انتهى زمن البراءة !

كتب بواسطة هدى حمد

download

بكت صديقتي بشدة وهي تُخبرني عن ابنها الذي طلب منه أصدقاؤه الأشقياء التعري أمامهم ليثبت لهم رجولته وشجاعته. زميلة أخرى تحدثت عن ابنتها الصغيرة وهدايا سائق الباص واحتضانه لها بمناسبة أو بدون مناسبة. ثم تكاثرت القصص إلى ما لا نهاية.

تفاجأتُ من إحدى معارفي تمنعُ طفلتها ابنة السابعة من اللعب مع الأطفال إن كانوا مختلطين وعندما سألتها “لماذا” قالت: “انتهى زمن البراءة”. أنا متأكدة أنّ زمن البراءة انتهى منذ أن بدأ أطفالنا يُشاهدون مسلسلات كرتونية، فيسألوننا: ” لماذا ينتهي الفيلم دائما بأن يُقبل البطل البطلة”. زمن البراءة انتهى منذ أن بدأت فتاة  الروضة الصغيرة وهي في الخامسة من عمرها، تُقلد ما يدور على فراش والديها في غرفة الصف. انتهى زمن البراءة منذ أن بدأ الأخ يتحرش بأخته بعد أن يُشاهد فيلما أكبر من عمره. انتهى زمن البراءة أيضا منذ أن بدأت عاملة المنزل تُحمم أطفالنا وتختلي بهم في أكثر لحظاتهم خصوصية، فيحدث ما لا يُحمد عُقباه.

أتفاجأ من مطالبة البعض بالفصل بين الجنسين في المدارس على اعتبار أنّ الكثير من المشاكل كبرت وتصاعدت بسبب وجودهما معا، وحقيقة الأمر أنّ المشاكل التي تنشأ بين أبناء الجنس الواحد لا تقل شراسة وعنفا عمّا قد يحدث بين الجنسين. لكن مشكلتنا أننا نتعامل دائما على أنّ ما يدور بين الجنسين المختلفين هو خطيئة لا تغتفر، ولكن الخطايا الفادحة بين الجنس الواحد يمكن أن تُرمم بكثير من الصمت  مع غطاء العيب الاجتماعي. ثم يصبح هذا الطفل مشروعا جديدا لانتهاكات من ذات النوع أو يصبح ذا ميول منحرفة.

إحدى صديقاتي عبرت لي عن قلقها الشديد لانتقال ابنها من الحلقة الأولى المختلطة  حيث تُدرسه المعلمات ويتأدب سلوكه بين الفتيات والفتيان  إلى المدارس التي يُعلم فيها الرجال ويتوحش فيها الطلاب الذكور أحيانا. تقول لي: ” بات يأتي بكلام وتصرفات وحركات لم يتربَ عليها”.

لا أدري إن كانت هنالك دراسات اجتماعية جادة ومنشورة في وسائل الإعلام، تذهب إلى الميدان لنعرف هذا النوع من الحالات ومدى انتشاره في مجتمعنا وأسبابه. كما أني لستُ متأكدة إن كانت ثقافة الإبلاغ عن حالات التحرش الجنسي نشطة في بلادنا أم ترزح تحت وطأة “العيب”. وماذا عن دور المدرسة في التثقيف الجنسي الجاد، وتوفر العلاج النفسي للأطفال المُتحرش بهم إضافة إلى توفر برامج إعادة التأهيل وخطوط ساخنة للإبلاغ. ويبقى السؤال الأهم: إلى أي حد يا ترى الطفل في بلادنا محمي بالقوانين الرادعة!

خطر التحرش متنوع وموجود. ولا يمكن أن نرده إلا بالتثقيف الدائم وبرفع سقف الرقابة غير الخانقة. لأننا لم نعد نبقى مع أطفالنا إلا ساعات قليلة للغاية. أبسط ما يمكن أن نطلبه من أبنائنا أن لا يسمحوا لأحد بلمس جسدهم. أن لا يرافقهم أحد إلى دورة المياه. أن يتجنبوا الحديث مع الغرباء. أن نربي الطفل على قول كلمة “لا”  عندما يتعرض لموقف غير مألوف أو مريح. أن نكون أصدقاء لأبنائنا ليحكوا لنا كل ما يحصل لهم يوميا. أن نمنحهم بعضا من الوقت ليسألوا حتى الأسئلة الخاصة والأكبر من عمرهم وأن لا نقمعهم بكلمة “عيب”.

الحل ليس مستحيلاً. كثر ممن تعرضوا لاعتداءات مختلفة تخلصوا من آثارها ومارسوا حياتهم بشكل طبيعي وتزوجوا وأنجبوا أطفالا. فقط علينا أن نكف عن الصمت وأن نبلغ عن المجرم أيا كان من يكون وأن نبدأ مرحلة العلاج باكرا جدا.

الخامس والأربعون ثقافة وفكر

عن الكاتب

هدى حمد

كاتبة عمانية

اترك تعليقاً