ليس الحد ما يتوقف عنده شيء ما.
الحد ّ ، كما أدركه الإغريق ، ما يبدأ
منه شيء ما حضوره.
تتشابك المدخلات المعرفية البشرية ، من حيث المصادر ، والأهداف ، الأمر الذي يؤدي إلى وجود عوامل حجب ٍ كثيرة من جهة و عوامل تداخل من جهة ٍ أخرى ، بين الذات و الموضوع.
يؤدي هذا التداخل ، إلى إنعدام أو تلاشي الحدود الفاصلة ، بين الواقعي ، والخيالي ، ذلك ان الحد هو العتبة ، وليس الفاصل ، هو الجسر الرابط بين شيئين ، او وجودين ، او ثقافتين ، وليس العازل بينهما.
تنقسم هذه الورقة لتناول هذه النقطة على مستويين :
1) مستوى الواقع المعُاش.
2) المستوى العلمي المنبثق.
أولا ً :
المستوى الواقعي المعُاش ، لا يأتي إلا بوسائط ثقافية متنوعة ، متعددة المستويات ، ومتباينة الأهداف ، منها ما هو شعوري ، مقصود ، ومنها ما هو لا شعوري ، يتغلغل في ثنايا المفاهيم ، والمصطلحات الثقافية المتداولة.
غير أن أهم هذه الآليات هي : آلية التمثيل Representation ، فهي تقوم على فكرة “الإستغناء عن الشيء بصورته ، أو نيابة الصورة الممثلة عن الشيء موضوع التمثيل “([2]) ، فعن طريق هذه الآلية المعقدة ، يتم الحديث عن الشيء / الموضوع ، بواسطة الكثير من المدونات المعتمدة في ثقافة الذات ، والتي يتم إعتمادها بمثابة العمود الفقري للتصورات والآراء الجماعية التي يتم إستبطانها ، وتوارثها جيلا ً بعد جيل.
لا يقتصر التمثيل بهذا المعنى على الحضارات المتفوقة ، أو الشخصيات الغالبه ، بل يشمل ذلك جميع الحضارات او الشخصيات مهما تباينت مكانتها ، وإختلفت مستوياتها ، ف التمثيل لا يعمل كأداة من أدوات القوة والهيمنة فقط ، أو يشير إلى ذلك ، بل هو حاجة إنسانية وثقافية رمزية عميقة ، لا غنى للإنسان عنها ، بكل مستوياته. فمن غير الممكن لجميع الفاعليين الإجتماعيين في ثقافة ٍ معينة ، إستحضار الموضوع بديلا ً عن الصورة او المتخيل العمومي ، هذا من جهة ، كذلك لا يمكن للثقافة او المجتمع ، ان يتماسك دون وجود تصورات غير واقعية ، يتم تناقلها في معظم الأحوال عن طريق الثقافة الشفهية ، ذلك أن هذه التصورات التي تضمن إلى حد ٍ كبير إستمرار المجتمع.
تتم التنقية في لحظات المواجهة أو المعايشة ، تنقية التصورات والآراء المتداولة أو تأكيدها ، سواء ً على مستوى تصورات الذات عن ذاتها أم على مستوى تصور الذات عن المختلف ، الغريب ، بواسطة الاحتكاك المباشر ، وهو ما نجده واضحا ً في الصورة النمطية الشائعة المتكونة بواسطة الكثير من الطرق والآليات ، عن الغرب و أوروبا ، لدى العربي والمسلم المعُاصر ، أو العكس.
في هذا السياق يتداخل عن طريق التمثيل ، الواقعي بالخيالي ، الغريب بالممكن ، ليصل في معظم الأحيان إلى أن تتحول بعض الثقافات و الحضارات – بواسطة التمثيل وغيره – إلى موطن للقبيح ، والغريب ، والمتوحش ، وكل المحمولات السلبية الإضافية المتراكمة ، وهو ما يجعل الحدود عبارة عن جسور ، أو عتبات ، تنقل الفاعل الاجتماعي للكثير من التصورات المتباينة.
2) المستوى العلمي المنبثق:
لا يكف الجانب العلمي ، بكل تنويعاته المتكاثرة وتخصصاته المتعددة ، عن تحطيم البداهة ، و خلق المغايرة ، بشكل مستمر ، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء تصورات جديدة ، للحياة ، والإنسان وقدراته ، ذلك أن الإنسان – في كل مكان تقريبا ًوبشكل زمني مستمر – يواجه الكثير من التحديات الآنية المنظورة ، والمستقبلية غير المنظورة ، وهي (التحديات) لا تقتصر على جانب ٍ حياتي ، أو معيشي معين ، بل تمتد لتشمل كل المستويات المفاهيمية والحياتية ، بدءا ً بالتحديات التي يطرحها التزايد السكاني العالمي المستمر ، من غذاء ، ورعاية صحية ، وعناية أمنية ، وخدمات متنوعة…الخ.
ف على المستوى الغذائي ، وبسبب الانفجار السكاني المتزايد ، أصبحت الحاجة تزداد إلحاحا ً مع مرور الوقت ، لسد الجوع للكثير من السكان . واجه هذا الوضع الكثير من التحديات ، منها: شح الموارد المائية ، وانعدام الأراضي الصالحة للزراعة بسبب الكثير من المصانع واستمرار الزراعة.
كان لا بد للعلم من مواجهة هذا الوضع الإنساني ، بكل تعقيداته و خطورته ، لخلق حلول سريعة و عاجلة ، وبكلفة بيئية وصحية أقل.
على ضوء هذه الخلفية المختصرة هنا ، لم يكن للعلم أن يكون تقليديا ً ، فالحلول التقليدية لم تعد مجدية ، بل انها – في الكثير من الأحيان – تنتج مشاكل متعددة : بيئية ، وصحية ، وغيرها.
كان لا بد الخروج عن الإطار الفكري المتبع ، وإنشاء نماذج جديدة في التعامل مع الواقع المتداخل ، والمعقد ، غير ان العلوم الجديدة ، مثل التقنية الحيوية (biotechnology) وغيرها الكثير من العلوم المنبثقة بشكل مستمر ، لم تكن بدون الكثير من الآثار الجانبية التي وبلا شك لها خطورتها ، الآنية والمستقبلية.
من أهم الإيجابيات في هذا السياق، السياق الزراعي ، أن هذه التقنية ” تسمح بزيادة معدل إنتاج المحاصيل الحقلية واستدامته على الصعيد العالمي ” ([ii]) ذلك أن الهدف الأساسي لهذه التقنية بشكل ٍ عام هو “إنتاج أكبر بمساحة أقل ، وتخفيض تكاليف الإنتاج عن طريق تخفيض استعمال المبيدات الحشرية ، والتعامل مع القضايا البيئية مثل عدم كفاية المياه للري أو السعي إلى زيادة تحمل المحاصيل للجفاف” ([iii]) ، لم تكن لهذه التقنية الاستمرار دون وجود تقنية التحوير الجيني : أي تلك التقنية التي تقوم بتعديل جينات بعض النباتات لجعلها مقاومة للحشرات ، وللجفاف ، وزيادة القيمة المضافة للمزارعين.
لا تنحصر هذه الإيجابيات في الجانب الزراعي بالطبع ، فهناك الجانب الصحي ، الذي تتزايد فتوحاته للكثير من المناطق المجهولة باستمرار ، وذلك عن طريق الخلايا الجذعية والأفق المستقبلي الذي تتيحه للمرضى.
هذه الآفاق ، بالرغم من حداثتها الزمنية ، وتطورها المتسارع ، جعلت الخيال هو الحد/ الجسر / العتبة ، الأول(ى) لخلق الكثير من الحلول للواقع ، ف بدون هذا الخيال الذي تم إعتباره في البداية بمثابة الحلم المستحيل تحقيقه ، لا يمكن للإنسان التأقلم مع المستجدات المستمرة ، أضف إلى ذلك أدت هذه التطورات العلمية إلى إنعدام التصديق ، و اليقين ، و تحطيم المألوف ، يحدث ذلك حينما يتم الإعلان عن الكثير من الكشوفات العلمية بمختلف فروعها ، وهو ما يجعل الفروق بين الخيالي والواقعي ، مسألة زمنية ، تاريخية ، مرتبطة بالسياق الإبستمولوجي للشخص/ المجتمع ، أكثر من إرتباطها بظروف العلم المتغيرة.
خاتمة :
هكذا نجد أن الفوارق بين الجانبين : الخيالي ، والواقعي ، هي في العمق ، فوارق معرفية ، ونفسية إلى حد ما ، مرتبطة بالزمن ، ومستوى المعرفة ، ينطبق ذلك حينما يتم الحديث عن الإختلافات المتعددة بين الثقافات ، كذلك حينما يتم التعرف على الفتوحات المعرفية المتجددة ، حتى ان الفوارق بين الجانبين تصبح في حاجة لإعادة نظر ، وبحث مستمرين.
علي سليمان الرواحي
muscat0001@hotmail.com
[i] ) : أنظر : كتاب : موقع الثقافة ، تأليف : هومي بابا ، تر : ثائر ديب ، المشروع العربي للترجمة : رقم العدد : 569 ، ص41.
[ii] ) مجلة العلوم ، المجلد 26 ، العددان 3/4 ، مارس / إبريل 2010 ، ص30.
[iii] ) نفس المرجع السابق : ص 31.


