ما الذي يغذي تأملاتك أكثر شيء كفيلسوف؟ الفن الشعر السينما أم السياسة والصراعات اليومية أم الكتب والمقالات الفلسفية التي تصطدم بها؟ هل هي وظيفتك الجامعية؟ هل هي العلاقة مع الآخر.. أيا كان هذا الآخر؟ وكيف تقيّم أثر ذلك في فلسفتك إجمالا؟
د. عبد السلام بن عبد العالي:
من الصعب أن نقول إن محددا بعينه من هذه المحددات، أو السياقات هو الذي يتفاعل معه الفكر أكثر من غيره: ما أتفاعل معه هي قراءاتي وتدريسي، وانخراطي الاجتماعي، ومساهمتي في الندوات الفكرية وتفاعلي مع الإنتاجات الفلسفية، وترجماتي، وملاحظاتي لما يروج من حولي، وما أتلقاه من أخبار، وما أعيشه بصحبة الآخرين.
د. محمد شوقي الزين:
أكثر شيء يُغذِّي تأمُّلاتي هو ما أقرأه وما أراه. عندما أقرأ النصوص (القديمة أو الحديثة) أفتح حوارًا مع كُتَّابها وأقارن بين الوضع التاريخي لتلك النصوص والوضع الذي نحياه اليوم. ليست العملية مجرَّد البحث عن المطابقات والاختلافات بين الماضي والحاضر، أو بين الأنا والآخر، بل هي دعوة للنظر في التجربة الإنسانية عمومًا، كيف تتجلَّى في التاريخ، كيف تتحوَّل وتتطوَّر، ثم كيف تتعثَّر وتنكمش. لكن لا تكفي النصوص لوحدها في فهم التجربة الإنسانية مهما كانت قوَّة تلك النصوص على المستوى البلاغي والمفهومي على شاكلة نصوص أرسطو وابن سينا وديكارت وجان جاك روسو. لا بدَّ من تكميل القراءة بالرؤية.
وفَّرت لي بعض السفريات، إما لأغراض بحثية أو لأغراض سياحية، الفرصة في أن أترك التجربة الإنسانية تتحدَّث إليَّ. أكتفي بالنظر أو التقاط الصور ثم أرى كيف تتحدَّث إليَّ تلك التجربة، إما مباشرةً عبر اللقاء بالناس والسماع إلى حكاياتهم، وإما بطريقة غير مباشرة بالتأمُّل في الآثار التاريخية وتصويرها مثل الحصون والقلاع والقصور والمساجد العريقة والكاتدرائيات من العصر الوسيط. كل هذا يقول شيئًا وينبغي الإنصات إليه والبناء عليه. السَّفر هو الذي وفَّر لي المادَّة الثريَّة في تغذية تأمُّلاتي الفلسفية، خصوصًا وأني أهوى زيارة المتاحف والتأمُّل في الآثار العريقة واللوحات التشكيلية.
د. محمد المصباحي:
أتغذى من كل ما ذكرت وأكثر، لكن تبقى النصوص الفلسفية والصوفية والشعرية والسياسية والمقاطع الموسيقية واللوحات الفنية والإبداعات الشعبية، التي تكثف الواقع الحي في أفكار وصور وأساليب واستعارات وشعارات، هي التي تلهمني أكثر. فقد يكون مقطع من أغنية فرقة “ناس الغيوان” الذي يتساءل “واش احْنَا هُمّا احْنا أگلبي، ولاّ محال؟” ملهما أكثر من أي نص آخر لأنه يجمع في لمح البصر بين صيرورة هيراقليط وتغيير ماركس وعدالة رولز، ويذهب بك بعيدا لتتجاوز السؤال السياسي إلى السؤال الأنطولوجي عن معنى الذات.
ولا شك أن هذه المؤثرات الفلسفية والأدبية والفنية لا تحجب عنا الآخر، بل توطد علاقتنا به، إذ يبقى الآخر هو الذي يحركني للكتابة الفلسفية. لكن هناك آخر وآخر، هناك الآخر الذي انفعل به، والآخر الذي انفعل معه، والآخر الذي انفعل ضده دون أن يمنعني ذلك من أن أستفيد منه؛ فالآخر الذي يعمل على إلغاء ذاتي وانتمائي يفرض عليّ أن أكافح ضده، لأن ذاتي لا تسمح لي أن تتقمص ذات الآخر، أن تصبح غيرها، من هنا جاءت مقاومة التراث المستبد السالب للذات في مقابل الهوية!
د. الزواوي بغورة:
لم تعد الفلسفة المعاصرة مكتفية بذاتها، بل تتحدد بغيرها من الفنون والعلوم وما يحدث في الحياة الاجتماعية. وشخصيا، أقرا أكثر التاريخ والرواية، وأتابع ما ينشر في مجال العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، ومولع بالمسرح والسينما تحديدا. وفي تقديري فإن هذه المنابع حاضرة، بطريقة ما، في كتاباتي. وبوصفي أستاذا جامعيا، فإن شروط الوظيفة، ودرجات الترقي، تفرض إنجاز أبحاث أكاديمية متخصصة، وهو ما أنجزته في مرحلة من مراحل سيرتي العلمية. ومما لا شك فيه أن الآخر كان ولا يزال وسيبقى حاضرا في مناقشاتنا الفلسفية والفكرية، وهو ما يشهد عليه حضور الفلسفة الغربية في خطاباتنا المختلفة. وأما أثر ذلك في فلسفتي، فإنَّني اترك تقديره للقارئ الذي يعلم أنَّني مختص في الفلسفة المعاصرة، وفي فلسفة ميشيل فوكو تحديدًا.
د. عبد الله السيد ولدبّاه:
انا مع قول جيل دلوز الذي له أصول نتشوية: الفلسفة لا موضوع لها، وإنما تتغذى من غيرها، وبصفة خاصة من روافد الشعر والفن والدين. ولذا اعتبر غرامشي أن كل البشر فلاسفة بمعنى ما لأنهم يتقاسمون نفس مصادر التفلسف. لقد تعلمت الفلسفة من كتب الأدباء ودواوين الشعراء ومسطحات الصوفية وتأملات الحكماء بقدر ما تعلمت من كتب الفلاسفة. كان هايدغر يقول إن الفكر لا يختزل في الفلسفة التي هي سردية أنطولوجية محدودة، بل إن الشعر هو أسمى أنواع الفكر ويتقدم على الفلسفة نفسها.

