سريعة سليم حديد
الكتاب: السينوغرافيا ــ مشهدية العرض تاريخ وأشكال وظروف وأهداف.
تأليف: الدكتورة رندا سلمان إسماعيل.
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب. عام 2023
قيل: “العقل البشري يبعثر اهتماماته، كما لو كانت من زغب الأشواك، كل الرياح تثيرها وتحرّكها”، هذا التناثر عمل عليه الإنسان منذ القدم بما ملكت يداه، فخضع لهيمنة البيئة المحيطة به وانغمس في الحياة وقام بأعمال ليعبر عما يدور في ذهنه وليثبت وجوده الأزلي تاركاً خلفه إرثاً يحكي قصته ويعرضها بلغة الجمال والدهشة والمتعة.
ــ كتاب “السينوغرافيا ــ مشهدية العرض تاريخ، وأشكال، وظروف وأهداف، تأليف الدكتورة رندا سلمان إسماعيل، وهو من إصدارات الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2023 يعد نقلة نوعية في تبيان المشهد المسرحي الكوني الذي مرّ عبر العصور مخلداً تلك الإبداعات المختلفة في عرض مسرحي لافت.
رصدنا من خلال الكتاب بنظرات شاملة لفّت معالم الدراسة الجميلة، وقد كُتب على غلافه مختصر الهدف منه، نقتطف:
“يحاول الكتاب التعريف بالنموذج الأول للتمثيل المشهدي الذي بدأه الإنسان منذ العصر الحجري، متتبعاً تطور أشكاله وتقنياته وصولاً إلى آخر النزعات الفنية في عالم الاستعراض نهاية القرن العشرين في كل الطقوس الدينية والجنائزية، وفي الحياة اليومية والعوالم الغيبية، وفي اللوحات الجدارية والأرضية..”.
ــ تعني “السينوغرافيا” مشهدية العرض هندسة الفضاء المسرحي من خلال توفير هرمونية انسجام بين ما هو سمعي وبصري وحركي من جسد وديكور وإكسسوارات وماكياج وأزياء وتشكيل.. وبالتالي تضافرت فنون عدة منها: فن التشكيل والماكياج والموسيقى.. لتشكِّل ذلك الانسجام الفريد.
ــ إن مسألة تنامي العرض المشهدي لازمت حياة الإنسان منذ القدم، فراح يرسم على جدران وسقوف الكهوف العديد من صور: أوراق النباتات والحيوانات الصغيرة.. هذا ما يعرف بـ “فن الكهوف” الرسومات جاءت ملونة، تختفي وتظهر حسب الظلال التي تتمايل على تضاريس الكهف مع ارتجاف ضوء النار، وتُظهر الظلال المتحركة الناس المتحلقين حول النار لإحياء طقوس السحر. ويمتد الزخرف العجيب إلى الأواني الخزفية وغيرها ليفرض تساؤلات كثيرة وأهمها: ما الهدف من ذلك؟!
ــ يخرج الفن من بوابة الكهوف لينتقل إلى الحجر، فظهرت التماثيل المصنوعة من العاج أو العظم أو قرن الوعل وبعضها مصنوع من الصلصال والحجارة.. والأجمل من كل هذا أنها نحتت لتكون تعويذة، تساعد حاملها على كثرة الإنجاب، إذاً هي العقيدة الدينية كانت وراء صناعة تلك التماثيل، فكان الإنسان القديم يقيم طقوسه تحت ضوء الشمس أو القمر في أوقات لحظات الشروق أو الغروب .. لضمان ملاحظة تحرك الظلال.
ــ هي الألوان من جعلت للكتابة رونقاً وأهمية، فجاءت الخطوط باستخدام الفحم، تلته فلذات المنغنير لتزيد على السواد بهجة ومتعة، تلتها المغرة الحمراء، وتعدد ألوانها الصفراء والبرتقالية والبنية لتحكي بجمالها أحاسيس إنسان قديم عريق في تفكيره ومبتغاه، ويبقى للون الأبيض كلمته وهو القادم من الكلس من عظام الحيوانات والصدف، وباستخدام الرموز في الرسومات المتعددة الأشكال والألوان تشكلَ نوع هام من أنواع اللغات التصويرية، فراح الإنسان يرسم صوراً آدمية، يجسدها على منحوتاته الصغيرة، بعدما طال الأمد في رسم صور الحيوانات والنباتات والأشكال الهندسية.
ــ لوحات فنية منتاثرة على مواقع جغرافية متباعدة جاءت تقص حياة إنسان جسدها بما وصل إليه من تطورات، وها هو الختم الذي تركه خلفه ليثبت بصمات فريدة من نوعها، إنها الحضارة المصرية التي سجلت أول عثور على الأختام على هيئة (الجعل) الذي يرمز إلى الخلق من العدم، قصة حشرة صغيرة تعيش في الأماكن الندية، صغيرة في حجمها كبيرة في فعلها، قصة دحرجة الحياة في كتلة طينية تركت داخلها بيوضها ومخلفاتها وبذور النباتات.. كرة طينية تشبه قرص الشمس، تدحرجها الحشرة، وتتركها خلال تنقلها على طول الطريق، وحين تفقس البيوض، وتنتش البذور، تشرق حياة جديدة بعد الموت، إنها لوحة مشهدية تلوح من بعيد إلى النظر إليها باهتمام ومتعة.
ــ تأتي مشهدية الكتابة فاردة جمالها على الألواح الطينية المشوية وجدران الكهوف وعظام كتف حيوان الآيل وأوراق البردي، إنها رسائل ملكية وأصحاب نفوذ ومعابد وقصور.. هم وحدهم من يمتلكون استخدامها.
ــ من أبرز المشاهد التصويرية ما وجد في مدينة طيبة كأشهر مدينة للآلهة، حيث مواكب تعظيم الآلهة في استعراض مشهدي لافت، الموكب الذي يبدأ من طريق الكباش الذي يربط معبدي الكرنك بالأقصر من جهة، ومعبد الكرنك بنهر النيل من جهة أخرى، وقد حدد الطريق من الجانبين بمنحوتات تمثل الإله رع.. أضف إلى هذا اندماج الطقوس الدينية مع الطقوس الجنائزية، وقد مثلت أسطورة أوزيريس على جدران التابوت، ومع تطور مشهد التابوت عبر الزمن نجد أمثلة مستطيلة مُثل عليها مشهد طواف الشمس في قاربها، وقد غطت أوراق الذهب وبعض الأوراق الملونة بالأصفر وجه الميت ويديه، إذاً، يرمز اللون الأصفر إلى لون الذهب الذي لا يبلى، ويعد رمز الأبدية.
ــ في الاتجاه الآخر من توارد المشاهد التصويرية، نجد تصميم الزيقورات “المعابد البرجية” بطبقاتها الملونة الساحرة، حيث أخذت الألوان دلالاتها اللونية، كل طبقة ترمز إلى كوكب بحد ذاته، كل هذا في محاولة متواكبة لمعرفة أسرار الكون وقصة الحياة والموت، فجاءت الفنون التصويرية لتعبر عن تلك الأفكار التي تعد مرآة للمجتمع في كل زمان ومكان.
ــ ويتطور المشهد ويكبر لنجد مدينة ماري التي تقع شرقي سورية، وقد احتلت مكانة مرموقة في فن التصوير الفريسكو بما عُرض على الجدران من رسوم عُثر عليها في القصر الملكي، الرسومات المستوحاة من الأساطير والقصص والملاحم الشعبية التي تمزج بين العقليتين العمورية والسومرية. فقد عثر عند السومريين على تمال الملك المتعبد (غوديا)، حاملا الجرة الملتصقة بجسده، والماء يتدفق منها على ثيابه والسمك أيضاً، وقد غطت الثوب الكتابة المسمارية التي تذكر آلهة نبع الحياة، فبعد اختراع الكتابة سعى الإنسان في الشرق الأدنى إلى تمثيل النصوص من خلال الفنون التصويرية التي احتكرتها مراكز النفوذ من المعابد والقصور.
ــ تأخر فن التصوير في العصر الآشوري ليبرز بشكل مدهش في قصر (آشور ناصربال) في العاصمة نمرود (كالح) شمالي بغداد، إذ يتمثل النحت البارز على الجدران الحجرية بمشاهده التي تعرض أطول مساحة قصصية عرفت في تاريخ الشرق الأدنى، فظهرت على محيط المبنى بشكل كامل، بينما تظهر اللوحات الجدارية المنحوتة في قصر (آشور بانيبال) في نينوى، لتقدم قمة الفن الآشوري، فلأول مرة تظهر الخطوط المائلة في تكوين الصورة في اللوحات التي عثر عليها في القصر الشمالي: لوحة (الوليمة) فبرز فيها مشهد الحديقة المماوءة بالأشجار بالإضافة إلى الطيور المحلقة، والنساء يخدمن كلا من الملك المتكئ على سرير مرتفع، والملكة الجالسة على عرشها، وهما يحتسيان مشروباً تحت العريشة. هذا ما يقود إلى أن الحس السردي في الحضارات القديمة قد تطور في الفنون التصويرية، وتعاظم العنصر الإنساني على حساب الرمز الديني.
ــ في المقلب الآخر بالنسبة للغرب الأوربي، فقد مثلت بيرنطة بفنونها المقدسة مدينة أسطورية من الذهب، ولعب التصوير الديني البيونطي دوراً مهماً في تطوير مثيله في الكنيسة الغربية في العصور الوسطى، إذا ظهرت أيقونة ترتكز على الرسم العجائبي للقديس لوقا، عرفت باسم (عذراء فلاديمير)، فقد رُسمت في القسطنطينية، وأرسلت إلى روسيا، وهذا ما يوحي إلى فكرة تحريم الرسومات العجائبية للأيقونة خلال العصور الوسطى، فقد نفّذ لغاية رمزية.
ــ وصولاً إلى العصر الإسلامي بما يحمل من تتابع لمشاهد وتطورات الفنون التصويرية المدنية التي حدثت في المرحلة الثانية من الدولة العباسية، وخاصة في مجال فن المقامة التي تدور أحداثها في مجلس واحد، وتعتمد على المغالاة في الصنعة اللفظية والصياغة الأدبية، فشجعت بنصوصها تطور الفن التصويري المعروف بالمنمنمات الذي يعد من أهم المراجع التوثيقية، وكذلك ظهر فن خيال الظل الذي يرتبط بالعروض الحية، وقد قيل إن فكرة خيال الظل قد نشأت نتيجة حركة أوراق وأغصان الشجر خلف ستارة شفافة، وهناك من يرى أن الفكرة تعود إلى إنسان الكهوف، فلفتت نظرة ظلاله المتراقصة على جدران الكهف بفعل لهيب النار.
أما طريقة انتقال هذا الفن من بلد إلى آخر، فهذا يعود إلى نشاط تجارة طريق الحرير، فظهر (ابن دانيال) بنصوصه الساخرة مازجاً بين النثر والشعر، وبين العظة والفكاهة.. مستخدماً مختلف الزخارف اللفظية.
ــ كما ظهر فن التصوير على الزجاج الملوّن في الشرق والغرب، الفن الذي يُعرف في الشرق الأدنى بالزجاج المعشّق؛ ففي الغرب لعبت الألواح الزجاجية الملونة دوراً كبيراً في التعبير عن الرمزية المسيحية، والتعليم الديني وقدمت أشكالاً جديدة من الجدل والتعبير اللاهوتي، وحملت موضوعات عدة منها: التصويرية والزخرفية والتوثيقية.
ويتطور المشهد أكثر فأكثر عند ظهور الأوبرا التي نشأت في إيطاليا ابتداء من منتصف القرن السابع عشر، الأوبرا التي تحتوي مشهداً واسعاً وقاعة للجمهور على شكل حذوة فرس، من هنا نشأت مهنة تصميم المشاهد المسرحية.
ــ بالانتقال إلى بدايات القرن العشرين، وما حمله من مظاهر العروض المتنوعة وسط الانقلاب الاجتماعي والمدن الصناعية، فقد ظهرت الحركة المستقبلية كرد فعل على الأشكال البائدة للتذوق الفني وأدوات التعبير، وانتقل الفن بعد الحرب العالمية الثانية إلى مرحلة الفن المعاصر، إذ بحث الفنانون عن طرق جديدة للتعبير، وأصبح فنهم أداة لإثارة الجدل الاجتماعي، ونشط فن الرسم بالضوء، مما مهد لظهور الفن الحركي الذي غير تقنيات اللغة التشكيلية كتعبير فني مباشر عن الثورة الرقمية التي بدأت مع دخول الإنسان عالم الفضاء.
استخدم الفن الحركي الدارات الكهربائية ومصابيح الإنارة.. في سبيل تحقيق صفة (المتغير) للأعمال الفنية، واعتمد على التلاعب بالضوء بإسقاطه على شاشات أو مرايا.. واستخدام تأثيرات النسيج المتموج، هذا كله في سبيل اللحاق بالثورة الرقمية التي كانت السبب الرئيس في نشوئه.
ختاماً، إن موضوع السينوغرافيا مشهدية العرض، هو جدير بالاهتمام بما يحمل من مظاهر مشهدية قد تغيب في تصورها عن الذهن، وبالتالي رصد هذا النوع من الموضوعات هو غاية توثيقية وجمالية تكشف الظاهر الخفي، وتفتح المجال لتساؤلات كثيرة قد تكون إجاباتها في ملفات واسعة من البحث الدقيق.

