الكتاب: دولة اليعاربة.. دراسة في الأوضاع الداخلية والعلاقات الخارجية (1059-1123ه/ 1649-1711م)
المؤلف: د. خليل بن عبد الله العجمي
الناشر: دار الفرقد – دمشق
عدد الصفحات: 253
سنة النشر: 2023م
يسلط كتاب دولة اليعاربة: دراسة في الأوضاع الداخلية والعلاقات الخارجية (1059-1123هـ/ 1649-1711م)، لمؤلفه الدكتور/ خليل بن عبد الله العجمي الصادر عن دار الفرقد بدمشق عام 2023م الضوء على فترة مهمة في تاريخ عُمان الحديث خلال النصف الثاني من القرن 17 الميلادي. تتناول فيها تحرير عُمان من السيطرة البرتغالية، والأعمال التي قام بها الإمام سلطان بن سيف الأول وأبنائه في تنظيم الدولة العُمانية ومواصلتهم قتال البرتغاليين، والدور الذي لعبته البحرية العُمانية لأجل تحقيق هذا الهدف.
حدد المؤلف الإطار الزماني للدراسة ابتداءً من عام 1649ميلادي وهو العام الذي تولى فيه سلطان بن سيف الأول الحكم في البلاد. في حين تنتهي الدراسة عام 1711م وهو العام الذي توفي فيه الإمام سيف بن سلطان الأول الملقب بقيد الأرض وخلفه ابنه سلطان.
ضريح الإمام سيف بن سلطان اليعربي الملقب بقيد الأرض
قسم المؤلف الكتاب إلى ثلاثة فصول يسبقها مقدمة وتمهيد، في التمهيد تطرق إلى قيام دوله اليعاربة، وجهود أول حكامها الإمام ناصر بن مرشد اليعربي في توحيد البلاد والسعي نحو تحريرها من قبضة البرتغاليين.
الفصل الأول: الأوضاع الداخلية في عُمان في زمن اليعاربة
أما الفصل الأول فقد تناول الأوضاع الداخلية في عُمان بعد توحيد البلاد وما صاحبها من نجاح العُمانيين في طرد البرتغاليين، وآثر ذلك على عُمان خصوصاً ومنطقة الخليج العربي عموماً.
كما تطرق هذا الفصل إلى الحالة الاقتصادية في عُمان أنذاك، كما وصفتها التقارير الأوروبية، ومن أهمها التقارير التي جمعها روبن بيدويل والتي حملت عنوان: عُمان في صفحة التاريخ، وكذلك التقرير الذي أعده باد بروج المبعوث الهولندي الذي زار عُمان عام 1672م، وأيضاً يوميات انجلبرت كامبفر التي جمعها جي وايزجربر وحملت عنوان: مسقط في عام 1688م تقارير ورسومات، والتي كتبها كامبفر عندما نزل في مسقط ليوم واحد قادماً من فارس في طريقه من الهند.
وقد تحدثت كل تلك التقارير بشكل مفصل عن وضع التجارة الخارجية لعُمان حيث حرصت الشركات الأجنبية على التعامل المباشر مع عُمان باستيراد بعض البضائع منها وحملها إلى الهند والبصرة، حينما كانت السفن العُمانية تحرص على المتاجرة في تلك الأماكن بمختلف السلع التجارية كالملابس والنيلة والفلفل والزنجبيل والقرفة والكركم.
ووصفت بعض تلك التقارير العمران في مسقط، حيث ذكرت طبيعة المنازل الموجودة فيها والتي اتخذت طابعاً بسيطاً في البناء على هيئة أكواخ يغطيها سعف النخيل وبعضها مبني من الحجر.
كما وصفت – التقارير- شوارع مسقط وأسواقها والبضائع المتوفرة في تلك الأسواق كالأقمشة والتوابل والصمغ والقهوة والتمر والليمون والعنب، ووصفت أيضاً السكان في عُمان وتحديداً في مسقط، حيث ذكرت أنهم ذو بشرة بنية، وجوههم طويلة، ولباسهم عبارة عن جلباب فضفاض طويل مصنوع من التيل وحزام حول الوسط، وللجلباب أكمام طويلة، وأحذيتهم عبارة عن نعال من الجلد مثبتة بحذق على أقدامهم بواسطة أشرطة من الجلد. وتلتف حول رؤوسهم عمامات من قماش طويل أبيض اللون تتدلى أطرافه من الرأس، وسيوفهم طويلة للغاية يحملونها أما على ظهورهم أو على أكتافهم.

الفصل الثاني: النظم الإدارية والمالية في الدولة
وناقش الفصل الثاني النظم الإدارية والمالية لدولة اليعاربة، ففي الجانب الإداري تناول المؤلف كيفية اختيار الأئمة والشروط الواجب توافرها فيهم وأعمالهم واختيارهم لولاة الأقاليم والقادة وعهودهم لهم، وبعد ذلك تحدث المؤلف عن الأنظمة المالية للدولة من حيث موارد جمعها وصرفها كالزكاة والضرائب والأوقاف، كما تطرق هذا الفصل إلى الاستحكامات الحربية للدولة لكونها ساهمت في الحفاظ على مقدرات الدولة العُمانية، حيث أوضح المؤلف البدايه الحقيقية لتأسيس البحرية العُمانية ودورها في التوسع العُماني في المحيط الهندي، كما استعرض دور الجيش في إرساء دعائم الأمور واستتباب الأمن الداخلي من خلال اتخاذه الحصون كاستحكامات حربية تعزز دوره المنوط به.
الفصل الثالث: مرحلة الصراع العماني البرتغالي
أما الفصل الثالث والأخير من الكتاب فقد خصصه المؤلف لتتبع مرحلة الصراع العُماني البرتغالي في الخليج والمحيط الهندي وشرق إفريقيا، حيث تناول الأسباب والنتائج التي تلت ذلك الصراع وما آلت إليه الأمور في ذلك الوقت، إضافة إلى أنه تناول في هذا الفصل العلاقات العُمانية مع كل من القوى الإقليمية في المنطقة كفارس واليمن، والعلاقات العُمانية مع القوى الأوروبية (الهولندية، البريطانية، الفرنسية) والتي كانت تتأرجح بين الصراع تارة والتعاون تارة أخرى، والوقوف على الدوافع التي أوجدت مثل تلك العلاقات.
وقد بين المؤلف في هذا الكتاب عدداً من أبرز ملامح هذه المرحلة التاريخية التي شهدتها عُمان، فقد عانت عُمان قبل قيام دوله اليعاربة تعاني تدهوراً سياسياً واقتصادياً نتيجة الاحتلال البرتغالي للبلاد، والذي قارب مدة قرن ونصف، مما أدى إلى توحيد العُمانيين تحت راية الإمام ناصر بن مرشد، ثم تمكنهم من طرد البرتغاليين من عُمان.
كما بين المؤلف إلى أن استقرار البلاد الداخلي كان كفيلاً بازدهارها في جميع جوانب الحياة، وكشف ما قام به الأئمة من جهود في تنظيم البلاد من النواحي الإدارية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، وبين كذلك الدور الذي قامت به البحرية العُمانية في تأمين الحماية للشواطئ العُمانية من الاعتداءات البرتغالية بعد طردهم من مسقط، واستمرار هذه البحرية في تقديم المساعدة للدولة الإسلامية ملبية نداء الواجب في تخليصهم من السيطرة البرتغالية.
وبرهن المؤلف من خلال دراسته هذه على دور اليعاربة الرئيس في انهيار الإمبراطورية البرتغالية في الشرق؛ نتيجة امتلاكهم لأسطول بحري وتجاري خاضوا من خلاله حروب استنزاف ضد الوجود البرتغالي في المنطقة.
وأشار المؤلف إلى أن مراحل ازدهار الدولة اليعربية استمر ما يقارب 70 عاماً، ثم تلت تلك الفترة مرحلة ركود اقتصادي وسياسي، تسببت في حدوث نزاعات بين أبناء البيت اليعربي، فضعفت الدولة نتيجة لهذه الحروب الأهلية، مما جعلها لقمة سائغة أمام الأطماع الخارجية فأدى ذلك إلى سقوط الدولة اليعربية فيما بعد.
مما سبق يتضح لنا الدور المهم الذي لعبته دولة اليعاربة في تاريخ عُمان الحديث على نحو خاص، وتاريخ الخليج العربي بشكل عام، وقد قدم لنا مؤلف هذا الكتاب بعضاً من المظاهر الحضارية للدولة اليعربية خلال الفترة ( 1649-1711م).
ورغم وجود عدة دراسات سابقة تناولت تاريخ اليعاربة، إلا أن هناك بالطبع حاجة لمزيد من الدراسات المتعمقة المستندة على المخطوطات والوثائق غير المنشورة، بما يكشف لنا حقائق جديدة لم تكن حتى وقت قريب معروفة للباحثين والدارسين. ولا شك في أن هذه الإضافات العلمية ستكون رافداً علمياً رصيناً للمكتبة العُمانية.



