بين الأمراض النفسية والعضوية كيف تؤثر مشاهد الحرب في غزة على الأطفال؟

كتب بواسطة شيماء اليوسف

هدول مين يا ماما.. بدهم يقتلونا يا ماما، ليش يقتلوا أطفال غزة، بدهم يقتلونا ليش، يا ماما هدوا بيوتهم، وين بدهم يعيشوا.؟ بهذه الكلمات تسأل الطفلة ليا، البالغة من العمر خمس سنوات والدتها، المقيمة في ترقوميا بمنطقة الخليل، منذ اندلاع حرب غزة مطلع أكتوبر / تشرين الأول، المنقضي، وقد عجت مواقع التواصل الاجتماعي بالصور ومقاطع الفيديو التي تظهر أطفال قتلى وجرحى وأطفال آخرين تحت الأنقاض وأشلاء فتيات صغيرات ملطخة بالدماء وكف رضيع يمسك بيده كسرة خبز يصرخ فزعاً.. وصغار يبحثون عن آبائهم وأمهاتهم تحت الركام، مشاهد مروعة تنقلها القنوات التلفزيونية وشبكات التواصل عبر الإنترنت على مدار شهر، ولم ينته الفزع بعد، وإن كانت هذه المشاهد الموجعة تؤذينا نحن الكبار نفسياً فكيف تؤثر على صحة الأطفال النفسية والجسدية وهل تنتج هذه المشاهد من أطفال اليوم إرهابيين في الغد؟

بحسب تصريحات والدة، ليا، وهي مدربة قيادة، 47 عاماً، فأن الطفلة تأثرت بشكل سلبي لما يحدث في غزة، حيث ازداد خوفها وشعورها بالقلق الدائم، وتضيف في تصريحات خاصة : ” كل ما تشوف بنت صغيرة تعيط تسألني ليش تعيط ماما.. ماتت أمها مات ابوها” كما لفتت إلى تأثر الأطفال الأقل من 15 عاماً، الذين لا يعلمون ما معنى يهود، ونشأوا كجيل لا علم له حول القضية الفلسطينية، ولا يعرف شيء عن كلمة الاحتلال أو الحرب، المشاهد المروعة للقتل والدمار في غزة المنقولة على الفضائيات أو عبر الإنترنت شجعت الأطفال على الانتقام.

أثر مشاهد الحرب في غزة على الأطفال

في سياق متصل يعلق الدكتور عمرو طارق، طبيب أطفال، بأن مشاهد العنف المتكررة تصيب الطفل بالتوتر الدائم وتجعله يميل للعنف أكثر، كذلك تتسبب هذه المشاهد أيضاً في جعله لا يشعر بالعنف الممارس ضده، إذ يعتاد الطفل على العنف ولا يتأثر به والطبيعي أن يرفض الطفل العنف حتى لو كان يمارس ضد غيره وليس ضده. ويضيف خلال تصريحات خاصة: “يتحول الأمر بعد المشاهدات المتكررة لأن تصبح هذه المشاهد طبيعية بالنسبة للطفل حتى يتجرد هو من مشاعره ويمكن أن يمارسها فيما بعد دون أن يدرك أبعادها النفسية عليه”.

من ناحية أخرى يشير طبيب الأطفال إلى خطورة الإفراط في رؤية الأطفال  للوسائط المتداولة حول الحرب في غزة والتي تظهر أطفال في حالات قاسية على النظر، والتي قد تسبب أمراض عضوية تصيب الأطفال عند الكبر، ويضيف: “قد يتحول الطفل إلى مريض نفسي سايكوباث psychopath، قد يتحول أيضاً لمجرم أو إرهابي ومشاهدة العنف في الصغر أو التعرض له عامل مساعد على هذا التحول السيء.

الخوف يسيطر على قلوب الأطفال

تقول شيرين عواد.. فلسطينية مقيمة في السويد، ربة منزل، ولديها خمسة أطفال، أنه منذ بداية الحرب وبدأ طفليها البالغين من العمر 10 و12 عاماً ولديهما هواتف خاصة بهما، يشاهدان عبر موقع تداول الفيديوهات القصيرة “تيك توك” مشاهد مؤلمة ومقاطع أشد ألماً لأطفال غزة سواء في المستشفيات، أو مقاطع يبكون فيها ويسألون عن أولياء أمورهم الذين قتلوا جراء القصف الإسرائيلي، وتضيف في تصريحا خاصة: ” الأولاد يسألون ليش هيك يقتلوا الأطفال أي ذنب الأطفال ليش الأطفال مفتفته؟”.

قبل يوم الإجازة الأسبوعي بمدرسة أبناء شيرين، في السويد، تعرض المدرسة أخبار ما يحدث في غزة، وحسبما ذكرت فإنه يتم عرض الضرر الواقع على الجانب الإسرائيلي فقط، فيما لا يعرض ما يحدث لأطفال غزة، ما دفع الطفلين يخرجان في مسيرة مناهضة للعنف ضد أطفال غزة، وتضيف: “عندي ولد عمره 8 سنوات وصار خايف، يحكي كيف بدي أنزل على غزة، كنا مخططين ننزل على غزة الصيف القادم لرؤية أقاربنا صار الأطفال يحكون لا ماما نحنا خايفين يقتلونا هيك يعملوا فينا ونصير أشلاء”.

لم يكن بوسع شيرين، إلا أن تمنع أطفالها من مشاهدة التليفزيون وتصادر هواتفهم، خاصة بعد تأثير سيء لهذه المقاطع المتداولة على أطفالها وأصبح جميعهم يعانون من نوبات خوف مستمرة وتضيف: “ابني الصغير صار يصحي بالليل يصرخ صار عنده شغلات أول مرة أشوفها عليه”.

هل تخلق أحداث غزة إرهابيين جدد؟

يقول استشاري الطب النفسي وأمراض المخ والأعصاب الدكتور إبراهيم مجدي، أنه من المتوقع أن يعاني الأطفال الذين يتأثرون بالمقاطع المصورة من داخل غزة وتعرض مشاهد للجرحى والقتلى، لاسيما الأطفال المتضررين، من أمراض نفسية مزمنة لاسيما إن تكررت هذه المشاهد وتم التعرض لها بشكل مستمر، وذكر على سبيل المثال، التبول اللاإرادي ، واضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات ما قبل النوم والاكتئاب، وكذلك الآرق ورؤية الكوابيس المزعجة و الآلام المتفرقة في الجسم،  ويضيف خلال تصريحات خاصة: “هؤلاء الأطفال عند الكبر سيكونوا معرضين للذبحات الصدرية مقارنة بغيرهم، كذلك قد يلجأون لتعاطي المخدرات وقد تتسبب هذه المشاهد بالفعل إلى تحويل الطفل إلى شخص عنيف أو إرهابي”.

تؤكد الباحثة جويرية طلعت فواز، في كتابها “صدمة الحرب آثارها النفسية والتربوية في الأطفال” الصادر عن دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، لعام 2011، أن الأطفال الفلسطينيين لا يستطيعون النوم بشكل أمن أو اللعب في حاراتهم بسبب الخوف من مهاجمة الجنود الإسرائيليين، استنادا إلى مقابلات مع عدد من الأطفال وأولياء أمورهم، فيما تؤكد الكاتبة على أن الأطفال  يعانون بصورة متزايدة من الخوف والقلق والكوابيس وكذلك التّبول اللاإرادي في اللّيل.

معاناة الأطفال النفسية والصحية

 من جهة أخرى، أكدت الباحثة أن أولياء الأمور لاحظوا أن أطفالهم بازدياد سنّهم يصبحون أكثر إدماناً على مشاهدة الأخبار ويناقشون ويشتركون في الأحداث، ويفيد المعلّمون أن واحداً من كل ثلاثة من التلامذة يعاني من مشاكل نفسيّة قد أثرّت سلباً في أدائه المدرسي، مما تسبب ذلك في إحداث اضطراباً في النظام التعليمي بشدة، وذلك لأن التلامذة والمعلمين لا يستطيعون الوصول إلى مدارسهم نتيجة القيود المشدّدة المفروضة عليهم من قبل الجيش الإسرائيلي وذلك بسبب تصويب فوهات المسدّسات والأسلحة الرّشاشة إلى رؤوس الأطفال.

تشير الباحثة، إلى حالة الانغلاق التي ترتبت على الأوضاع التي يعيشها الأطفال الفلسطينيين واختفاء الأنشطة بشكل عام، ، مما ترتب عليه حرمان الأطفال من إشباع الحاجة الى اللّعب والاستطلاع، ومما لا شك فيه أن اشباع هذه الحاجات يساعد على تنمية الذكاء والقدرات الإبداعية

وزيادة الثقة بالنفس والنجاح الدّراسي، كام أن عدم إشباعها قد يؤدي الى سيطرة مشاعر الفشل والإحساس بالنقص والحرمان، ويضعف الرّغبة في التّحصيل والتعليم مما يتسبب إلى انخراطهم في شبكات إجرامية لتفادي الشعور بالنقص.

هل أطفال فلسطين وحدهم هم المتضررين؟

 الأطفال الفلسطينيون الذين يعيشون في أماكن متفرقة بالقرب من منطقة غزة، أو حتى الذين يعيشون في دول عربية أو أوروبية أو غيرها من مختلف دول العالم، الأكثر تأثراً والأسرع مشاهدة ومعرفة بما يحدث في غزة وذلك نسبة إلى صلة القرب الاجتماعي، إلا أن وسائل الاتصال والتواصل الرقمية جعلت العالم كله يعرف الحدث في نفس لحظة وقوعه، وهذا بدوره جعل أطفال غير فلسطينيين يتأثرون سلباً بما يشاهدونه على شاشات التليفزيون عندما تتابع أسرهم تطور أحداث الحرب.. تقول فاطمة، ربة منزل مصرية، 30 عاماً، أن طفلتها التي لم تتجاوز الأربعة الأعوام شاهدت طفل جريح يبكي في النشرة الإخبارية أخذت تبكي مثله، وتضيف: “بنتي بكت بكاء شديد وانهارت مني مرة لما شاف فيديوهات الأطفال هديتها وحاولت أطمنها و بقيت بحاول أبعدها عن المشاهد المؤلمة”.

وتؤكد الدكتورة كريستين نصار، في كتابها “وقائع الحرب وانعكاستها على الطفل” أن تأثيرات الحرب على الطفل مباشرة ترتبط بدور الأسرة وبحسب قياسات ميدانية أجرتها الباحثة فقد لاحظت ارتباط مجمل الاضطرابات التي أحدثتها الحرب على الأطفال تتعلق بدور الأسرة ونوعية وجودها جانب الطفل.

وشددت الباحثة على ضرورة وجود الأسرة جانب الطفل الذي يمثل أهمية لا بديل عنها أكد عليها جميع العاملين في مضمار الطفولة وهذه الضرورة تصبح أكثر إلحاحاً عندما يعيش الطفل ضمن وضعيات تهدد طمأنينته النفسية كوضعية الحرب ومختلف مظاهر العنف المرتبطة بها.

كما ذكر هاني جرجس، استشاري طب الأطفال، أنه قبل حرب غزة الحالية أجريت العديد من الدراسات البحثية على الصحة النفسية لأطفال غزة أنفسهم، ويتعرض الأطباء لمثل هذه الأبحاث نسبة لطبيعة عملهم كأطباء أطفال، حيث اكتشف أن هناك 50% من أطفال غزة أنفسهم شاهدوا أقاربهم من الدرجة الأولى يبكين لأسباب تمس أوضاعهم الصعبة، و10 % من الأطفال شاهدوا أقارب لهم مقتولين وهذا حسب تقديره نسب مفزعة لحجم الأمراض النفسية والصحية التي تصيب هؤلاء الأطفال بعد أن يصبحون شباب، ويضيف خلال تصريحات  خاصة: الأطفال الذين ينشأون في بيئة تعيسة الأكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والسكري، بسبب الضرر الصحي الذي يلحق بالجهاز المناعي لديهم، وعندما يصل هؤلاء الأطفال إلى منتصف العمر تكون صحتهم العضوية أسوأ ممن هم في نفس عمرهم”.

أدب سياسة

عن الكاتب

شيماء اليوسف