أرض السلام

24 أكتوبر 2245م.. اعتدل مويني بوسارا في جلسته، واستحضر في ذهنه ملف أخطر قضية تنتظرها البشرية، وربما إن لم تتمكن من معالجتها بحكمة فقد حكمت على نفسها بالفناء الأبدي. كان الملف مكتملاً، فاستدعى في ذهنه منسقي القارات الست: تشو وانج، ومكسيم رومانكوف، وانتصار رفعتي، وإبراهيم كونو أمينو، وأميشا جانيشي، وتشوليا هوبي، تواصل الجميع معه ورحبوا بدعوته للاجتماع. كان الكل مستعداً، وشكروه على اختياره عقد الاجتماع ذهنياً، بدلاً أن يكون افتراضياً أو واقعياً، لضمان السرية التامة وعدم اختراق الاجتماع.

بعد الترحيب والشكر.. بدأ بوسارا حديثه معهم؛ قائلاً:

كما تعلمون عن اكتشاف المستعمرة الضخمة التي بناها «المغامرون» الإرهابيون في الفضاء، واستعدادهم لتدمير الأرض، وهذا يجعلنا أمام خطر داهم؛ موت 37 مليار إنسان، ومثلهم تقريباً من البشرقميين، بمعنى انقراض الكائن الأرضي العاقل، بعد حوالي قرن ونصف من السلام وتخطي الحروب الواقعية بأنواعها كافة.. بل إن المريخ الذي استوطنه 11 مليون إنسان، وحوّلوه إلى كوكب أخضر كالأرض، سيتحول ساكنوه إلى دورة جديدة من العنف التي ستوصلهم إلى نفس النتيجة من فناء الجنس البشري، إن نجوا من هذا التدمير المرتقب.

يا أصحاب الفخامة؛ منسقي الأمم.. نحن الآن أمام لحظة حاسمة، ليس لإنقاذ الأرض فحسب، وإنما بالأساس لإنقاذ الإنسان من عادة سفك الدماء، علينا أن نسعى جهدنا إلى إيقاف هذه الهجمة القاتلة؛ لنبقى نحن الكائنات العاقلة، وليستمر أعظم منجز أخلاقي وحضاري توصلت إليه الإنسانية.

ردت انتصار رفعتي: من الأفضل أن نستعرض أولاً ملف القضية، الذي يحمل اسم المنظمة العالمية «أرض السلام».

وافق الجميع على رأيها، فأرسل بوسارا الملف الذي أعدّه بدقة إلى أذهان بقية الأعضاء، الملف يقدم أهم المحطات التاريخية التي أحدثت تحولات جذرية في العالم.

***********

= 2049م.. نشوب حرب أهلية بالولايات المتحدة الأمريكية؛ أدت إلى تفككها، ودخولها في حرب طاحنة، حولت أمريكا العظيمة إلى مادة تدرّس في مقررات التاريخ.

= 2055م.. إلغاء «الأمم المتحدة»، وإنشاء منظمة عالمية باسم «الشعوب المتحدة»؛ من أهم مواثيقها:

– كل الشعوب مهما اختلفت أعراقها وأديانها ولغاتها سواسية.

– التقدم الحقيقي لأي شعب أو دولة لا يعود للقوة العسكرية أو الاقتصادية أو الصناعية أو تقنية الذكاء الاصطناعي، وإنما لتمتع الشعب بتحقق المساواة والعدالة، وحفظ كرامته، وانعدام الفقر والجريمة.

– ينتخب الأمين العام لمنظمة «الشعوب المتحدة» من قِبَل شعوب الأرض كلهم بالتصويت الرقمي المباشر.

– عدم الاعتراف بأي دولة لا يوافق شعبها على حاكمها، بغض النظر عن تسمية منصبه؛ رئيساً أم ملكاً أم أميراً.

= 2060م.. بعد حوار دام خمس سنوات بين ممثلي جميع الأديان في الأرض، أصدرت «الشعوب المتحدة» قراراً نافذاً بعدم جواز السخرية من الأديان ورموزها وكتبها ومعتقداتها، ولا يجوز استغلال معتقداتها في إثارة التعصب والحروب والفتن، واعتبار جميع الأماكن المقدسة معصومة من الاعتداء عليها، وكل من لجأ إلى مكان مقدس لأي دين؛ لا يجوز الاعتداء عليه؛ وإن لم يكن من ذلك الدين. وأن أصحاب كل دين لهم حق التعبد في أماكنهم المقدسة، دون أي مانع سياسي أو اختلاف في المعتقد، وكل مكان مقدَّس تشرف عليه لجنة تنتخب من المؤمنين بذلك الدين، دون أن تحتكر أي سلطة الهيمنة على الأماكن المقدسة.

= 2076م.. بعد جدل أخلاقي كبير بين الفلاسفة البشر، ثم بينهم وبين ممثلي البشرقميين.. نال البشرقميون الاعتراف بالاستقلال التام في تصرفاتهم، بشرط عدم ارتكاب أي جريمة كالقتل أو التدمير، وفي حال صدور جريمة من هذا القبيل من أي بشرقمي يتدمر بنفسه تلقائياً، ولا يجوز أبداً إلغاء هذه الخاصية من هذه الكائنات الهجينة.

= 2080م.. يعلن العالم عن «مرحلة ما بعد الرقمية»، بدخوله «مرحلة الثورة الفوتنوية».

= 2086م.. تعد «الشعوب المتحدة» القارة الجنوبية المتجمدة «انتاركتيا» أرضاً محايدة، ولا يسمح باستيطانها إلا مؤقتاً للبشرقميين لإقامة البحوث البيئية والعلمية فقط، وتخضع في إدارتها للمجلس الأعلى لمنظمة «الشعوب المتحدة» مباشرةً.

= 2094م.. وقوع نزاع عنيف بين الاتحادين القاريين أوراسيا وإفروآسيا، وقد استعد الطرفان لـ«حرب فوتونية» قاتلة؛ قد تقضي على ملايين الناس، وتخلف دماراً واسعاً في الأرض وإصابات بشرية غير محدودة.

= 2095م.. تتوصل البشرية إلى «مادة فوتونية» غير مؤثرة على الإنسان، تُزرع في دماغه، فيتواصل بها البشر والبشرقميون بعضهم مع بعض دون الحاجة إلى وسائط.

= 2096م.. على إثر النزاع بين اتحاد أوراسيا واتحاد إفروآسيا تصدر «الشعوب المتحدة» قراراً بحل جميع الأسلحة التقليدية والرقمية والفوتونية، وتدميرها في مدة لا تتجاوز الخمس سنوات.

= 2100م.. تصدر «الشعوب المتحدة» قراراً ملزماً لجميع الدول والجماعات والأفراد بإلغاء الحروب الضارة بالبشر والحيوانات والنباتات والمباني والأجهزة والأنظمة ونحوها، وأن الصراعات يجب ألا تتجاوز الحروب الرقمية الافتراضية أبداً.

= 2101م.. يعلن «المغامرون» البدء في بناء محطة فضائية ذات إمكانات هائلة للعيش عليها مدةَ مائة عام، وقابلة للتوسع لتضم مئات آلاف البشر.

= 2135م.. يعلن الاتحاد الأوروبي إلغاء أشكال التمييز بين دوله كافة، وأنه أصبح دولة واحدة باسم أوروبا، ذات نظام جمهوري برئيس منتخب شعبياً.

= 2140م.. تحذو الدول العربية حذو الاتحاد الأوروبي؛ فتصبح دولة واحدة؛ دون تمييز بين أعراقها وأديانها، لها رئيس واحد منتخب.

= 2150م.. تصدر «الشعوب المتحدة» إعلاناً باعتبار عام 2101م من الناحية المعرفية والأكاديمية تأريخاً فاصلاً ما بين العالم القديم والعالم الحديث، لأنه مع بداية القرن الثاني والعشرين بدأ العالم يتخلى عن استعمال الأنظمة القديمة بأدواتها المختلفة: المباني التقليدية والمواصلات كالطائرات والمطارات والطرق والسيارات، والمؤسسات التنظيمية والتشريعات المتعلقة بها، والمؤسسات الصحية وأساليب العلاج بها؛ وبدء التخلص من العمليات البدينة والأدوية المعروفة قديماً؛ وأصبح العلاج بتقنية الفوتون عبر ضبط الجينات وعملها، وبهذه التقنية أصبح معدل عمر الإنسان 135 سنة، ويتمتع بصحة جيدة حتى بلوغه 110 سنوات. كما أنه أصبح قادراً على العيش في أجرام أخرى غير الأرض.

= 2155م.. إعلان حل منظمة «الشعوب المتحدة»، وقيام منظمة «أرض السلام»؛ وبقيامها ألغي النظام السياسي القديم برمته، وأصبح العالم يُصنَّف قارياً. ونسبة الإنسان إلى قارته؛ على أساس تنظيمي فحسب، وإذا انتقل إلى قارة أخرى يحمل نسبة القارة الأخيرة، فالآسيوي.. إذا انتقل إلى إفريقيا يصبح إفريقياً بالأصالة، دون أي تبعات أخرى قديمة، فالبشر كلهم سواء وأرضهم قرية واحدة.

وفي نفس العام أعلن أيضاً عن خلو الأرض من أي أسلحة من العالم القديم، وأصبحت المواثيق والأنظمة تصدر عن «أرض السلام» إلى الشعوب والأفراد مباشرة، لأنه لم تعد هناك دولة تقليدية.

= 2156م.. صدور قانون تنظيم ممثلي الشعوب في الأرض في منظمتهم الجديدة، لكل إنسان يبلغ 15 عاماً ولم يتجاوز 110 عاماً؛ الحق بأن يترشح أو يرشح عضواً يمثله، مباشرةً عبر التواصل الذهني، ويكون للبشر 12 ممثلاً منهم الرئيس، وأما البشرقميون فلهم ممثل واحد فقط، وبذلك؛ يتكون مجلس المنظمة من 13 شخصاً.

= 2183م.. أعلنت منظمة «أرض السلام» القضاء على كل أنواع أمراض العالم القديم؛ من الزكام حتى أمراض القلب، وأصبح مرض السرطان بجميع أنواعه يذكر في كتب التاريخ، ولا يُبصَر على أجساد الناس.

= 2190م.. لجنة الصحة بمنظمة «أرض السلام».. تعلن عن تفشي «فيروس الشلل الدماغي»، وهو مرض يصيب الدماغ فيؤدي إلى بلادة حادة، تجعل الإنسان والبشرقمي يهيمان على وجهيهما، ومن حُسن الحظ أن العدوى لا تصيب إلا بالمخالطة، وأقصى مجال للإصابة التقارب بمسافة ثلاثة أمتار، وأنه مرض غير مميت، وقليلاً ما يؤدي إلى مرض جسدي. وأن الأطباء في العالم يبحثون له عن دواء.

= 2191م.. تعلن لجنة الصحة الأرضية عن إصابة 3 مليارات إنسان بالفيروس؛ أي حوالي 13٪ من البشر سكان الأرض، وأما البشرقميون فقد أصيب حوالي 45٪ منهم. وأعلنت كذلك عن توصل العلماء إلى دواء يؤخذ عبر التواصل الذهني، وأن عملية العلاج كلها تستغرق يوماً واحداً فقط، وحدد تاريخ 1 يناير 2192م لتلقي العلاج.

= 2222م.. اكتشفت لجنة الاستخبارات الأرضية أن جماعة «المغامرون» الإرهابية الفضائية، قد هجمت على المريخ وقتلت مجموعة من المستعمرين الأرضيين، وفر كثير منهم إلى الأرض، وهذا عائد إلى أن الأرضيين تَخَلَّوا عن أسلحة القتل الجسدية، في حين طورت المجموعة الإرهابية أدوات القتل.

= 11 سبتمبر 2245م.. أعلنت الجماعة الإرهابية أنها ستشن قريباً حرب إبادة شاملة على الأرض، بعد أن طوَّرت نظام تدمير إشعاعي يصل إليها من القمر الذي سيطرت عليه الجماعة واتخذته مقراً لانطلاق عملياتها.

***********

بعد قراءة التقرير.. بيّن مويني بوسارا للأعضاء الستة بأنه بعد الدراسة الشاملة للوضع؛ لا يوجد إلا سبيلان: انتظار ساعة الإفناء، أو العمل ليل نهار على إنتاج أسلحة تدمير شامل لمستوطنات الجماعة، وهذا يعني هدماً للقيم الأخلاقية التي أقرتها البشرية وتعاهدت عليها من خلال منظمة «أرض السلام».. بل يعني انحلال المنظمة ذاتها.

انتظر بوسارا رد زملائه.. كان موقفاً خطيراً وحاسماً؛ إما السلام الأبدي، وإما الصراع الأبدي.

رد إبراهيم أمينو قائلاً: ليس أمامنا إلا الحرب، فهي وحدها الكفيلة بتدمير هذه الجماعة الإرهابية، ثم الرجوع إلى حالة السلام، فالحكمة القديمة تقول: من رحم الحرب يولد السلم.

علّق بوسارا: وما الضامن أن هذه الجماعة لم تتوسع؛ وتولدت منها جماعات أكثر عنفاً، سواءٌ في الأرض أو في أي مكان آخر؟ فالأدلة الموجودة لدينا أن لدى هذه الجماعة قدرة فائقة على التخفي؛ بحيث تتوغل في دماغ الإنسان المجند مباشرة دون ترك أي أثر، وهذا يعني أننا أمام قنابل كونية قابلة للانفجار في أي لحظة.

قالت أميشا جانيشي: ليس من سبيل إلا أن نتفاوض مع هذه الجماعة؟

علقت عليها انتصار رفعتي: إن التفاوض مع هذه الجماعة اعتراف بوجودها، كما أنها ستفرض شروطها على الأرض. وأقترح التواصل معها لهدنة تستمر خمس سنوات؛ نعمل خلالها على تطوير قدراتنا بحيث نبطل مفاعيل كل الأجهزة والأنظمة القائمة عليها.

تدخل مكسيم رومانكوف قائلاً: وهل هم سينامون في هذه المدة؟ فهم أيضاً سيطورون أجهزتهم، خاصةً الأنظمة التجسسية؛ لمراقبة ما نقوم به. وأقترح أن نختار ستة من كبار فلاسفتنا وعلمائنا من القارات الست للجلوس معهم، بغية الاعتراف بهم، بشرط أن يتحولوا هم أيضاً إلى كيان سلمي، يسهم في إعمار الكون.

قاطعه تشو وانج: مرة أخرى نقول: ما الذي يضمن أن هذه الجماعة الإرهابية ستتحول إلى كيان سلمي؟ لقد أثبت التاريخ أن الإرهابي يظل إرهابياً، ويفرّخ إرهابيين.

اقترحت تشوليا هوبي قائلة: نحن الآن أمام مصير مشترك لكل الكائنات البشرية والبشرقمية، ومن حق أي فرد منهم أن يدلي برأيه في هذا الخطر الماحق، ولذا أرى أن يعرض الأمر للتصويت على كائناتنا البشرية والبشرقمية كافة، لمعرفة من يوافق على الدخول في حرب مع الجماعة الإرهابية بغية تدميرها، أو التفاوض معها.

قال بوسارا: يبدو أنه ليس أمامنا إلا هذا السبيل، وقبل ذلك.. علينا نحن السبعة أن نقّر إقامة عملية التصويت.

عرض بوسارا المقترح على زملائه الستة.. اختار ثلاثة من الأعضاء الموافقة على التصويت، في حين رفضه الثلاثة الآخرون. كان على بوسارا أن يحسم الأمر بترجيح أحد الرأيين.

انتظر الأعضاء رد بوسارا، كانت لحظة صمت فارقة، في غاية القلق، أخذ العرق يتصبب من جبين مويني بوسارا؛ فهو يعلم أنه سيتحمل أخطر قرار يتخذه إنسان على الإطلاق في حياة البشرية كلها.

أخيراً.. أدلى بصوته موافقاً على إقامة عملية التصويت. ثم أمر الأجهزة العالمية باتخاذ إجراءات التصويت ليعم جميع سكان الأرض، وحدد 31 ديسمبر 2245م يوماً للتصويت، لتكون البشرية بين مفترق طريقين لا ثالث لهما.. إما البقاء مع الرجوع للحروب وأسلحتها، وإما الفناء الأبدي.

مختارات مقالات

عن الكاتب

خميس بن راشد العدوي

كاتب ومفكر اسلامي