بين القبر والسياسة لحد

كتب بواسطة جاسم بني عرابة

أدت القبور والأضرحة بطول التاريخ البشري دورًا مهمًا من النواحي الاجتماعية والدينية، لا سيما عند الطوائف التي تعتقد بأهميتها وبركة قبور الصالحين، كما يُمكن إيجاد ذلك عند الكثير من الفرق الإسلامية، مثل الشيعة الذين يولون للأضرحة -أضرحة الأئمة خصيصًا- أهمية ومركزية كبيرة، وكثير من أصحاب الطرق الصوفية، وغيرها من الفرق.

في الوقت نفسه الذي تشكل فيه الأضرحة هذه الأهمية في الجانبين الاجتماعي والديني، لا تقل أهمية عن الجانب السياسي أيضا، فإن لها دورًا سياسيًّا قد أداه الأموات في قبورهم على مر التاريخ البشري تقريبا، لكنها تتزايد بتعلق الدولة بها واستنادها عليها، وهناك الكثير من الأضرحة التي تلعب مثل هذا الدور السياسي في العالم، منها ضريح الإمام الحسين، وضريح السيدة زينب، ومقبرة البقيع، والضريح الأخضر في تركيا، وقبر أتاتورك، وقبر الجندي المجهول في أوروبا، وغيرها الكثير.


القبور والشرعية السياسية
يُمكن ملاحظة أن أهداف تسييس القبور بالنسبة للدول يُمكن أن تنقسم إلى عدة أهداف رئيسة، منها تعزيز الشرعية، والتعبئة الشعبية، وإثارة النزاعات، وتأكيد السيطرة.
ولذلك فإن العلاقة بين القبور والسياسة يُمكن أن تضيف بُعدًا آخرًا في فهم العلاقة بين الدين والسياسة، وكيف يتدخل أحدهما في الآخر.

لعبت القبور أهمية باعتبارها أدوات لبناء الشرعية، فتجد أن الدول تولي أهمية للقبور التي تستند عليها في حكمها، لا سيما إذا كانت تسير على نفس النظرية أو النهج السياسيين، ويتزايد الأمر إذا كانت العائلة الحاكمة من نفس نسل صاحب القبر، ولذلك يتم إعطاء هذه القبور أهمية كبرى من ناحية البنيان عليه والزخرفة والتذكير بها، وأحيانا كثيرة فتحه للزوار، ويُمكن ملاحظة ذلك مثلا في قبر فلاديمير لينين وسط موسكو في الساحة الحمراء، وعليه بناء ضخم على نهج الأضرحة القديمة، كان وجود قبر لينين في موسكو محل جدل بين البلاشفة وغيرهم، حيث أن الفئة الأولى رفضت أن يُنقل إلى مكان آخر لكون وجوده في العاصمة يشكل شرعية للدولة ومركزية مهمة.
كما أن القبور تُستخدم أحيانا لتعزيز الطاعة والولاء كما يحدث في أضرحة الأولياء على سبيل المثال، فإن الزوار إلى الضريح والذين في أحيان كثيرة يزورونه لقدسيته عندهم، يدينون بالولاء لصاحب القبر، وبالتالي فإنهم يدينون بالطاعة أيضا لخلفائه الذين من بعده، وهذا يُمكن إيجاده لدى الطرق الصوفية، فمثلا يعد قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد ذا مكانة عالية بالنسبة لأتباع الطريقة القادرية، ومركزا روحيا ورمزا للطاعة والولاء، فتقام عنده الاحتفالات والموالد وذكر المناقب والكرامات، ورمزا لتوحيد الأتباع في مواجهة التحديات الاجتماعية والسياسية، كما استُخدم أحيانا لضمان الولاء لشيخ الطريقة من بعده، وهذا ينطبق على غيره من قبور الأولياء.
وأحيانا تستخدم القبور باعتبارها رموزا وطنية لتوحيد الشعوب أو تأكيد الشرعية، وهذا ما يحدث في قبر كمال أتاتورك في تركيا مثلا، فإن زيارة القبر لتأكيد الانتماء للإرث الأتاتوركي يعد جزءًا مهمَّا بالنسبة للحكومات التركية المتعاقبة، كما يتم تنظيم الرحلات المدرسية أو السياحية من أجل إطلاع الناس على أهمية القبر ودوره المحوري نسبة لدور كمال أتاتورك المحوري في بناء الدولة التركية الحديثة في سياقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وكما أن القبور أدت دورا وجدويا مهما، فإنها كانت مناطًا لتشكل الصراعات حولها أيضا، فإن التأويلات المختلفة لمكانة الضريح وأهمية المدفون فيه يؤدي بشكل أو بآخر إلى تشكّل الصراعات في بعض الأحيان، وتكون سببًا -ظاهريا- من أسباب الصراع الذي ربما يصل إلى القتال المسلح، وهذا ما حدث مع ضريح السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (ت 62هـ) في سوريا، فعلى الرغم من اختلاف المؤرخين في مكان دفنها بين سوريا ومصر، فتقول عائشة بنت الشاطئ في كتابها (السيدة زينب عقيلة بني هاشم) “ماتت السيدة زينب عشية يوم الأحد لأربع عشرة مضين من رجب عام 62 هـ على أرجح الأقوال … فهدت لها الأرض الطيبة مرقدا لينا في مخدعها في دار مسلمة وبقي قبرها مزارا مباركا يفد إليه المسلمون حتى يومنا هذا”، وذكر صاحب كتاب زينب الكبرى عن كتاب أخبار الزينبات أنها دخلت مصر وبقيت أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما وتوفيت فدفنت بمخدعها، وذكر أنه نقل هذا أيضا ابن عساكر الدمشقي وابن طولون الدمشقي، كما أنه ذكر أيضا الآراء التي قيل فيها بأنها دُفنت في الشام والمصادر في هذا الرأي كثيرة فليرجع إليها للاستزادة، وعلى الرغم من أن كل هذه الأخبار يغلب عليها الظن ولا يُمكن فيها القطع بمكان القبر، إلا أن القبر الموجود في دمشق تم استغلاله سياسيًّا لا سيما في الصراع السوري قبل ثلاثة عشر عامًا، فإن ضريح السيدة زينب كان محورًا رئيسا في الخطاب السياسي من جانب النظام السوري والتدخل الإيراني، وجرت التعبئة الشعبية من خلاله، بل وتم تشكيل لواءات لهذا الغرض تحديدا مثل “لواء زينبيون” الذي قاتل في صف النظام بهدف “حماية مسجد السيدة زينب” وكذلك الأمر مع “لواء فاطميون” وغيرها. هذا التسييس للضريح أدى إلى أن يكون مركزيا في الصراع الداخلي السوري، فمن خلاله تدخلت كتائب منفصلة، بالإضافة إلى التدخل الإيراني، أما في جهة المعارضة؛ فإنهم عارضوا هذا الخطاب مدعين أن ليس من أهدافهم تدنيس الضريح أو إزالته، وعلى كل حال، فالمهم هنا أن الضريح لعب دورا إعلاميًّا وسياسيًّا مهما في الصراع.


القبور والتاريخ
إن القبور أيضا تسهم في تشكيل الهوية الوطنية، لذلك تهتم بعض الدول بكتابة التاريخ من خلالها، إذ إنها تنظر إلى وجود القبر وتاريخه وتبرر بذلك شرعيتها أو تحشيد شعاراتها، ويكون ذلك من خلال التأكيد على أهميته وإبراز معالمه أو إعادة إعمارها بما يتناسب ومقام صاحب القبر عند الدولة، وذكر مناقبه وسيرة حياته، حتى ترتبط قدسية صاحب القبر بالدولة، وبأن الإضرار بالدولة يعني الإضرار بتلك القدسية، كما أنه يُمكن أن يكون محوريا، وبالتالي يتم تشكيل الهوية الوطنية الجامعة بناء على ولاء أصحاب الهويات الصغرى لذلك الضريح وصاحبه.

تشكل القبور أيضا أهمية في الخطاب السياسي المعاصر حتى في الدول الديمقراطية، فيتم استخدامها للتذكير بحادثة تاريخية معينة كما يحدث في (قبر الجندي المجهول) في بعض الدول الأوروبية، أو النصب التذكاري لضحايا الهولوكوست في برلين، كما أنه يتخذ أهمية في البعد الروحي المرتبط بالسياسة عند بعض الشعوب كما هو الحال عندما قام أردوغان بزيارة لعدد من الأضرحة في تركيا في 2017 بعد الاستفتاء الدستوري للتعديلات الدستورية التي تقدم بها حزب العدالة والتنمية، فقد زار قبر أبو أيوب الأنصاري التي عنت نوعا من استمرارية الهوية الدينية الإسلامية التركية، وقبر محمد الفاتح التي عنت الهوية العثمانية، وقبور رؤساء الوزراء السابقين مثل نجم الدين أربكان التي عنت البقاء على نهجهم في السياسة حتى مع التعديلات التي قضى بها الاستفتاء الدستوري. كل هذه الشخصيات مرتبطة ببعد يرتبط فيه ما هو روحي بما هو سياسي، وفي أكتوبر 2024 زار أردوغان قبر كمال أتاتورك مع باقة زهور ضخمة عليها علم تركيا، ثم كتب في دفتر الزوار “أتاتورك العزيز، نحن فخورون وسعداء ببلوغنا الذكرى السنوية 101 لجمهوريتنا، التي هي أعظم إنجاز لأمتنا ومصدر فخرنا، والتي عهدتموها لنا”، للتأكيد على استمرارية الحكومة على النهج الذي وضعه كمال أتاتورك عند بناء الدولة التركية الحديثة.

يُمكن القول في النهاية، إن القبور والأضرحة ليست مجرد أماكن دفن للأشخاص، لكنها تؤثر بشكل كبير في الأبعاد السياسية، من خلال اعتبارها مراكز تعزيز الشرعية والتعبئة الشعبية، ورموزا للطاعة والولاء، فتستغل الدول هذه الأماكن التي تتخذ أهمية دينية واجتماعية عند الشعوب من أجل تحقيق أهدافها أو تأكيد سيطرتها.

ثقافة وفكر

عن الكاتب

جاسم بني عرابة