تندرج الأعمال التي تتناول العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد ضمن البحوث التطبيقية، التي تسعى لاختبار قدرة الأفكار على تجسيد المبادئ والقيم التي يُنادي بها الأفراد لتحقيق أكبر قدر من السعادة والفضيلة. من هنا يأتي هذا العمل الصادر في 2022م، لأستاذ الاقتصاد والأخلاق جون غرافلاند Johan Graafand في جامعة تيلبورغ الهولندية Tilburg University، ليبحث في مواضيع متداخلة، وهامة في العصر الراهن. حيث يناقش على مدى ثلاثة فصول مترابطة، آثار أو عواقب الأسواق الحُرة على السعادة، المساواة أو اللامساواة، وعلى الفضيلة أيضا ً.
ففي الجزء الأول يُقيّم الأسواق الحُرة وقدرتها على جلب السعادة للأفراد عن طريق ربطها بالجانب الأخلاقي للنظرية النفعية. وذلك من منطلق أن الأسواق التي تعمل بحرية أكبر تجلب سعادة أكبر كما تذهب لذلك المبادئ الاقتصادية الكلاسيكية الراسخة. في حين يتناول الجزء الثاني من الكتاب الأسواق الحرة من منظور مبادئ أخلاقيات الحقوق والعدالة. حيث جرى في السنوات الماضية الدفاع عن مؤسسات السوق الحرة من وجهة نظر أخلاقيات الحقوق، ووجهة نظر العدالة الرأسمالية. ومع ذلك، خلال العقود الماضية، كان التفاوت في الثروة والدخل في ارتفاع في كل من اقتصادات السوق الغربية وغير الغربية، حيث أدى ذلك إلى شعور مشترك بعدم الارتياح بشأن النظام الاقتصادي العالمي الحالي والشكوك حول عدالة التوزيع. كما يناقش الجزء الثالث من الكتاب العلاقة بين مؤسسات السوق الحرة والفضيلة التي تتمتع بها الجهات الفاعلة في السوق بهدف تحقيق السعادة.
- المعايير الأخلاقية والقيم الاقتصادية:
السؤال الافتتاحي الناظم لهذا العمل، والذي بموجبه يناقش هذه الأطروحات هو السؤال الأخلاقي الذي يشغل الفصل الأول، بالرغم من أن الجانب الأخلاقي يبدو تحصيل حاصل، وأطروحاته نوقشت منذ فترات زمنية طويلة، إلا أنها تعاود للسطح بشكل ٍ مستمر وفي كل فلسفات العالم المختلفة. فالأخلاق “لا تشير في المقام الأول إلى ما يفعله الناس بالفعل أو كيف يكون العالم، بل ما يجب أن يفعله الناس وكيف يجب أن يكون العالم”(ص1). بهذا المعنى فالأخلاق لها محددات متداخلة، منها:
- هي معايير يمتلكها الفرد أو المجموعة تتعلق بالصواب أو الخطأ عند القيام بفعل ما.
- يجب أن تطغى المعايير الأخلاقية على المعايير الأخرى غير الأخلاقية. حتى لو كان من مصلحتنا الشخصية الغش في لحظة معينة، فإن المعايير الأخلاقية تخبرنا أنه لا ينبغي لنا القيام بذلك.
- المعايير الأخلاقية يجب أن تكون محايدة، وهذا يعني أنه يجب تقييم المعايير الأخلاقية من وجهة نظر تتجاوز مصالح فرد معين أو مجموعة معينة إلى وجهة نظر عالمية يتم فيها احتساب مصالح الجميع بشكل محايد. حيث تضع الأخلاق قواعد لسلوك كل فرد. كما يجب أن ينطبق الحكم الأخلاقي، لأي شخص يقبل الحكم، على جميع الظروف المماثلة ذات الصلة.
- تتعامل المعايير الأخلاقية مع القضايا التي لها نتائج مباشرة على رفاهية البشر. حيث يركز هذا المعيار على المضمون الأخلاقي، ذلك أن نتائج الفعل الأخلاقي لها بعض الصلات برفاهية الآخرين أو الإرادة البشرية.
كما أن هناك أيضا ً، معايير أخرى، غير أخلاقية، لها أهميتها القصوى في تقرير الكثير من النتائج، ومنها – كما يقول المؤلف – معايير تسويق المنتجات، أو معايير النجاح التجاري الذي يساهم في بقاء واستمرارية المشاريع التجارية، بالرغم من هذا التعارض الهيكلي بينهما. وهذا يكشف عن وجود معضلة أخلاقية Moral Dilemmas عميقة، أو معضلات أخلاقية متعددة، التي تشير إلى وجود “تضارب بين المعايير الأخلاقية المختلفة”(ص2)، الأمر الذي يجعل المؤلف يفرق بين نوعين من المعايير الأخلاقية كما سبق التوضيح، والمعايير العملية.
في مقابل تلك المعايير الأخلاقية وضوابطها، نجد أن الاقتصاد يقف بكل ثقة، ليطرح تحديات ليست هينة، ولا يمكن غض النظر عن أهميتها، ووجاهتها، حيث أن الاقتصاد وبحسب تعريف روبنز الذي يورده المؤلف، هو “العلم الذي يدرس السلوك البشري كعلاقة بين الغايات والوسائل النادرة وغير المتوفرة، والتي لها استخدامات بديلة”، ذلك أن كل فعل بشري له جانب اقتصادي من جهة، وخيارات بين الجوانب النادرة والمتوفرة من الجهة الأخرى.
غير أن هذا لا يعني أنه لا توجد قيم اقتصادية، غير أخلاقية، فهناك سياسات اقتصادية تتخذها الحكومات تؤثر على حياة البشر بشكل ٍ مباشر، تختلف حسب التوقعات المحتملة لهذه القرارات، ومنها الحد الأدنى للأجور، على سبيل المثال، الذي يطرح مسألة جدلية لحد ٍ كبير منذ فترة طويلة، بين تأثير رفع الحد الأدنى على خط الفقر من جهة، وعلى المؤسسات والمشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة من الجهة الأخرى. الأمر الذي يجعل المؤلف يدافع عن قيم ونظام السوق الحُر ونقدها في نفس الوقت، التي تعني وجود “نظام اقتصادي يتم فيه توجيه القرارات الاقتصادية وتسعير السلع والخدمات فقط من خلال تفاعلات المواطنين الأفراد والشركات، وهذا يعني أنه خالٍ من اللوائح الحكومية، حيث يتم تنظيم الأسواق من قبل المؤسسات التي تشكل وتنظم السلوك الاقتصادي للأفراد والمؤسسات في السوق”.
وهذا يعني بطريقة أخرى، وجود أخلاقيات للاقتصاد الكلي Macroeconomic ethics، التي تنتمي لفئة أوسع من الأخلاق الاجتماعية، وهو مجال الأخلاق الاجتماعية، وأخلاق العلاقات والهياكل المجتمعية. حيث يدرس القرارات الجماعية للمجموعات (العائلات، مجموعات العمل، الدول) والعلاقات الهيكلية (النظم الاجتماعية) التي تربط هذه المجموعات.
بالعودة للأسواق الحُرة، نجد أن أشهر الدفاعات الأخلاقية لنظام السوق الحرة تعود إلى جون لوك وآدم سميث. حيث أسس جون لوك، الفيلسوف السياسي الإنجليزي (1632-1704)، نظام السوق على نظرية الحقوق الأخلاقية. فهناك حقان من المفترض أن تحترمهما الأسواق الحرة وهما الحق في الحرية وحق الملكية الخاصة. يستمد جون لوك هذه الحقوق الأساسية من حالة الطبيعة، كما لو لم تكن هناك حكومات. في هذه الحالة، سيكون كل إنسان متساويا ًمع الآخرين وخاليا ً تماما ً من أي قيود بخلاف المبادئ الأخلاقية التي أعطاها الله للبشرية، وفقًا لما قاله لوك. بالنسبة للوك، يعلم العقل أن هذه المبادئ الأخلاقية تنص على أنه لا ينبغي لأحد أن يؤذي شخصا ً آخر في حياته أو صحته أو حريته أو ممتلكاته. ذلك أن لكل فرد الحق في الحرية وملكية جسده وعمله ومنتجات عمله. في هذه الحالة من الطبيعة، يكون الأفراد، مع ذلك، في خطر دائم للتعرض للأذى من قبل الآخرين. وبالتالي، فإن لدى الأفراد حافزا ً لإنشاء حكومة هدفها الأساسي توفير حماية حقوقهم الطبيعية. نظرا ً لأن المواطن يوافق على الحكومة فقط بنية الحفاظ على نفسه وحريته وممتلكاته، فإن سلطة الحكومة قد لا تتجاوز أبدا ً ما هو مطلوب للحفاظ على هذه الحقوق، وفقًا لما قاله لوك. حيث لا يجوز للحكومة التدخل في المعاملات الاقتصادية التي يبرمها الأفراد طواعية في السوق.
في حين يرتكز الدفاع الأخلاقي الرئيسي الثاني عن نظام السوق الحرة على الحجة النفعية القائلة بأن مؤسسات السوق ستنتج فوائد أكبر من أي مؤسسة أخرى عن طريق التنسيق بين الطلب والعرض للسلع، مثل التخطيط المركزي من قبل الحكومة أو الاقتصاد غير المدفوع الأجر الذي يقدم فيه الناس الخدمات، لبعضهم البعض مجانا ً. طور آدم سميث (1723م-1790م) نظام الدفاع النفعي للأسواق في بداية العصر الرأسمالي عندما نشر كتابه الشهير” ثروة الأمم” (1776م)، كانت السياسة الاقتصادية في ذلك الوقت مركنتيلية. في هذا النظام الاقتصادي، كانت الأسواق منظمة من قبل الحكومة، وتدار من قبلها بطريقة بطيئة. ساعد تحفيز السوق على تحرير اقتصاد السوق بالتوازي مع الثورة الصناعية، والنمو الاقتصادي منذ عام 1800م.وفي بريطانيا العظمى، تضاعفت الأجور الحقيقية بين عامي 1800م و1850م وتضاعفت مرة أخرى بين عامي 1850م و1900م، كما زادت المكاسب في حرية الاختيار الشخصي، المتمثل في نظام غذائي أكثر تنوعا ً، مشروبات جديدة، مهارات جديدة.
من الواضح أن هناك وجهات نظر مختلفة عن الأسواق الحُرة، حيث نجد الثناء الكبير على السوق الحرة من قبل الكثير من الاقتصاديين، كما أن هذا الموقف اُنتقد أيضا ً على أسس اقتصادية عديدة. على سبيل المثال، الافتراض القائل بأن اقتصاد السوق سيدفع بالأسعار إلى أدنى مستوياتها لا ينطبق إلا في حالة المنافسة الكاملة بين عدد كبير من المنتجين. في الواقع، هناك العديد من عيوب السوق التي تشوه عمله. على سبيل المثال، لدى الشركات حافز لتقليل المنافسة من أجل رفع قدرتها على الرواج، عن طريق الدمج أو اتفاقيات الأسعار، لذلك، تتميز العديد من الصناعات والأسواق بالاحتكارات أو احتكار القلة، حيث يتنافس عدد قليل من الشركات مع بعضها البعض مع عدم وجود دخل للشركات الأخرى. في هذه الأسواق، تتمتع الشركات بالقدرة على تحديد أسعار أعلى من تكاليف الإنتاج، وذلك من أجل معالجة جهود الشركات للحد من المنافسة، حيث يجب على الحكومة اتباع سياسة نشطة لمكافحة الاحتكار، من خلال السماح بعمليات الاندماج فقط في حالة استيفاء شروط معينة.
ومن أوجه القصور المهمة الأخرى في السوق وجود ما يسمى بالتأثيرات الخارجية، التي هي عبارة عن تكاليف أو فوائد من قرار لا يتحملها صانع القرار ولا يمكن تحميلها عليه أو عليها بسبب عدم وجود سوق لهذه المنتجات. في الأسواق الحرة، سيؤسس جميع وكلاء الاقتصاد الجزئي microeconomic خططهم على التكاليف والفوائد الفردية ولا يأخذون في الاعتبار هذه الآثار الجانبية لعملياتهم.
علاوة على ذلك، تفترض الأسواق التي تعمل بشكل جيد أن الأفراد عقلانيون. ومع ذلك، في الواقع، فإن عقلانية الناس محدودة، كما يذهب لذلك الكثير من الاقتصاديين، ذلك أن تضارب المصالح التي تتغير بمرور الوقت ستجعل من الصعب اتخاذ خيار ثابت. كما أن تقديم التفضيلات الفردية للسلع والخدمات يمكن أن تكون موضوعًا للتلاعب. بالإضافة لذلك، فإن الأشخاص لديهم قدرة معرفية محدودة لحل المشكلة المعقدة المتمثلة في اختيار حزمة الاستهلاك الأمثل التي تزيد من فائدتهم. تخلق هذه الحدود في العقلانية نقصا ً آخر في السوق ينتج عنه نتائج اقتصادية غير صحيحة.
كما أن هناك اعتراضات على الأسواق الحُرة نابعة من وجود عيوب اقتصادية، نجد أيضا ً اعتراضات أخلاقية، ضد الدفاع عن التشغيل الحر للسوق والتي تعتبر أكثر أخلاقية في طبيعتها. أولاً، من وجهة نظر أخلاقية للعدالة، يُقال أحيانا ً أن نظام السوق الحرة يسمح بوجود تفاوتات كبيرة حيث ستكون القوة الاستهلاكية للشخص متناسبة مع حجم العمل الذي يمتلكه، كما سيتمكن الأفراد الذين جمعوا قدرا ً كبيرا ً من الثروة والذين لديهم إمكانية الوصول إلى التعليم والتدريب من تجميع المزيد من الثروة. نتيجة لذلك، بدون تدخل الحكومة، ستتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء حتى تظهر فوارق كبيرة في الثروة.
من وجهة نظر أخلاقيات الفضيلة، يمكن القول إن الأسواق الحرة تتجاهل متطلبات الرعاية، حيث من الممكن أن يؤدي الاهتمام الكبير بالكفاءة إلى تعزيز سمات الشخصية التي تزيد من الرفاهية الاقتصادية الفردية، ولكنها قد تتجاهل سمات الشخصية المرتبطة ببناء علاقات شخصية مع الآخرين التي تعزز الثقة. كما تميل فضائل الولاء واللطف والرعاية إلى التضاؤل، بينما يتم تشجيع رذائل الجشع والسعي وراء المصلحة الفردية والعقل الحسابي، حيث سيؤدي هذا إلى تفاقم الجشع بين أفراد المجتمع وفي النهاية يؤثر في سعادة الأفراد.
في ختام هذا العمل، يعالج المؤلف العلاقة بين الليبرالية، المنفعة، وأخلاقيات العدالة، حيث ترتكز الليبرالية كما يوضح على ركيزتين أساسيتين: الحرية الفردية والعقلانية، فالتقليد الليبرالي يثق في عقلانية الفرد، كما يكون للفرد وتفضيلاته المختلفة الأولوية على الشراكة مع الأشخاص الآخرين والقيم الجماعية. هذه التفضيلات الفردية هي الأساس للحكم على أفضلية قرار أو معيار اجتماعي، العلاقات واللوائح والمؤسسات المجتمعية لها قيمة فقط بقدر ما يفضل الأفراد هذه العلاقات كغاية في حد ذاتها أو لأنهم يعتمدون على هذه المؤسسات لتحقيق مصالحهم الخاصة. هذا هو الافتراض الأساسي لنظرية العقد التي تستند إليها النظريات الليبرالية.
في حين يشدد الفلاسفة الجماعاتيين Communitarian مثل مايكل ساندل وتشارلز تايلور وألاسادير ماكنتاير على الطبيعة الاجتماعية للإنسان. يعود هذا الخط الفكري إلى أرسطو وهيجل وهيوم. فهذا الخط هو موقف فلسفي لما بعد الحداثة بمعنى أنه يؤكد على وجهة نظر عضوية للمجتمع في الأخلاق والفلسفة السياسية. حيث أن هذا الرأي كُلي بمعنى أن النموذج – المعتقدات والافتراضات والاستدلال والقيم التي تربط بين الجهود النظرية للممارسين، سواء ً أكانت مقبولة أو مرفوضة ككل. حيث يتخذ المجتمع العلمي مثل هذه القرارات على أساس مبادئ مثل الأوامر الزجرية بالسعي إلى البساطة والملاءمة التجريبية. وبالمثل، تدعي فلسفة اللغة لما بعد الحداثة أن كل لغة يجب أن تُفهم من منظور العالم الاجتماعي، مع تقاليده اللغوية وغيرها من الأعراف، التي تلعب فيها دورا ً هاما ً. فاللغات الخاصة بشكل عام مستحيلة، حيث يجب أن تكون اللغة عامة من البداية.






