المقاومة الفلسطينية ومصر الناصرية: علاقة ناصعةولكن (2)

كتب بواسطة حسين عبد الغني

الجزء الأول

قادة الكفاح المسلح من الصفوف الخلفية إلى المقدمة

عندما نشأت حركة فتح وباقي منظمات المقاومة المسلحة كان عبد الناصر بزعامته العربية التي لا ينازعها أحد قادر على نقل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بأكملها لـ ياسر عرفات ورفاقه على حساب السياسيين التقليديين دون أن تمنعه معارضة وتحفظات بعض الدول العربية. ذهبت إلى الهامش أسماء فلسطينية لامعة مثل أمين الحسيني والشقيري لتحل محلها في صدارة المشهد الفلسطيني شباب بكلاشينكوف وبزات مقاتلين وليس ربطات عنق من عرفات وأبو جهاد إلى جورج حبش وأبو علي مصطفى. وعلى عكس الشائع من أن فتح هي التي حصلت على التدريب والتسليح- والتنظيم والخبرة القتالية المصرية تثبت الوثائق أن كل الجبهات الفلسطينية كل بقدر طاقته حصل على هذا الدعم بما في ذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي نشأت  بينها – لفترة قصيرة بعد ٦٧-  خلافات أيديولوجية مع عبد الناصر فقد ثبت أن مقاتليها تلقوا تدريباتهم العسكرية في مدينة انشاص المصرية وهي تدريبات أثنى عليها الحكيم جورج حبش واعتبر أنها كانت مفيدة جدا .

وضع عبد الناصر كل إمكانات مصر العسكرية تحت إمرة المقاومة ومدتها مصانع السلاح المصرية بما في وسعها ولكن الأهم كان شهر يوليو ١٩٦٨ الذي قدم فيه ناصر عرفات للقادة السوفييت وكانت بداية لعلاقات دولية للمنظمة وضع فيها عبد الناصر كل استثمار وقدر مصر وقتها في العالم وحركة عدم الانحياز ومع كل حركات التحرر الوطني في القارات الثلاثة ومع الصين والاتحاد السوفييتي وكوبا وألمانيا الشرقية ودول حلف وارسو آنذاك ما رفع المنظمة في فترة من الفترات وحتى عام خروجها من لبنان ١٩٨٢ لتكون أهم لاعب دولي من غير الحكومات أو أهم حركة تحرر وطني في العالم . 

وصل وزن المنظمة بعد فتح مصر آفاق العالم لها إلى مكانة دولية لم تحظ بها حركة تحرر أخرى في العالم كانت تستطيع فيها أن تكون طرفا في دعم حركات التحرر الوطني الأخرى بالسلاح والخبرات فيتصدى مانديلا رئيسا لبلاده بعد التحرر من نظام الأبارتهايد و في عز تدليل ونفاق الغرب له ومحاولات جره إلى إدانة المقاومة الفلسطينية مدافعا عن عرفات والمقاومة الفلسطينية معترفا بأن المنظمة كانت من أهم داعمي المؤتمر الوطني الأفريقي في مواجهة النظام العنصري في بريتوريا في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل والدول الغربية تدعم هذا النظام، وتعترف وثيقة لمنظمة التحرير أن مكانة مصر الدولية التي جرها عبد الناصر للمقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير وقتها جعلتها تقريبا “حركة التحرر الوطني الوحيدة التي تقبل دولا توقيع اتفاقيات رسمية معها. ووقعت المنظمة اتفاقيات اقتصادية وخاصة مع الدول الاشتراكية سابقا -والمعروف دولياً أن اتفاقيات التعاون لا توقَّع إلا بين الدول- ولذا، كانت المنظمة هي أول حركة تحرير وطني في التاريخ، توقّعها. فقد أبرمت مثلاً، اتفاقية اقتصادية مع ألمانيا الشرقية ” آنذاك” وفي أثناء التوقيع، قال وزير التجارة الألماني: “إننا نعرف مع من نوقِّع هذه الاتفاقية ولماذا؟ نحن نوقِّع اتفاقية مع منظمة التحرير؛ وهي حركة تحرير وطني ولكننا نوقِّعها، لكي ننقل اعترافنا بكم، من الاعتراف السياسي إلى الاعتراف بحق تقرير المصير على الأرض الفلسطينية نفسها”.

الدعم الناصري غير المباشر للمقاومة لعب أثرا هائلا ممتدا لم يتم الالتفات إليه بشكل كاف

بينما اهتمّ معظم الباحثين في علاقة عبد الناصر ومصر حتى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠ بالجوانب المادية والمباشرة العسكرية والمالية والسياسية المحلية والعربية والدولية للمقاومة الفلسطينية مثل التنظيم والتدريب العسكري والتسليح وجلب الاعتراف من القوى الكبرى المعادية للإمبريالية راعية المشروع الوظيفي الصهيوني فإن التفاتا قليلا تم إلى جوانب الدعم غير المباشرة- التي ترتبط بالقوة الناعمة الهائلة لمصر وقتها وتأثيرها الكبير في الإقليم والعالم. ولكن تكشف دراسات وكتابات متزايدة عن هذا الجانب وتبدأ في إيفائه حقه. فيعترف الدكتور أحمد يوسف أحد قيادات حماس الحركية والأكاديمية  بما يمكن وصفه بأثر الدور الناصري غير المباشر في تكريس فكرة المقاومة فلسطينيا عن طريق  بناء وتثوير الوعي  الفلسطيني أولا عبر فتح أبواب التعليم -الذي كان آنذاك يشهد  نهضة غير مسبوقة  في مصر-  على مصراعيه مجانا، وثانيا تأثرا بالخطاب الثوري الناصري الذي جعل فلسطين قضيته المركزية ومن دعم خيار المقاومة خاصة المسلحة استراتيجية رئيسية من استراتيجيات الصراع الممتد والطويل مع إسرائيل. إن الجامعات المصرية التي فتحت أبوابها في الستينيات أمام الفلسطينيين في قطاع غزة كان لها دورٌ كبيرٌ في تشكيل العقل الفلسطيني وبناء مقومات شخصيته، حيث شكَّل هذا الانفتاح على الثقافة المصرية الثورية. غابت حالة الأميِّة من المجتمع الفلسطيني. ومع استمرار العملية التعليمية للمرحلة الثانوية ودخول الآلاف من الطلاب للمعاهد التربوية والجامعات، تأصلت حالة الوعي وارتقت مفاهيم الثورة والنضال لضرورة مقاومة الاحتلال وذلك منذ أواخر الخمسينيات، كما تعززت الأفكار المناوئة للحركة الصهيونية والإمبريالية الغربية، وتنامي الارتباط بالعمق العربي “وبلاد العرب أوطاني”، وتحركت المشاعر والأحاسيس القومية مع الخطاب الناصري لبناء “أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج” في فترة الستينيات. تشير الوثائق الفلسطينية إلى أن نقل الخبرات للمقاومة من مصر عبد الناصر لم يقتصر على جناحها المسلح بل إن معظم كوادرها الإدارية وكوادر أمن المقاومة ومنع اختراق الموساد لصفوفها وكوادر الإعلام المرتبطة بالإعلام الفلسطيني المقاوم وقتها تلقوا تدريبهم في مصر.

ومن التأثيرات غير المباشرة بالغة الأهمية أنه يمكن القول إن القيادات الفلسطينية كلها مرت من هنا أي مرت من مصر الناصرية. فقادة فتح الثلاثة الكبار أبو عمار وأبو إياد وأبو جهاد تلقوا تعليمهم وتدريبهم في مصر بل أن قدرات عرفات القيادية اكتشفها في نفسه وطورها في اتحادات الطلاب الفلسطينيين التي سمح لها بحق التنظيم والانتخاب والحركة في مصر. وتلقى القائدان التاريخيان لحركة الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي ورمضان شلح تعليمهم وبدؤوا حركتهم السياسية كناصريين ثم اتجهوا إلى مرجعية إسلامية وإن احتفظت بنفس قومي وعروبي كما رفضت مذهبية بعض أجنحة الإخوان المسلمين وموقفهم السلبي من إيران الإسلامية والشيعة .أما قادة حماس فالأغلبية العظمى منهم من غزة وبالتالي الأغلبية العظمى منهم استفادوا من التعليم بل من التوظيف المصري لهم على نفس درجة المساواة مع المصريين وهناك شهادة بارزة وناصعة في هذا المجال للدكتور محمود الزهار القيادي الكبير السابق في حركة حماس . ولم يقتصر الأمر على القيادة العسكرية والسياسية والإدارية ولكن القيادة الثقافية للقوة الناعمة الفلسطينية فاحتضنت مصر محمود درويش وأدباء فلسطين وتم الاحتفاء بشعر وكتاب الأرض المحتلة وقدمهم نقاد مصريون كبار من وزن رجاء النقاش وغيره.

المسار التاريخي الثالث لثورة يوليو والمقاومة هو منع نزع سلاحها والحيلولة دون تصفيتها:

أنقذت مصر في عهد ٢٣ يوليو {١٩٥٢- ١٩٧٠} المقاومة من التصفية ومن السعي لنزع سلاحها مرتين الأولى في لبنان باتفاق ١٩٦٩ وفي الأردن عام ١٩٧٠ من مذابح أيلول الأسود وكانت مفاوضات الأخيرة وعملية إنقاذ عرفات شخصيا وإخراجه من حصار عمّان كانت من الإرهاق أنها أنهكت قلبه المريض فكانت آخر لحظة من حياته في ٢٨ سبتمبر من أجل فلسطين أجل المقاومة وهم الذين لا يجدان من ينقذهما الآن من المجاعة أو مخطط نزع السلاح.

  وأخيرا ماذا بقي من عبد الناصر في فلسطين ومقاومتها:

-هنا تتكرر الصفة التاريخية في مشروع عبد الناصر فكما أن مشروع يوليو المصري في الاستقلال السياسي والتنمية المستقلة كان في جوهره التلخيص النظري والفكري العميق والمكثف من قبل عبد الناصر لهذه الأشواق والمطالب الوطنية الممتدة من الثورة العربية١٨٨١، كذلك فإن بلورته للمشروع القومي العربي ومشروع الوحدة ومشروع الأمن القومي العربي وفي قلبه أو في محوره تحرير فلسطين جاء تلخيصا لوعي الشعوب العربية بهويتها العربية في المرحلة الواقعة بين الحربين العالميتين وما بعدها.

  • المقاومة هي الحل وليس الاستسلام كما تحاول الضغوط العربية والأمريكية دفع المقاومة إليه في المفاوضات الجارية
  • الصراع جولات وليس بالضربة القاضية وطوفان الأقصى كان نصرا في معركة وكسر محور المقاومة كان هزيمة في معركة لكن الحرب لاسترداد الحقوق الفلسطينية والصراع مع إسرائيل ممتد ومستمر،
  •  القضية الفلسطينية هي معيار شرعية أي نظام عربي ولا سبيل لأي دولة للحصول على دور قيادي حقيقي دون التصدي للحقوق الفلسطينية وتقديم تضحيات إذا لزم الأمر.
  • قدم جمال عبد الناصر في علاقته بالمقاومة منهج عمل عاصم من الزلل وبوصلة سليمة في فهم المتغيرات المعقدة والتحولات الكبرى مثل طوفان الأقصى وتغيير نظام الحكم في سورية وهذا يفسر لماذا كان التيار القومي وتيار اليسار العربي عامة هو التيار الذي كان موقفه الحاسم من اللحظة الأولى لطوفان الأقصى هو التأييد التام للمقاومة وهجوم ٧ أكتوبر المظفر ورفض كل الشراك التي نصبت من الرجعية والمذهبية المتعصبة بعدم الوقوف مع المقاومة تارة بحجة إخوانية أو بحجة أنها ذراع لإيران الشيعية الصفوية. في حين انقسمت التيارات الأخرى مثل التيار الليبرالي الذي مالت معظم رموزه الإعلامية المرتبطة بواشنطن للسردية الإسرائيلية وانحازوا لحرب الإبادة والتجويع الإسرائيلي يزعم أن حماس لم تستشر أحدا في قرار ٧ أكتوبر أما التيار الإسلامي فنجد أن فصيلا رئيسا في التيار السلفي عادى المقاومة واعتبر الأبطال السنوار والضيف ومروان عيسى مغامرين وحمقى.” التيار الإخواني انقسم عدة مرات في الشهور ال٢٢للطوفان فأيد طوفان الأقصى المدعوم بسلاح إيران ولكنه عاد وشمت في إيران وحزب الله عندما استشهد بطل من أبطال الأمة هو السيد حسن نصر الله وشمت في قوات الرضوان التي أنشئت لنفس هدف حماس في ٧ أكتوبر وهو اختراق الحدود الإسرائيلية الأولى من غزة في جبهة الجنوب والثانية من لبنان في جبهة الشمال بحجة أنهم تورطوا في الحرب الأهلية مع السنة السوريين
  • لعب التيار القومي وتيار اليسار المصري والعربي دورا كبيرا في تأكيد صحة الموقف الشعبي للجماهير العربية في الإدانة التامة للنظام العربي لعجز بعضه وتواطؤ البعض الآخر وكانت مسطرة عبد الناصر المنحازة دائما للمقاومة طرفا في بناء هذا الوعي العظيم لدى الجماهير العربية التي فقدت بعض حكوماتها أي مصداقية سياسية خاصة بعد منع العواصم العربية هذا الوعي الكاسح من التعبير عن نفسه تظاهرا من أجل غزة أو كسرا لحصارها. قدمت التيارات القومية والشعبية المؤيدة للمقاومة في طوفان الأقصى تضحيات حقيقية في احتجاز مئات من شبابها في كثير من البلاد العربية عندما قاموا بالتظاهر من أجل غزة يلخص حوار بين الأستاذ محمد حسنين هيكل والقيادي الفلسطيني الكبير أبو إياد رحمها الله كيف فقدت المقاومة الفلسطينية بغياب عبد الناصر ودخول خلفه أنور السادات في معاهدة صلح مع إسرائيل دعم أكبر دولة عربية.

يقول الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل رحمه الله في إحدى حواراته الطويلة، تحت عنوان “تجربة حياة” على قناة الجزيرة القطرية: ذات يوم التقيت بـ القائد الفلسطيني الشهيد صلاح خلف أبو إياد رحمه الله، ودار بيننا حديث طويل عن قضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وفجأة توقف أبو إياد ليقول لي (كل مصيبة مع مرور الزمن تنسى وتتلاشى؛ إلا مصيبتنا في فقدان جمال عبد الناصر، فهي كل يوم تزداد مأساة ويزداد حضورا). أو كما قال نزار قباني: تضيقُ قبورُ الميتين بمن بها.. وفي كل يومٍ أنت في القبر تكبرُ.

سياسة

عن الكاتب

حسين عبد الغني