الغَضَب .. هَل يُؤثِّر على حَياتك المِهنيِّة؟

كتب بواسطة محمد ياسر منصور

ازدادت الضغوط وازداد الشُّعور الداخلي بالغَيظ والغَضب في أمكنة العمل بسبب التسريح المؤقَّت للعمال أو تخفيض عدد اليَد العاملة والأجور , أو لأسباب أخرى كثيرة . وتتخذ معظم المؤسَّسات والشركات تجاه تعبير الأفراد عن شعورهم بالغيظ والغضب موقفاً يتَّسم بِعَدم الارتياح حتى ولو كان للغضب ما يُبرِّره . لذلك , يُفضِّل معظم الناس الاحتفاظ بوظائفهم على تفريغ شُحنات غَضبهم .

      يقول الدكتور (إبراهام زالزينك) , أستاذ التحليل النفسي والإدارة في مدرسة العمل ( ( Buisness  School  في جامعة هارفاد : ” يُؤدي مَنع التعبير عن الغضب والمشاعر الأخرى إلى نتائج سلبيِّة على الإنتاج وهذا بِدَوره يُؤثِّر على الشَّركة كَكل ّ. إن جزءاً من الذي يُمكِّن الشركات من العمل بِفعاليِّة يعود الى روح التعاون بين الناس والتي تضعف بِكَبت مَشاعِر الغضب والإحباط , لذلك فمن مصلحة كلٍّ من العمال وإدارة الشركة انتهاج استراتيجية معيَّنة ” .

       بما أنَّ مَنع التعبير عن مشاعِر الغضب هو لغير صالِح الانتاج فيجب علينا أن نتعلَّم كيف نُسيطر عليه . إذا شعرتَ ــ أثناء حديثك مع أحد الأشخاص ــ بأن انفعالاتك تزداد حِدَّةً شيئاً فشيئاً , فَابتعِد عنه قليلاً وحاوِل أن تسيطر على نفسك . حاوِل أن تنظر إلى الانتقادات المُوجَّهة إليك نَظرة إيجابية وتستفيد منها في تطوير نَفسك . واعلَم أن الناس الذين لا يستطيعون السيطرة على غضبهم أو التعامل مع غضب الآخرين تعاملاً إيجابياً غالباً ما يُسيئون إلى حياتهم المِهنيِّة ويُدمِّرونها . فالذين يُشعِرون الآخرين بأنهم سريعو الغضب يُفسِدون علاقاتهم مع كلٍ من رؤسائهم وزملائهم في العمل ومَرؤوسيهم مهما كانوا مُؤهَّلين وذَوي كفاءات عالية .

     إن عَدم تَعامُلك مع الغضب تعاملاً صحيحاً يُعكِّر صَفوَ علاقات العمل , ويُؤذي سِمعتك , ويُفقِد الثقة بك , وتحصل على أقلّ العلامات في تقييم رؤسائك لَك , ويُنكَر عليك حقَّك في الترفيع , وغالباً ما تُجبَر على التقاعد باكِراً .. لذلك , فبكيفيّة التعامل مع الغضب يُمكن أن تصنع أو تُحطِّم حياتك المِهنيِّة .

  لكن الدكتور ( ماهر ابيان ), أستاذ عِلم النَّفس في جامعة كاليفورنيا , له رأي آخر في هذا الموضوع , فهو يقول : ” الغضب ليس دائماً شُعوراً سيِّئاً, فهو يُعطي صاحِبه شُعوراً بالقوَّة والسيطرة والشَّجاعة والثقة بالنفس والأهمية وإمكانية التأثير على الآخرين ” .

  أسباب الغضب :

   الغضب شُعور طبيعي اختَبَره معظم الناس , وهو يُنذِرُنا بأن شيئاً ما يتعلَّق بِمَوقِف مُعيَّن أو علاقة ما تحتاج إلى حَلّ . ينشأ من شُعورنا بأننا مُنِعنا عن فِعل عمل نَرغب في فِعله , أو شُعورنا بأنه قد تمَّ استغلالنا وأُرغِمنا على إنجاز عمل ضد رَغباتنا . وأحد أهمّ أسباب الغضب هو الإهانة الشخصيِّة وازدراء الآخرين لنا .. الأمر الذي يُسبِّب جُرحاً عميقاً لكرامتنا . ومن بعض أسباب الغضب الأخرى : *شُعورنا بأنه تمَّ تَجاهُلنا أو تأنيبنا أو إهمالنا أو خِداعُنا أو مُعاملتنا بشكل غير عادِل.      

*مُشاهَدتنا لأفعال غير عادِلة وتنمّ عن غَباء يقوم به الآخرون .

*تأنيبنا لأنفسنا على شيئٍ فَعلناه أو فَشلنا في فِعله .

*إيذاء الغَير لنا .. أو تعرُّضنا لِكُره الآخرين أو عَدم رِضاهم عَنَّا .

*إنجازنا لعمل لم يُقدِّره الآخرون .

*مُعاناتنا لألم مُزمِن وحادّ أو شُعورنا بأننا في خَطر دائم .

وهذه بعض أسباب الغضب التي تحدث في مكان العمل :

*ترقية شخص وتسليمه مرتبة أعلى من مرتبتك في السُلَّم الوظيفي مع أنه أقلّ كَفاءة مِنك .

*حُصول زميلك في العمل على علاوات ومكافآت مالية أكثر ممَّا تحصل عليه مع أن إنجازه وحجم عمله أقلّ .

*حُصولك على توبيخ رسمي لا تستحِقُّه من رئيسك .

*وُجود زميل في مكتبك يُبدي تصرُّفات غير لائِقة ولا يُراعي الآداب .

كَبْت مَشاعِر الغضب :

       تَبيَّن بنتيجة الإحصاءات أن 70 بالمئة من الناس يكبتون مَشاعر الحنق والغضب . عندما يصيح بوجهك شخص ما , وخاصةً إذا كان يتمتع بِسُلطة عليك , فإنك تَرتبِك وتشعر بالخوف وتأخذ موقفاً دفاعيَّاً كَأن لا تقول شيئاً أو تنظر إلى الأرض . بعض الأشخاص غير الفَعَّالين في عملهم لا يرتاحون أو حتى يخافون من رَدَّة فِعل الآخرين حِيالَ غضبهم وبذلك يكبتونه . ويترتَّب على كَبْت مَشاعِر الغضب نتائج وخيمة . إذ من الصعب كَبح جِمَاحِه عندما ينفجر . ومع أن الغضب غير الشديد يمكن كَبحه لمدة طويلة لكنَّ طاقَته تتراكم بمرور الزمن لنقطة حَرِجة ينفجر معها بقوَّة بركانية , وغالباً بطريقة خاطئة وفي مكان غير مناسب . ويعتقد بعض علماء النفس بأنَّ تنفيس الشخص عن مَشاعِره وغَضبه صِحِّي إذا لم يُؤذِ الآخرين .. لأنه يؤدِّي إلى إزالة التوتُّر بحيث نُحافِظ على علاقات جيِّدة مع الآخرين . ويمكن أن يَظهَر الغضب المَكبوت بأشكال مختلفة كَحِدّة الطَّبع ( النَرفَزة ) , عدم القدرة على التركيز , أوجاع في الرأس , الأرق والإفراط في الأكل . وكذلك يمكن أن تظهَر أعراض لأمراض مختلفة كالتهاب المَفاصِل , الطَّفح الجلدي ( الشرى ) , حَبّ الشَّباب , داء الصَّدفيِّة , الصَّرَع أو حتى أعراض أمراض القلب . ويُثير الغضب المَكبوت رَغَبات مريضة , فهو يُسمِّم العلاقات مع الآخرين ويخلق شُعوراً بالاستياء والرغبة في الانتقام .

طُرُق المعالجة والتحكُّم بالغضب :

       متى وأين تُعبِّر عن مَشاعر غَضبك ؟.. يعتمد ذلك إلى حَدٍّ ما على الظروف المحيطة .. لكن هناك بعض الطُّرُق التي تستطيع بها التحكُّم والتعبير عن غضبك بشكل بنَّاء :

     1ــــ طَوِّر طُرُق سيطرتك على غَضَبك : خُذ وقتاً حتى تهدأ ويتبدَّد جزء من حرارة انفعالك . عُدّ لِلعَشَرَة أو حتى لِلخَمسين إذا وَجدتَ ضرورة لذلك . اِبتعِد عن المَوقِف الذي سبَّب غضبك بِصَرفْ انتباهك عنه ولو لِلَحظات .

يقول الدكتور ( كارول تافريس ) , العالِم النفساني ومُؤلِّف كتاب ( الغضب .. العاطفة غير المَفهومة ) : ” القاعدة العامة هي أن لا تتكلَّم وأنت في أَوج غضبك لأنك ستتفوَّه بكلام سيِّئ وخاطِئ . أَعطِ لنفسك الوقت الكافي لكي تهدأ فإنَّ في استطاعتك تأخير رَدّة فِعلك , وهنِّئ نفسك عندما تُحقِّق السيطرة على نفسك . عندما تتحادَث مع شخص ما بأمر ما وتُلاحِظ أنه بدأ يفقد سيطرته على نفسه اِعتذِرْ منه , وقُل له : سأُفكِّر في الأمر ، دَعنا نتَّفِق على مَوعِد آخر لِبَحث الموضوع ” .

    2 ــــ مَارِس التنفُّس العميق : تنفَّس عن طريق الحجاب الحاجِز , فهذا يُساعِدك على ضَخّ الأُكسجين النَّقي في خلايا الدَّم وأنسجة الجسم , وهذا بِدَوره يُنشِّط الدماغ ويجعلك تُفكِّر بِصَفاء أكثر , وتُحلِّل المشكلة بِرَويَّة , وتُقرِّر كيف ستتعامل معها .

  3 ــــ غادِرْ الغُرفَة بُرهَة من الوقت : توجَّهإلى أي مكان تجد فيه نفسك وحيداً . حاوِل أن تُعالِج غضبك بَدلاً من أن تُمعِن النَّظَر فيه .. فبالتفكير فيه بعقلانية يُمكنك إيجاد طُرُق عديدة للتنفيس عنه بصورة بَنَّاءة .

    4 ـــ حاوِل التنفيس عن غضبك بأعمال فيزيائية : وذلك عن طريق القيام ببعض النشاطات مِثل المَشي الحَثيث , القيام بالنُّزهات , السباحة والرياضة بأنواعها . إذا كُنتَ وحيداً حاوِل التنفيس عن غضبك عن طريق التنهُّد أو الزَّفير أو القَهقهَة أو الصُّراخْ بأعلى صوتك .. فَإصدار الأصوات يُساعِد كثيراً في إزالة التوتُّر .

    5 ـــ تَحدَّث إلى صديق : فإنَّ ذلك يُخفِّف من حِدَّة مشاعرك ويُقلِّل من مستوى اضطرابك .

       كُن لطيفاً مع الآخرين :

     عندما تجد نفسك في وَضع مُجابَهة مع شخص أثارَ سُخطك وغضبك , فلا تُقلِّل من تأثير استعمال اللُّطف معه بل عَبِّر عن مشاعرك بطريقة هادئة ومعقولة ومُتحَكَّمٌ بها . اِدعَم أقوالك بتعابير مُحدَّدة وواضحة . اِعرُض المشكلة كما تراها أنت واترُك فُرصة للآخرين لِعَرض وُجُهات نَظرهم . أصغِ لهم باهتمام , وتعاطَف مع موقفهم , وحاوِل أن تفهم سبب المشكلة . لا تتبع أسلوب اللَّوم والوَعظ والتنبيه والسخرية تجاه الآخرين . ولا تستعمل أُسلوب التهديد .. بل دَع الآخرين يشعرون بأنك تُشاركهم المسؤولية في حَلّ الصِّعاب .

يقول الدكتور( توم واتسون ) : ” إنَّ الحِوار البَنَّاء يُقوِّي ويُرسِّخ العلاقات ويُوسِّع المَدارِك . أخيراً , اِقضِ على المُجابَهة وادفُن النِّزاع والحزن , وأَخبِر الشخص الآخر بماذا تُريد في المستقبل ” .

*************************************************          

المراجع المعتمدة :

1 ـــ علم النفس الاجتماعي ـــ د. حامد زهران ـــ عالم الكتب ـــ القاهرة ( 1977).

2 ــــ علم النفس الاجتماعي ـــ د. محمود السيد أبو النيل ـــ دار النهضة العربية ـــ بيروت ( 1985 ).

3 ــــ علم النفس في حياتنا اليومية ــــ سمير شيخاني ـــ دار الآفاق الجديدة ـــ بيروت ( 1980 ).

4 ــــ  * Hydrocarbon   Processing   Management   guide – July  (2019)

*************************************************    

اخترنا لكم

عن الكاتب

محمد ياسر منصور