تأثير المجتمع التقليدي على الأحوال الشخصية

كتب بواسطة خليفة سليمان

قراءة  في كتاب “عُمان: البنى التقليدية وهيمنة الأعراف الاجتماعية والدينية”

في ديسمبر 2024، نشرت دار الفلق للنشر، كتابا للكاتب العماني خالد العزري بعنوان “عُمان: البنى التقليدية وهيمنة الأعراف الاجتماعية والدينية” والذي راجَعَهُ المترجم العماني أحمد حسن المعيني، حيث صدر الكتاب سابقا باللغة الإنجليزية عن دار روتليدج البريطانية للنشر (Routledge). يقدم العزري في كتابه استكشافًا عميقا لتأثير البنى التقليدية للمجتمع والدين والسياسة في تشكل المجتمع العماني الحديث. عمل العزري على دراسة مدى تشابك قضايا الأحوال الشخصية، مثل الزواج والطلاق، مع الأنظمة الاجتماعية والفقهية والسياسية الرئيسة، وناقش الافتراضات السائدة حول كون هذه القضايا اجتماعية أو قانونية بحتة، واقترح بدلاً من ذلك أنها جزء من إطار متعدد الأبعاد يعكس هيمنة الدين والعرف الاجتماعي للمجتمعات العربية، ومنها عُمان.

يشير الكاتب إلى أن قضايا الأحوال الشخصية ليست معزولة عن السياق الاجتماعي والديني الأوسع الذي تنشأ فيه، وأن الأعراف التقليدية مؤثرة بشكل أو بآخر على التركيب النوعي للسكان. يَدْرسُ الكاتب بشكل منهجي قضايا الأحوال الشخصية ومسائل الأفراد في الأسرة العمانية، مشيرا إلى أنها إشكالات متجذرة بعمق في السرديات التاريخية والممارسات الثقافية والدينية التي تراكمت على عبر الزمن.

قضايا الأحوال الشخصية

إن قضايا الأحوال الشخصية في المجتمع العماني، حسب الكاتب، لا يمكن فهمها من خلال نظرة اجتماعية بحتة، بل لا بد من النظر إليها من زواية أكبر تشمل جميع البنى التقليدية والأعراف السائدة في المجتمع. إن نهج المؤلف هو نقد التقليدية المتجذرة في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يُنظر إلى الزواج والطلاق، غالبًا، باعتبارهما مسائل عامة يتم التعامل معها من خلال العرف والسلطة الدينية. يزعم الكاتب أن هذه القضايا أكثر تعقيدًا، وتتشكل من خلال العديد من العوامل، بما في ذلك طبيعة الظروف التي شكلت المجتمع، ويؤكد على أن الممارسات الاجتماعية تجاه قضايا الأحوال الشخصية ليست ثابتة، بل تخضع لإعادة تفسير مستمرة، تعكس التغيرات المجتمعية الأوسع التي تحدث بمرور الوقت.

يؤكد الكاتب أيضا على أن قضايا النوع الاجتماعي (الجندر) والنسب – وهما اثنان من أهم جوانب قوانين الأحوال الشخصية في المجتمعات العربية – تتأثران بالموروث الاجتماعي الذي يتشابك مع التفسيرات الدينية. إن حق المرأة في الزواج، والمحافظة على نسب الأسرة، ومفهوم التكافؤ بين الجنسين راسخة بعمق في النسيج الثقافي للمجتمع العماني. كما أن معايير المجتمع في التعاطي مع النوع الاجتماعي والنسب لم توجد من فراغ، بل تطورت جنباً إلى جنب مع التغيرات المختلفة التي أسهمت في تشكيل العادات والتقاليد والأعراف عبر الزمن، وتستمر في تشكيل السلوك الاجتماعي ما لم تحدها قوانين أو قرارات ملزمة من السلطة.

الأسس التاريخية والفقهية

يبحث الكتاب في الفهم الديني، الذي شكل أساسا لقوانين الأحوال الشخصية، وثم إرهاصات تطبيقها في سياقات قضائية مختلفة. يؤكد المؤلف على تأصيل النخبة للتقاليد الدينية كأداة للحفاظ على هياكل السلطة الاجتماعية، موضحا أن أدوار النساء غالبًا ما تقتصر على المجال الخاص، وأن مشاركتها العامة مؤطرة بالتوقعات المجتمعية التي تعطي الأولوية للسلطة الذكورية.

أن التتبع التاريخي لتجديد النص الفقهي مهم لفهم كيفية تطبيق قوانين الأحوال الشخصية، حيث خضعت هذه النصوص لمجموعة من المتغيرات، متأثرة بعوامل داخلية وخارجية. يرى الكاتب أن القوانين لا تنشأ ببساطة دون سند، بل هي نتاج الاحتياجات المجتمعية والأسرية، وعلى هذا النحو، فإنها تتغير باستمرار لتعكس الدور المتغير  أيضا للقوى السياسية والاجتماعية والدينية.

وجهات نظر متعددة

يستكشف الكاتب التوتر بين وجهات النظر التقليدية من جهة، التي تؤكد أهمية تكافؤ النسب في إتمام عقد الزواج، والآراء الأكثر حداثة من جهة أخرى، والتي تدعو إلى حقوق الأفراد. يفند الكاتب مفهوم النوع الاجتماعي ودوره في تشكيل قوانين الزواج والطلاق، متناولا قضية عدم المساواة بين الجنسين في سياق الزواج، حيث تجد النساء أنفسهن في كثير من الأحيان في وضع غير مؤات لاتخاذ القرار، بسبب المعايير المجتمعية التي تعطي الأولوية للسلطة الذكورية. يفحص الكاتب بشكل نقدي الطرق التي تستمر بها هذه المعايير في التأثير على حقوق المرأة في الزواج والطلاق، مشيرا إلى أن الإصلاحات القانونية المعاصرة أحرزت تقدماً في بعض المجالات، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لتحقيق العدالة فيما يتعلق بالنوع الاجتماعي.

الإصلاحات القانونية الحديثة

وعلى الرغم من المنهج النقدي الذي يظهر في مختلف أنحاء الكتاب، فإن الكاتب يعترف بالجهود التي تبذلها الدولة العمانية لتحديث نظامها القانوني وتعزيز العدالة بين مواطنيها. يشير الكاتب إلى أن الدولة كانت استباقية في تطوير بعض التشريعات التي تعكس الاحتياجات المتغيرة للمجتمع، ويؤكد أن التزام الدولة العمانية بتحديث إطارها القانوني واضح في الطريقة التي دعمت بها الإصلاحات القانونية التي تهدف إلى حماية حقوق المرأة وضمان قدر أكبر من المساواة داخل بنية الأسرة. ومع ذلك، يشير الكاتب أيضًا إلى أن هذه الإصلاحات ليست واضحة دائمًا، وقد تواجه مقاومة من أولئك الذين يؤيدون وجهات النظر التقليدية.

مختارات الثقافة والفكر

عن الكاتب

خليفة سليمان

كاتب وأديب عماني