السيد ولدبّاه.. يد في أوروبا وقدم على الأرض العربية

إلى أي مدى تتفق مع العنوان الذي اخترناه لاختزال فلسفة الدكتور عبد الله السيّد ولدبّاه؛ “يد في أوروبا وقدم على الأرض العربية “؟

اتفق مع هذه المقولة. أعتقد ان الفيلسوف اليوم لا بد أن تكون له اليدان: يمارس تفكيره من داخل تقليده التراثي ويقرأ هذا التقليد بأدوات العصر التي هي بالضرورة أوربية وغربية.

 

أنا أريد أن أسألك دكتور عن مشروع التأويل إسلاميا، وأنت اشتبكت كثيرا مع مدارس التأويل القديمة وعلاقتها مع ما بات يسمى بعلم الكلام الجديد، ومشروع الإسلاميات التطبيقية عند أركون وتلاميذه، ومشروع نصر حمد أبو زيد. يقرأ البعض لك تحفّظا على هذا التأويل؛ على اعتبار أنها لن تنتج تحديثا. وربما يتّهمك خصومك (لو جاز لي التعبير) بأنك إنما تستعمل ذلك لتبرير رفضك للتغيير الجذري الثوري، وميلك أكثر إلى الانتقال التدريجي الناعم، والبراغماتية الفكرية. تفعل ذلك عبر تأويل مفهوم التأويل نفسه، بإعطائه صبغة كونية (تأويل العالم بدلا من تأويل النص الديني). السؤال هنا: لو صحّ ذلك؛ ما البديل الذي يراه ولدبّاه في استنطاق النص الديني حداثيا؟ وأي مشروع من المشاريع الإسلامية التي تعاملت مع النص القرآني يراه أجدر بالاهتمام؟ وإذا لم يصح؛ فكيف يردّ عليه؟

انا أعتقد ان الفلسفة التأويلية هي أفقر جوانب الابداع الفلسفي في الفكر العربي المعاصر. السبب الأساسي يرجع حسب رأيي إلى أن هذا الفكر اتجه في الغالب إلى معالجة التقليد الوسيط باعتباره تراثا، أي تركة من الماضي مفصولة عنا، ومن هنا يغدو السؤال كيف نمتلكها أو نتصرف فيها؟

ما علمتنا التجربة الغربية هو أن التقليد ليس تراثا، بل نصّا نعيش فيه ونستكشف إمكاناته ونرصد معانيه الثرية والتباساته الإشكالية. لقد تعاملت مشاريع قراءة التراث وبصفة خاصة عند الجابري وأركون مع التقليد من منظور برادايم القطيعة الذي برز أصلا في كتابات الابستمولوجيا وتاريخ العلوم، وهو خلل منهجي كبير كانت آثاره وخيمة في الفلسفة العربية المعاصرة: تحول التراث إلى صراع إيديولوجي وسياسي على أرضية الماضي، وغابت الإمكانات الثرية والانتظارات الخصبة في النص الذي كما يقول ريكور مستقل عن ظروف إنتاجه وعن سياقات قراءاته. إنه الدور التأويلي الذي لا انفكاك منه على عكس أوهام القطيعة والانفصال وأوهام القراءات الحرفية المتحدة.

بخصوص مشاريع التراث، لا زلت وفيا لمحمد إقبال وحدوسه الثاقبة في “تجديد الفكر الديني” التي كان من المنتظر أن تكون أرضية لفلسفة دين إسلامية ما زلنا نتطلع إليها.

 

هناك جانب لم أفهمه تماما في فلسفة الدكتور السيّد ولدبّاه. وهو قراءتك لمفاهيم مطلقة من قبيل الأمّة، والشعب، والهوية، والتاريخ. لقد كتبتَ كثيرا عن هذه المفاهيم، ويبدو لي أنك تتعامل معها بحذر، على اعتبار أنها عصية على المساءلة النقدية. إما بسبب قدرتها على اختراق المحاكمات الفكرية والنفاذ إلى الشارع لصنع الحشد وإفشال كلّ مشاريع التنوير، أو ربما لشموليّتها وبالتالي سهولة تحويلها إلى أيديولوجيات. هل رؤيتك هي حقا كذلك؟ أم أن الحذر المفترض للدكتور ولدبّاه هو مشروع فكري لم يكتمل بعد؟ أعرف أن السؤال كبير ربما، ولكن إضاءتك له سيكون مهمّا لقرّائك.

إنك تتحدث عن مفاهيم ملتبسة، لا من حيث التوظيف الأيديولوجي، ولكن من حيث شحنتها النظرية، رغم ما تقوم عليه من بداهة زائفة. ما ذكرت من حذر هو في الحقيقة حرص على التأسيس الإشكالي والرؤية المعمقة والتفكير النقدي في مواجهة المطلقات السائدة التي هي مصدر الأوهام الشائعة. نحتاج إلى استخدام عدة مفهومية ثرية ومعقدة لمعالجة هذه الموضوعات التي هي من أهم اهتمامات الفلسفة العالمية راهنا. تكفي الإشارة فقط إلى تناقضات الفلسفة القانونية والسياسية ما بين تيارات ثلاثة متصادمة: التيار الليبرالي، والتيار المجموعاتي والتيار الليبرتالي.

 

لدى العروي تمييز يقيمه فيما يتعلق بالتنوير؛ التنوير بين المؤسسة والمجتمع، أو التنوير لدى مؤسسة الحكم والتنوير لدى الشعب؛ من يقود الثاني؟ فالتنوير لدينا على المستوى العربي لم يبدأ من القاعدة ومن الجمهور، بل بدأ من الأعلى. وربما استشهد الدكتور ولدبّاه؛ في بعض ندواته إذا لم تخنّي الذاكرة، بالحرب الأهلية اللبنانية كمثال على أن التنوير كان على مستوى مؤسسة الحكم أو النخبة فقط. سؤالي هنا لك دكتور: لماذا لم تتمكن مؤسسة الحكم بنخبتها الإدارية والفكرية والاقتصادية من اختراق القاعدة لتشتغل على مفاهيم التنوير؟ هل هو بسبب ما يسميه البعض بالولع العربي بالنفي والتدمير كما في بعض التصوّرات؟ أم لعوامل أخرى تاريخية واقتصادية وسياسية؟

حركية التنوير بدأت في أوروبا عبر مسارات متمايزة: كانت حركية إصلاح ديني في المانيا، وإصلاح سياسي في اسكتلندا، وصراع مزدوج مع المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية في فرنسا.

في العالم العربي، بدأت ديناميكية التنوير عبر نشاط مزدوج لقادة الحكم وقادة الرأي والفكر من جهة. كان خير الدين التونسي حاكما متنورا ومفكر انوار. لا يمكن أن نفصل بين حركية التحديث التي قادها محمد علي باشا وأفكار التنوير لدى الطهطاوي. ولا يمكن فصل مشروع الإمام محمد عبده الإصلاحي والثورة العرابية.

أظن أن هذه الديناميكية المزدوجة انهارت بتفكك الحلف بين الفقيه الإصلاحي والسياسي الليبرالي والمثقف التقني. إنه الحلف الذي تحدث عنه العروي في “الأيديولوجيا العربية المعاصرة”. ما نعيشه راهنا هو انحسار نموذج المثقف التنويري وتراجع ديناميكية التنوير المجتمعية معا، وهو وضع له علاقة مباشر بانهيار الوضع الإقليمي العربي واشتعال الحرب الأهلية على أوسع نطاق في ساحات عربية عديدة.

 

عُقد مؤخرا لدينا في السلطنة ندوة دينية موسّعة بعنوان “الإلحاد وحقيقة التوحيد” في جامعة السلطان قابوس؛ كانت موطن استقطاب محليا، بين من يرى ضرورتها الملحّة وبين من لا يعتبر الإلحاد ظاهرة ومشكلة حقيقية في الداخل. لقد تابعتُ توصيات الندوة ولا أعرف لماذا تذكرتك وأنا أتابع تلك التوصيات، وخصوصا أنك كتبت كثيرا عن العلمانية والليبرالية من وجهات نظر إسلامية، كذلك كتابك المهم مع سعيد بنسعيد العلوي حول عوائق التحوّل الديمقراطي. كما لو أن القبيلة والعصبية الخلدونية هي في الحقيقة الدافع الخفي لمثل هذه الندوة، وليس للتحذير من خطر الإلحاد حقا. كيف يقرأ ولدبّاه هكذا فعالية في ضوء فلسفته لتحديث المجتمعات العربية؟

أرى ان المسألة الدينية السياسية (وليس العلمنة بالمعنى الشائع) هو الإشكال الذي لا بد من الاهتمام به فكريا وفلسفيا. لهذه المسألة جوانب عديدة، وتحيل إلى إشكالات نظرية ومجتمعية معقدة تتعلق بمكانة الدين في الشأن العمومي وعلاقة الضمير الذاتي بالسياق القيمي والمعياري العام، ومنزلة السياسة في تشكيل الواقع العام. إن اختزال كل هذه الموضوعات في مسألة الاعتقاد الديني الشخصي لا معنى له، خصوصا أن مسائل الاعتقاد هي خيارات فردية ميتافيزيقية لا يمكن حسمها بالجدل العقلي أو الفلسفي. إنها من الذوقيات والتصديقات والسماعيات على لغة الغزالي، ولا معنى للقول بقدرة تجاوزها.

 

أريد هنا أن أسألك عن مشروع الدكتور طه عبد الرحمن، وأنت كتبت عنه في كتابك عن أعلام الفكر العربي، كما وتكلمت عنه كثيرا. سؤالي هو: ما أهم العوائق أمام نجاح مشروع طه عبد الرحمن في الحداثة الإسلامية بحسب رؤية السيد ولدبّاه؟ هل هي نفس التحديّات التي تواجه مشاريع الجابري وأركون وأبو زيد في نقد التراث الإسلامي؛ أم شيء آخر؟ وتحديدا.. هنا أسأل عن فلسفة اللغة عند طه عبد الرحمن؛ لأنها فيما يبدو مختلفة عنها بالمقارنة مع الآخرين، وما يبرر ذلك المصطلحات الجديدة التي يبتكرها عبد الرحمن ابتكارا ليجعلها أدوات تعمل كتروس متشابكة داخل مشروعه. هل هذه الفلسفة اللغوية نقطة قوة أم ضعف في مشروع د. طه عبد الرحمن؟ من قبيل إضفاء مزيد من القداسة أو الهالة حول المشروع. كما لو أن اللغة تصبح غاية لنفسها عند عبد الرحمن. هل هذا صحيح؟

طه عبد الرحمن اختط لنفسه مسلكا مغايرا لقراءة التراث من خلال مسالك فلسفة اللغة والمنطق التي ليست مألوفة في الفكر الفلسفي العربي. ولذا كانت إسهاماته لافتة وهامة في الخطاب الفلسفي المعاصر. بيد أن الإشكال الذي طرح بالنسبة لي هو عجز مشروع طه عبد الرحمن عن بناء نص فلسفي بشروط الفلسفة الكونية، لكون كتاباته ظلت محكومة بالأدوات التراثية نفسها التي أراد أن ينحتها كمفاهيم نظرية كونية. لقد انعكس هذا التوجه على تصوره للحداثة الإسلامية، ولبعض مواقفه السياسية والأيديولوجية التي أختلف معها أشد الاختلاف، خصوصا ما في كتابه “ثغور المرابطة”.