المقاومة الفلسطينية ومصر الناصرية: علاقة ناصعة ولكن (1)

كتب بواسطة حسين عبد الغني

جعل طوفان الأقصى الموضوع الفلسطيني مركز النقاش الجيوسياسي ومحل الدراسات والتحليلات السياسية والعسكرية والاقتصادية والقانونية لزمن طويل قادم وبالتالي جعله غير قابل للتجاهل مع أي حدث تاريخي يمر مثل ذكري ثورة ٢٣ يوليو الثالث والسبعون أو مع أي استدعاء لشخصية مركزية في تاريخ القضية الفلسطينية مثل جمال عبد الناصر.

وفي الحقيقة فإنه لم يستدع في ال ٢٢ شهرا من شهور طوفان الأقصى قائد عربي كما استدعي زعيم هذه الثورة جمال عبد الناصر. فعبر كل منصات التواصل الاجتماعي وما أتاحته من طاقة غير محدودة لإعادة نشر مقتطفات مصورة Reels من خطبه، حظيت مقولات ناصر” عن القضية والمقاومة الفلسطينية بعشرات الملايين من المتابعات والتعليقات. استدعت الشعوب أولا مواقفه على طريقة “في الليلة الظلماء يفتقد البدر ” إذ قارنت الشعوب العربية الناس مواقفه كحاكم لبلده لم يكن يتوانى أو يتردد لحظة عن المساندة الفورية للفلسطينيين ووضعه كل امكانيات مصر تحت تصرفهم، أو كقائد للعرب يوجه النظام الإقليمي العربي بضغط الشعوب العربية -سلاحه الفعال العابر للحدود – فينتزع بها ما يستطيع من دعم للفلسطينيين من الحكومات العربية. قارنت الشعوب ذلك بحال غزة على مدى نحو ٧٠٠ يوم تباد فيها إبادة جماعية وتقتل جوعا مع مواقف اللا نظام العربي الراهن وعجزه التام حتى عن إدخال رغيف خبز إلى ٢ مليون فلسطيني فرض عليهم الحصار الأمريكي – الإسرائيلي القاتل من البر والبحر والجو.

واستدعي ثانيا على طريقة أن هذا الرجل قرأ المستقبل جيدا وأن ما قاله عن طبيعة الأهداف الإسرائيلية وطبيعة الانحياز الأمريكي المطلق لدولة الاحتلال الاستيطاني الاحتلالي العنصري ومخاطر القبول بنزع سلاح المقاومة يتحقق الآن والولايات المتحدة وإسرائيل تضغطان بمعاونة عربية وأوروبية لتجريد حماس والمقاومة من سلاحها والتخلي عن خيار المقاومة

لكن أكثر ما استدعى من مشروع ناصر الفلسطيني إذا صح التعبير هو علاقته بالقوة الوحيدة الباقية في الأمة التي تدل على أنه مازال فيها عرق من حياة ومن كرامة ينبض.. أي بالمقاومة الفلسطينية التي أذلت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣وقلبت المنطقة والعالم رأسا على عقب يقول البعض أنه استقلاب قد يمتد أثره إيجابا وسلبا لمائة سنة قادمة.

 ولهذا يركز هذا المقال المستطرد على علاقة مشروع ٢٣ يوليو وجمال عبد الناصر بالمقاومة الفلسطينية وتتناول علاقته الأكبر بالقضية الفلسطينية من هذه الزاوية وأي تطرق للقضية الأكبر سيكون لإيضاح هذه الزاوية فحسب.

علاقة ناصعة ولكن:

يمكن القول إن العلاقة بين عبد الناصر والمقاومة الفلسطينية هي واحدة من أنصع وأشرف الصفحات في التاريخ الحديث للسياسة العربية التي غلبت عليه عدم الاستقامة والمراوغة وسياسة الوجهين.

إذ تبدي فيها ربما كما لم يتبد في علاقة عربية مدى إيمان وإخلاص قائد لقضية عادلة ومدى إيمان بلد ” مصر ” بدورها القيادي في أمتها واستعدادها لتحمل مسؤولية وتضحيات هذا الدور خاصة في الدفاع عن فلسطين وتمكين شعبه من المقاومة لاسترداد حقوقه المشروعة كما تبدت فيها تضحيات جبارة لشعوب آمنت بالقضية وصدقت هذا القائد. لقد كانت هذه العلاقة من ناحية عبد الناصر علاقة دعم مطلق وغير مشروط للمقاومة الفلسطينية ومن ناحية المقاومة في معظم الأحوال علاقة إيمان بأن جمال عبد الناصر هو قائد حركة التحرر العربية الذي يمكن الوثوق به والاعتماد عليه والانضواء في مسيرته وتحت قيادته.

رغم ذلك لا يخلو تحليل هذه العلاقة على نصاعتها من ملاحظة أنها عانت في التأريخ لها وحتى في بعض مراحلها أثناء حياة ناصر نفسه من تعقيدات عدة يمكن اختصارها بسبب حجم المقال إلي:

-مبالغة بعض الأدبيات الفلسطينية (Palestinian Political Literature) في التقليل من شأن الدور المصري والعربي وبالتحديد دور مصر عبد الناصر في دعم القضية ودعم المقاومة.

-مبالغة موازية لبعض الأدبيات المصرية والأدبيات   القومية العربية وصلت لنسبة وجود المقاومة الفلسطينية المسلحة إلى ثورة يوليو وجمال عبد الناصر.

-عانت أيضا من التركيز على الجوانب المباشرة وعناصر القوة الخشنة في الدعم الناصري للمقاومة وغابت عنها الإشارة إلى الجوانب غير المباشرة وعناصر القوة الناعمة  . وهذه النقطة سنفرد لها شرحا ولكن موجزا.

 المقاومة الفلسطينية بدأت منذ ١٢٥ عاما:

لتفنيد هذا الالتباس وتبيان الحقيقة في مسألة ابتداء المقاومة يجب القول إن مقاومة الشعب الفلسطيني العظيم لمشروع القدوم والاستيطان اليهودي لبلادهم لم تبدأ مع يوليو وجمال عبد الناصر لكنها بدأت قبل ذلك بكثير أي منذ مطلع القرن العشرين مع تزايد الهجرات اليهودية وبدء الاستيلاء على أراضي وبيوت العرب الفلسطينيين ” بتساهل من الخلافة العثمانية ثم بتواطؤ كامل من البريطانيين بعد الانتداب على فلسطين. وسجلت الهجمات الشعبية المسلحة إرهاقا كبيرا لهذه المستعمرات أنقذهم منها تواطؤا سلطة الانتداب البريطاني التي قامت بمنح حق التسلح للمستوطنين اليهود.

كما لم يبدأ الوعي العربي بخطورة ما يحاك لفلسطين بثورة يوليو ولكنه بدأ في بلاد مثل مصر وسوريا ولبنان والعراق وشرق نهر الأردن منذ عشرينات القرن الماضي.

ويؤكد باحثون مصريون أن الاهتمام المصري بقضية فلسطين في أوساط الصحافة وجزء من النخبة المصرية بدأ في منتصف عشرينات القرن الماضي وأن هذا الاهتمام بفلسطين لعب دورا محوريا في اكتشاف المصريين لهويتهم العربية أو عروبتهم وكانت توارت لفترة طويلة. وكانت من نتائج هذا الاكتشاف للهوية العربية لمصر بزوغ ما عرف بمدرسة” المشرق” في السياسة المصرية ومن رموزها علي باشا ماهر.. وهي حقيقة بلغت ذروتها لاحقا مع يوليو وعبد الناصر إذ اجتاح وقتها مد القومية العربية والسعي للوحدة مصر وشعوب الأمة كلها من المحيط إلى الخليج.

اللافت للنظر أن اكتشافا مذهلا مماثلا للهوية حدث على الجبهة الفلسطينية. فالهجرة والاستيطان اليهودي وطرد العرب من أراضيهم وبيوتهم وبدء بناء المستعمرات الصهيونية الدخيلة كرس الهوية العربية عند مسلمي ومسيحيي فلسطين وكانت صفة العربي تسبق عادة أي مؤتمر لمقاومة الهجرة ومنع الاستيطان أو تسبق أي لجنة أو تنظيم سياسي أو شعبي للحركة الوطنية الفلسطينية

وتدرج الفلسطينيون من جمعية مكافحة الصهيونية وجمعية حراس المسجد الأقصى والمؤتمر الفلسطيني حتى وصلوا إلى اللجنة العربية العليا والحزب العربي والهيئة العربية العليا.. الخ

وحتى المفتي أمين الحسيني الذي مال لإعطاء طابع إسلامي ربما تحت تأثير أستاذه رشيد رضا وقام بإنشاء المجلس الإسلامي الأعلى وعقد المؤتمر الإسلامي في القدس عام ١٩٣١ سرعان ما عاد إلي الهوية العربية الجامعة وترأس الهيئة العربية العليا. باختصار ومنذ وقت مبكر للغاية سيطرت الهوية العروبية على الهدف النضالي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني ففي ٧ مؤتمرات فلسطينية عقدت بين ١٩١٩ و١٩٢٧ تم تحديد هذا الهدف في “تحقيق استقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية وتعبئة الشعب لمقاومة المشروع الصهيوني”

عبد الناصر وفلسطين

ما فعلته ثورة يوليو وما فعله عبد الناصر للمقاومة الفلسطينية إذن لم يكن إنشاء حركة المقاومة ولا ابتداء الوعي العربي بها ولكن تحويل كل هذه التراكمات الكمية وبوادر الوعي المحدود إلى تغيرات كيفية عبرت عن نفسها في ثلاث مسارات أو إنجازات تاريخية

  • الانجاز التاريخي الأول هو تحويل فلسطين إلى  قضية مركزية للعرب و جعلها محور وقلب نظرية الأمن القومي العربي .في هذا الإنجاز  تم تحويل كل هذه التراكمات الكمية والمؤشرات المحدودة والبدائية للوعي العربي بخطورة  المشروع الإسرائيلي إلي تغيير كيفي شامل .تم فيه رؤية  إسرائيل لا كقضية يهودية أو مشروع حرب دينية مع المسلمين ولكن في إطارها الحقيقي من أنها المشروع  الوظيفي الإسرائيلي وكيلا عن الغرب الإمبريالي والرأسمال العالمي بإمبراطورياته المتعاقبة البريطانية ثم الأمريكية ، وأن المستهدف به ليس فلسطين وحدها بل كامل الوطن العربي .

هذا المشروع الوظيفي هدفه تمزيق الهدف الحضاري والاستراتيجي الذي بدأت الأمة العربية تدرك أن لا مستقبل لها ولا أمن لها بدونه ألا وهو: ضرورة أن يقوم بينها رابطة جامعة تسمي وحدة أو اتحاد أو تجمع أو مجلس.. الخ. وبما أن هذه الوحدة لن تقوم دون اتصال مصر بسوريا وأفريقيا العربية بالشام تم زرع إسرائيل.

يقول الأستاذ هيكل ما معناه ان قيمة جمال عبد الناصر في هذا المجال هو أنه هو الذي بلور نظرية للأمن القومي العربي حسم فيه أن إسرائيل هي بؤرة الخطر الذي يمنع اتصال الأمة في الشام وفي إفريقيا في وادي النيل وفي شمال إفريقيا وإنه هذا الخطر يتوسع ويريد أن يتوسع ويمتد لأن هذه طبيعة الأمور إنه يمتد لكي يحصل على فلسطين كلها ثم يمتد آسيويا إلى حدود إيران والقوقاز والهند وإفريقيا من البحر الأحمر حتى منابع النيل.. رفع جمال عبد الناصر بهذه النظرية مستوى العلاقة العربية بفلسطين حتى ١٩٥٢ من شعارات نساعد الجيران الفلسطينيين أو نساعد الأشقاء ونمنع انفجار مشكلة اللاجئين إلى شعارات أن الدفاع عن فلسطين ودعم مقاومة شعبها للاحتلال ليس منة ولا مساعدة بل هو دفاع كل شعب عربي عن نفسه وعن ثروته وعن أمنه وحدوده وأن هذا الأمن الوطني لا ينفصل عن الأمن القومي العربي العام، وأن تصفية القضية الفلسطينية هي تصفية تدريجية للوجود العربي يهدد العرب بالخروج من التاريخ.

المسار التاريخي الثاني: هو انحياز جمال عبد الناصر لخيار المقاومة.

بتحديده نظرية الأمن العربي وإدراكه الطبيعة المتوحشة والعدوانية للمشروع الوظيفي الإسرائيلي كان علي جمال عبد الناصر وأن يحدد موقفه من التنافس التاريخي الذي عرفته الحركة الوطنية الفلسطينية منذ العهد العثماني وعهد الانتداب البريطاني بين اتجاهين هما: اتجاه يدعم المقاومة المسلحة كخيار واتجاه آخر يميل إلى الاتصالات السياسية والتسوية والحلول المرحلية.

يقرر كل الباحثين الجادين في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية أن هذه الحركة منذ بدايتها شهدت انقساما بين قيادات تميل إلى تجنب الصدام وكبح الجماهير الناقمة عفوية المقاومة التي اشتبكت مع طلائع المستوطنين.  ومالت هذه القيادات المعتدلة أو المهادنة إلى أسلوب المناشدة والاتصال السياسي سواء مع الصدر الأعظم العثماني قبل الانتداب أو مع المندوب السامي البريطاني وحكومته في لندن ويسعى جزء منها للوجاهة والمغانم والمكاسب من العثمانيين والإنجليز. يقابل هؤلاء الاتجاه الآخر وفيه أقلية من النخب الثورية وجماهير ناقمة لا تعرف حسابات الساسة وتتحرك في اتجاه للمقاومة الشعبية تظاهرا وإضرابا شاملا بلغ ذروته في الثورة الكبرى ١٩٣٦أو تتحرك عفويا في اتجاه العمل المسلح والغارات المتقطعة على المستعمرات وتنغيص حياة المستوطنين المحتلين اليومية.

هذان الاتجاهان وجدا لهما صدى في الموقف العربي إذ انحازت النظم العربية المحافظة قبل قيام يوليو للاتجاه المهادن وكانت زيارات نوري السعيد ١٩٣٦ والأمير فيصل بن عبد العزيز ١٩٣٩ وبينهما نداء الملوك والرؤساء العرب للشعب الفلسطيني بوقف الإضراب وما بذلوه وقتها لهم من وعود باتفاق مع بريطانيا كانت هي وراء وقف الإضراب الشامل العظيم لثورة ١٩٣٦ في ٢٦ أغسطس بعد أن فشل الانتداب وقواته وبعض الساسة- الفلسطينيين في إقناع الجماهير الفلسطينية فتدخل هؤلاء.

 وكان هذا الاتجاه وراء حضور هؤلاء الساسة والأمراء والمسؤولين العرب والنخبة الفلسطينية مؤتمر لندن رغم حضور ممثلي الاستيطان الصهيوني ورغم الرفض الشعبي لمشاركتهم في هذا المؤتمر.

كان مجيء جمال عبد الناصر تطورا تاريخيا حاسما صبغ مسار القضية الفلسطينية إذ اختار قائد ثورة ٢٣ يوليو دون تردد الاتجاه المقاوم وانحاز لخيار المقاومة خاصة المسلحة وتمكن بشعبيّته الجارفة وقيادته للنظام العربي آنذاك من تمكين هذا الاتجاه ومن إضعاف وتهميش اتجاه المهادنة والتوسل والمناشدة وحصد المغانم الشخصية. يمكن بسهولة تبين أن الرجل الذي أعطي -بتعبير المؤرخ الكبير د رءوف عباس -أذنا صماء لكل محاولات جره لصلح مع إسرائيل والتخلي عن المواجهة “، قد مكن تيار المقاومة المسلحة الفلسطيني من قيادة العمل الفلسطيني من أن يكون التيار السائد.  سرعان ما تراجع هذا التيار بعد وفاته وعاد تيار المهادنة والتسويات ليقود الحركة السياسية الفلسطينية الآن منذ مؤتمر الجزائر ١٩٨٨ مرورا بأوسلو حتى استقر وأصبح سلطة تنسيق أمني في المقاطعة برام الله حتى يومنا هذا.

وعلى عكس ما يزعم البعض من أن اهتمام عبد الناصر بدعم خيار المقاومة الفلسطينية بدأ كرد فعل للغارة الإسرائيلية على غزة ١٩٥٥ فإن الوثائق تثبت أن ثورة يوليو وبعد ٥ شهور فقط من قيامها أي في ديسمبر ١٩٥٢، قامت بإنشاء أول قوة شرطة فلسطينية شبه عسكرية بما فيها شرطة الحدود الفلسطينية. لكن تعزيز العمل الفدائي بشكل منظم كان على يد الضابط مصطفى حافظ، مسؤول المخابرات الحربية المصرية في قطاع غزة، الذي أسس الكتيبة 141 فدائيين. وكان الهدف من هذه الكتيبة مواجهة الوحدة العسكرية الصهيونية 101 التي شكلها شارون لتنفيذ الاعتداءات المسلحة على القرى الفلسطينية وفي قطاع غزة.

 وقد تطورت عملية تنظيم وتدريب وتسليح مصر الكتائب الفدائية الفلسطينية وعندما زار ناصر غزة أشار إلى تزايد عدد الكتائب الفلسطينية ووجود “جيش فلسطيني” كبير، معتبرًا أنهم يشكلون “قاعدة جيش فلسطين” ومسؤوليتهم عميقة في معناها ودلالتها”

إن إنشاء ودعم هذه المجموعات، يؤكد أن عبد الناصر لم يكن مجرد رد فعل لغارة ٥٥ التي كانت سببا في عقد صفقة الأسلحة التشيكية التي وصفها دبلوماسيون من الاتحاد السوفييتي السابق أنها كانت ضربة البداية لناصر في طرد الإمبريالية من معظم الشرق الأوسط بل كان يبني بشكل استباقي ذراعًا عسكريًا للقضية الفلسطينية. ضمن استراتيجية تبني المقاومة المسلحة عربيا ولتمكين الفلسطينيين دفاعيًا وهجوميًا.

ويتفق محللون على أن هذا الدور في دعم المقاومة المسلحة ممتد معنويا حتى الآن ويفسر جزء بسيط من ظاهرة لماذا غزة كانت باستمرار. كابوس إسرائيل الدائم الذي تمنى قادتها العنصريون من رابين إلى شارون أن يصحو يوما ويجدوها وقد غرقت في البحر.  ويفسر لماذا كانت هي المرشحة لقيادة عمل عسكري واستراتيجي جبار كطوفان الأقصى وليس غيرها من مناطق فلسطين. الدور المصري المبكر في دعم أن يقود الفلسطينيون خيار المقاومة غير النظامية لإنهاك  المشروع الصهيوني وهو الأسلوب الذي لا تعتبر الجيوش النظامية بطبيعتها مؤهلة له،  عمل  إذن في اتجاهين الأول هو تحويل غزة لحاضنة شعبية وقاعدة انطلاق مجهزة للعمل الفدائي المنظم الثاني هو أن هذا الحضور اليومي للفدائيين المدعومين من مصر وسط السكان في غزة عمق ثقافة الكفاح المسلح التي نشأت  أصلا في القطاع على يد أبنائه وطورها انحياز يوليو وناصر لها. هذه الثقافة أثرت إيجابا على كل  الحركات والفصائل  الفلسطينية اللاحقة التي بدأت منذ أواخر الخمسينات وأوائل الستينات على التشكل وتحمل عبء المقاومة المسلحة من أول فتح ثم الشعبية. .. الخ وصولا للجهاد الإسلامي وحركة حماس في ثمانينات القرن الماضي.

هذه الثقافة التي تمكنت من غزة لخصها محمود درويش في قصائده فقال:

لحم غزة يتطاير شظايا قذائف، لا هو سحر ولا هو أعجوبة، انه سلاح غزة في الدفاع عن بقائها وفي استنزاف العدو، غزة جزيرة كلما انفجرت -وهي لا تكف عن الانفجار- خدشت وجه العدو، وكسرت وجه العدو، وكسرت وجه أحلامه، وصدته عن الرضا بالزمن.

وغَزَّة التي يصفها العدوُّ دائماً بالكابوس في تاريخه الأسود، هي طيف الأمل الأبيض للعرب.. هي النقطة النُّورانيَّة التي تتَّسع وتتَّسع في دائرة متوهِّجة، تُشعل قلوب العرب المحتلِّين وآمالهم.

ليست غَزَّة كفَّارة ذنوب، كما يقول البعض، ولكنها نموذج عمل، وإعلان إرادة..

يأتي يوم.. يأتي يوم لا تكون فيه غَزَّة اسماً نادراً بين الأسماء.

كلُّ المُدُن المحتلَّة تتحوَّل فيها الحجارة إلى أحلام، والأحلام إلى حجارة.

شكراً، يا غَزَّة.. شكراً، يا غَزَّة.

سياسة

عن الكاتب

حسين عبد الغني