في ثلاثة محاور أساسية هي : –
-
مفهوم ” المواطنة ، حقوقا و واجبات “
-
حدود و مساحة حرية التعبير و النقد المتاحة .
-
آفاق و محددات المشاركة المجتمعية ، في صناعة التوجهات و القرارات الوطنية ، لاسيما تلك المتصلة بالجوانب التنموية.
و لقد كثرت الاجتهادات في الشرح ، و الاختلافات في الطرح ، لمعاني تلك الموضوعات و استحقاقاتها المبدئية ، الأدبية و الفكرية ، و تطاير شرار القدح بين شتى الأطراف ، و غابت في كثير من الأحيان حصافة العقل والفكر عن أدبيات الحوار الوطني الجاد و المسؤول ؛ بين مؤيد مفرط ، أو معارض مُشِط ، لهذه الفكرة أو تلك ، أو لهذا الرأي أو ذاك، حول مختلف المسائل التي تهم أو تمس هذا الوطن و مواطنيه من قريب أو بعيد. فاتسعت شقة الخلاف ، و حصل التراشق و التلاسن ، و هبط مستوى الحوار إلى درك لا يليق في أحايين كثيرة بين بعض النخب المثقفة ، بما فيهم الصحفيين والأدباء والكُتّاب ، و إذا تخاصم العقلاء و الحكماء إلى حد القطيعة ، فبمن تحتكم الدهماء ؟ و لمن يلجأ البسطاء في محاولة فهمهم لمجريات الأحداث ، و تحديد دورهم أو موقفهم إزاءها ؟!
الأرضية المشتركة التي ينبغي أن يقف عليها الحوار الوطني
و قبل المضي قدما في تناول حيثيات و أفكار هذا الموضوع ، حري بنا أولاً ، أن نوجد ، قدر الإمكان ، القواسم المشتركة و الأرضية الموحدة التي سننطلق منها في الطرح و المعالجة . و لعل أهم تلك القواسم هي :-
1) أننا لا نقبل من أحد المزايدة في حب الوطن ، فليس من حق أي كان، مزايدة أي كان في حب هذا التراب الطاهر . فهذه الأرض ، أرض عمان ، هي بكل ما فيها و ما عليها ملك لكل أبناء عمان ، و ليست لشخص بعينه ، أو لفئة معينة دون غيرها من الفئات ؛ و بالتالي ؛ فإنه من حق ، بل و من واجب أي فرد من أبنائها المخلصين ، الدفاع عنها ، بالقول أو الفعل ، والغيرة عليها من كل ما من شأنه إهانتها أو تشويه صورتها وسمعتها ، أو الانتقاص من مكانتها ، والمساس بكرامة شعبها أو حريته و حقوقه .
2 ) أن يكون حوارنا قائماً على المبدأ القائل ” بأن رأيي صواب يحتمل الخطأ ، و رأيك خطأ يحتمل الصواب ” ؛ و ليس _ كما هو حادث عند بعض المتشنجين _ رأيي صواب لا يحتمل الخطأ ، و رأيك خطأ لا يحتمل الصواب !!
فاحترام الرأي و الرأي الآخر فرض و ضرورة يحتمها أي حوار وطني هادف و بنّاء . و بدون ذلك تسود الغوغائية و الجدل البيزنطي ساحتنا الثقافية . و يصبح الحوار أشبه ما يكون بحوار الطرشان و صراع الديكة !!
3 ) أننا إن اختلفنا في الرأي _ وذلك أمر طبيعي و متوقع ، لاختلاف زاويا الرؤية_ فإن هذا الاختلاف ينبغي له ألاّ يفسد بيننا للود قضية ، إذا كان حقاً هدف الحوار ، هو خدمة الوطن ، و البحث له عن السبل القويمة و السليمة ، للوصول إلى غاياته السامية النبيلة ، في التطور و التقدم و الازدهار . فينبغي أن نغلب حسن الظن و النوايا ، على سوء الظن و الطوية ، في كل ما نقرأه من وجهة نظر أو رأي ؛ و لنشرع الأبواب لقراع الحجة بالحجة ، و المنطق بالمنطق ، و ليُدْلِ كل بما يراه و يؤمن به ، دون أن يُلقَمَ الحجر ، طالما أن طرحه يتسم بالجدية و الرزانة و المنطق . فذلك من شأنه أن يعمل على تلاقح الأفكار، و تكامل الرؤى و الوصول إلى الآراء و القناعات الفكرية السديدة التي ستعين ( أو أنه من المفترض أن يُستفاد منها و تعين !) صناع القرار في قيادة و توجيه المسيرة التنموية في هذا الوطن الكريم . و هذا أمر ، يحتم علينا، في الجانب الآخر، الاعتراف بقصور الفرد ، أيا كان مستواه التعليمي أو الاجتماعي، أو الوظيفي ، عن امتلاك ناصية الحقيقة المطلقة ، فكما جاء في الأثر :
” قل لمن يدعي في العلم معرفةً
عرفت شيئاً و غابت عنك أشياء “
و بالتالي فإن الاستماع و الإنصات للطرف الآخر ، دليل على الحكمة و الرغبة في التطور و التكامل ، بينما الازورار و صم الآذان ، و عدم الاهتمام بما يقوله الطرف الآخر ، دليل على العجرفة و ضيق الصدر و الأفق .
4) أنه ليس من حق أحد ، مهما كان موقعه من الإعراب أو من السلّم الاجتماعي ، مصادرة أي رأي كان لأي مواطن في هذا البلد ، و هو مبدأ آمن به و شرّعه حاكم البلاد ذاته ، جلالة السلطان ، لاسيما لمن يضع مصلحة عمان في رأيه فوق كل اعتبار .و بالتالي ؛ فليس من داع للحساسية المفرطة عند قراءتنا أو اطلاعنا لأي رأي مخالف لرأينا، طالما أننا نضع نصب أعيننا بأنه في نهاية التحليل ، اجتهاد مواطن غيور في أي أمر من أمور هذا الوطن… و للمجتهد المصيب حسنتان _ كما علمنا رسولنا الأعظم _ و لغير المصيب حسنة .
5) أن من الحق المطلق لكل مواطن ، الحلم بحياة أرغد و مستقبل أفضل و أسعد لحياته و لوطنه ، و أن يتجاوز بعقله و فكره القول المحبط السائد بأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان أو يكون ، بوجود قناعة متنامية لديه ، بأن هناك دائما فرصة له و لوطنه ، بأن يكون أفضل و أرقى و أروع مما هو عليه الآن ، تحت أي ظرف من الظروف ، إن وجدت النية الصادقة و العزيمة المخلصة ، لدى من بيدهم أمره و أمر البلاد ، من أصحاب الحل و العقد . فيغدو التعبير عن هذا الحلم المشروع ، في التغير و التطور و الرقي، حق من الحقوق الوطنية المشروعة ، التي يكفلها العرف و القانون المدني لأي مواطن لديه القدرة على طرح الرؤى ، و النقد الهادف البناء الذي من شأنه تسليط الضوء على الزوايا المعتمة و اكتشاف الفجوات و إنارة الدروب أمام ركب المسيرة التنموية في الوطن .

