الروائي والكاتب الصحفي عادل سعد لمجلة الفلق: الكحكح أول رواية عن المسنين

كتب بواسطة رابعة الختام

حوار أجرته/ رابعة الختام

الجوائز لا تصنع أدباً فارقاً، لكنها تكشف النقاب عن مواهب ربما تأخر أصحابها في الإفصاح عنها بالنشر، وهذا تماما ما حدث مع الكاتب الصحفي والروائي الكبير عادل سعد الفائز بجائزة الطيب صالح بروايته “الكحكح”، والصادرة مؤخراً عن دار نشر “الفلق”.

عادل سعد كاتب وصحفي مصري، أسهم في تأسيس العديد من الصحف والمجلات مثل جريدة الصباح وجريدة المصري اليوم. له العديد من المؤلفات مثل رواية الأسايطة ورواية أيام الطالبية. حصل مؤخرا على جائزة الطيب صالح للرواية. تعرض لوعكة صحية، أبعدته لمدة عام بين الأسرة البيضاء ورائحة الأدوية عن الوسط الثقافي. هو في هذا الحوار يتحدث عن الكتابة والفن والصحاب، عن دور “دار الفلق” في دعمه أدبياً، وعن حكايته الشيقة مع شخصيات رواياته.

**الروائي الكبير عادل سعد، كيف تكتب الرواية؟

الرواية فن مراوغ ولا تبقى على حالها، والتجديد في الشكل يحدث كل يوم، والتجريب في السرد أسلوب أعشقه، لذلك أترك نفسي بتلقائية عند الكتابة قد يبدو هذا خطراً أو مثيراً للفوضى.

** رواية “الأسايطة” عملك الروائي الأول، لكنها رواية مزدحمة بالبشر والأحداث، حدثنا عن عنها.

كنت مرعوباً وأنا أكتبها. لقد قضيت ست سنوات أكتبها ولا أعرف كيف كتبت ٢٠٠ عام وخمسة ملايين إنسان في ٤٠٠ صفحة ولا أعتقد انني قادر على كتابة مثلها من جديد. كنت في سلطنة عمان وعندي فراغ كبير وعندما بدأت كتابة رواية الأسايطة بدأت رأسي تغلى من كم ما شاهدت وعرفت من أحداث، ومن كم الأكاذيب الملفقة عن مدينة أسيوط المصرية، وعن شخصية “خط الصعيد” القاتل، ذلك الذي يصوره عادل إمام باعوجاج الفم وحوٌل العينين.  “خط الصعيد” لقب لأباطرة الأجرام، وشخصية خط الصعيد في رواية الأسيطة تقترب من الواقع.

في أحداث الرواية، كانت البطلة “بخيتة” كانت مريضة نفسياً، وتفعل أفعال المجانين.  لم يكن هناك طب نفسي وكان وقتها المرض النفسي سٌبة بل جريمة، وبدأوا يعالجونها بالذهاب للمشايخ والتبرك بالأضرحة و”العتبات” المقدسة، وأخيراً الكي بالنار. بخيتة المسكينة هربت من عذاب النار ووصلت إلى بيوت الدعارة بأسيوط، وكانت تلك البيوت على أطراف البراري، وعرف أخوها مكانها وقتلها، ظناً منه أنه يدافع عن شرفه. رمضان أخوها أو متولي فوجئ بأن قصته على كل لسان.، فبدأ يضغط على أعصابه حتى فقد حاسة السمع.

أحداث الرواية هي نماذج من عشرات القصص التي هاجمتني أثناء الكتابة، وكانت تركض حولي، على طاولة الطعام وفوق سريري، تقاسمني رغيف الخبز وتخرج لي لسانها، والأسايطة عمل أنا راض عنه بنسبة كبيرة.

**تقول بأنك قد تعلمت الكتابة وسرد الحكايات من شخصيات لا تعرف القراءة والكتابة، فكيف كان ذلك؟

كنت عائدا في يوما ما من تمرين في النادي، فإذا بصديقي “سعد عبدالرحمن” الذي أصبح بعد ذلك رئيسا لهيئة قصور الثقافة المصرية، يجلس مع عم “جلال عٌلما” وهو رجل بسيط من عامة الناس، يدق العم جلال فول الطعمية بيديه. كان هذا الرجل يقول شعر جميل وكلاما جميلا. هذا الرجل البسيط علمني سرد الحكايات الجميلة وعلمني كيف أشد أذن المستمع بالقصص المشوقة.  

** رواية “أيام الطالبية” والعشوائيات رواية أخرى رائعة ومزدحمة بالأحداث، تحدث عنها؟

 الرواية عن ثورة يناير المجيدة، عن الحقوق والواجبات الانسانية، وعن الطبقات الدنيا من الشعب البسيط. كانت العشوائيات بسكانها البسطاء وقود الثورة في بدايتها لكنها انقلبت ضدها بسبب الفوضى التي أحدثتها هذه العشوائيات في غياب القانون. “الطالبية” حي مزدحم جدا من أحياء القاهرة. الازدحام في هذه الأحياء طبيعي جدا للدرجة التي يولد فيه الناس ويعيشون ويموتون دون أن تسمع لهم صوتا.

** رواية أيام الطالبية بها ازدحام بشري كبير، ونفس سردي من روايات نجيب محفوظ، كيف ترى هذا؟

محفوظ هو الأستاذ دائماً، وهو أبو السرد، الحكايات جاءت من رحم كتاباته، هو صاحب تجربة ثرية لا يمكن نكران فضلها على الأدب المحلي والعربي والعالمي.

**رمضان المسيحي عنوان لافت لرواية تبدو كأنها تسجيلية، تحدث عنها؟

 أنا أكتب الخيال مستنداً على الواقع، ورواية رمضان المسيحي تتحدث ولأول مرة عن المتحولين دينيا، وكان الموضوع شائكاً لم يتطرق إليه كاتب من قبل، فقضية الخروج من الدين للحصول على لجوء سياسي كانت جديدة على عالم الكتابة الإبداعية، لدرجة أن الأديب الكبير علاء الديب قال: الرواية تحقيق صحفي في ٢٠٠ صفحة، فقلت له أن نصف الرواية خيال. لقد أسعدني أن شخصا مثله لم يعرف الفرق بين الخيال والواقع، فهذا يعني أن الحبكة السردية متماسكة.  

** رواية “الكحكح” وفوزها بجائزة الطيب صالح كيف حدث هذا وأنت البعيد عن تلك المشاركات، المفاخر بترفعك عن اللهاث خلف الجوائز؟   

صديقي الأستاذ الكبير والناقد “مجذوب عيدروس” أقنعني بأن أشارك، وبعد فترة اتصل بي بلا مقدمات وقال استمع إلى مراسم إعلان الجائزة، “مبروك أنت كسبت”

 **الكحكح اسم غريب كونه عنواناً لرواية؟

نعم، والرواية عن ست سيدات مسنات عمرهن تجاوز الخمس وثمانين عاما. والكحكح في لسان العرب تعني المرأة إذا تجاوزت الثمانين من عمرها. إنهن نسوة ينتظرن الموت، والبنك وذويهن يريدون التأكد من ذلك لتوزيع الميراث الذي سيتركنه، لكنهن يقررن الحياة وكل واحدة تستضيف صديقاتها يوم في الأسبوع يطبخن لهن ألذ الأكلات ويرقصن ويشاهدن أفلام سعاد حسني ورشدي أباظة وكلارك جيبل وأودرى هيبورن، ويشجعن الكرة ويدخلن السينما والمسارح، يدركن معنى السعادة والحياة وهن على حافة الموت.

**عملت صحفياً ورئيس تحرير، ماذا اخذت الصحافة منك، وماذا أضافت لك؟

*أخذت مني الكثير وأعطتني الكثير أيضا، كنت رساماً ونسيت الرسم، وكنت شاعر في فترة من الفترات. والحقيقة انني غير نادم على هذا، الصحافة الحقيقية مثل عمل الأنبياء تدافع عن الحق وتكشف الحقيقة وتنتصر للضعفاء. أيضا عرفت من خلال الصحافة مناطق مهجورة وبعيدة واقتربت من الناس.

**يكتب عادل سعد الرواية بلا قوانين، أنت طفل متمرد وروائي بلا خريطة، تضع قوانين اللعبة كما يحلو لك؟ إلى أي مدى توافقني الرأي وكيف ترى هذا؟

*لأبعد مما يصل خيالك أوافقك على كل هذا وأكثر، أنا أرفض القيود، ألعب الشطرنج ونائب رئيس الإتحاد الدولي للعبة الشطرنج، وأطبقها على كل حياتي، عالمي رقعة شطرنج كبيرة. رواية الأسايطة مثلا تبدو كمعزوفة موسيقية، تبدو كلحن أساسي وتتفرع منه التنويعات، وفي رمضان المسيحي يعتمد فكرة الرسم بالكولاج، نقاط صغيرة لكنها عندما تتجمع ترسم لوحة عظيمة. أيام الطالبية لوحة متكاملة لحي كبير وربما دولة، وفي الصفحة الواحدة ربما يولد ويعيش ويموت ثمانية أشخاص من اختناق العشوائيات.

**من شروط جائزة الطيب صالح أن إدارة الجائزة تقوم بطبع ونشر الروايات الفائزة، لولا الأحداث الأخيرة للسودان، أخبرنا عن تفاصيل التجربة.

أنا لا ألهث وراء الجوائز ولكن صديقي عملاق النقد الثقافي والأدبي “مجذوب عيدروس” هو من طلب مني المشاركة، والقائمين على الجائزة بالفعل لديهم قدر كبير من الرقي والحيادية والموضوعية في اختياراتهم. وبعد الفوز انتظرت كما جميع الفائزين، ولكن الأحداث السياسية وظروف الحرب في السودان أخرت هذا كثيراً

كيف جاءت الفكرة بنشر الرواية في دار الفلق للنشر؟

كنت مريضا عندما حضر الشيخ سيف بن هاشل المسكري لزيارتي. شغل الشيخ سيف المسكرى منصب الأمين العامٍّ المساعد للشؤون السياسيّة بمجلس التعاون لدول الخليج العربيّة في الفترة (1987-1993م)، وهو صاحب تجربة دوليّة عريقة في مجال العمل الدبلوماسيّ، وابن الشيخ الأديب هاشل بن راشد المسكري.

في بداية القرن العشرين أصدر العمانيون صحيفة الفلق في زنجبار وتولى الشيخ هاشل المسكري رئاسة تحرير الفلق في عام ١٩٠٢٩، والشيخ سيف وتكريما لذكرى والده قرر إنشاء مشروع ثقافي يحمل نفس الاسم وهو دار الفلق للنشر. وعندما زارني أخبرته بجائزة الطيب صالح العالمية للرواية وأن ظروف السودان منعت نشرها، فرحب بنشرها لتكون من إصدارات دار الفلق وهي في طور الانطلاق. تم نشر الرواية وتوفرت في معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير 22025.

حوارات مختارات الأدب

عن الكاتب

رابعة الختام