ظهر مصطلح (رجل الدين) في التراث الكنسي المسيحي، وتاريخه متعلق بتقسيم طبقات المجتمع في أوروبا، وحسب ما جاء في الموسوعة الحرة (ويكيبديا) أن هذه الطبقات تتشكل هرمياً، وهذا التشكل كان معروفاً في العصور الوسطى والفترة المعاصرة المبكرة في أوروبا المسيحية؛ فقسموا المجتمعات إلى ثلاث طبقات: رجال الدين، والنبلاء، والعامة، وعادة ما كان يشار إليهم في العصور الوسطى حسب ترتيب الأهمية، إذ يعتبرون هذا الترتيب من الرب، الطبقة الأولى، والثانية، والثالثة بالترتيب([1]).
وكان الملك هو الذي يعين الأساقفة، وكان لرجال الدين في المسيحية لباس خاص، لا سيما أيام السبت والأحد، وأوجدوا لباساً أفضل ليوم الأحد لأجل حضور صلاة يوم الأحد، كما أن اللباس يختلف بين طبقات رجال الدين الكنسي، فلباس الشَّـمّاس يختلف عن لباس الكاهن وهما يختلفان عن لباس الأسقف([2]).
عندما نقرأ الإسلام من القرآن لا نجد فيه مصطلح (رجل دين)، وإنما القرآن يسمي أتباعه بـ(المسلمين، والمؤمنين) ومفردها (مسلم، مؤمن)، سواء الذين اتبعوا الرسول محمد أم غيره من الرسل السابقين، والمتدين في الإسلام حاله كحال غيره من الناس، فالفقيه أو الأصولي أو المفسّر أو المتكلم هي أشكال معرفية من التفاعل مع آيات القرآن، ولا يسمى رجل دين، وإنما هو فقيه أو مفسّر أو متكلم أو غير ذلك بتخصصه المعرفي والثقافي، وكذلك العابد والزاهد لا يسمى (رجل دين) لأن عبادته وزهده له، فلا يتميز عن غيره من الناس بشيء، لأن الدين لله والناس مطلوب منهم التفاعل مع تعاليم الدين تعقلاً وتفقهاً وتفكراً وتدبراً، فخطاب الدين موجه إلى الناس كافة لتحقيق قيم جاء بها الرسل في رسالاتهم، ولا يجوز استغلالها للهيمنة على الناس والعلو في الأرض.
نلحظ في مجتمعاتنا أن البعض اصطنع فكرة (رجل الدين)، وهو لا يختلف عن كهنوت رجال الدين في التراث الكنسي، فالتشابه بينهما كبير، بدءاً من التقسيم الطبقي، مرورًا بالحكم على الناس والتحكم بشؤون حياتهم وانتهاء باللباس، فرجل الدين عند المسلمين اليوم يمارس وظائف تسمى دينية بإمكان أي مسلم أن يمارسها، وهذه الوظائف تختلف باختلاف الشرائع أو المتغيرات الاجتماعية من بيئة إلى بيئة، فتكون بذلك (لرجل الدين) مكانة متميزة في طبقات المجتمع.
فعقد الزواج يتولاه رجل دين يطلق عليه (مطوع) عند جهور الناس، وكذلك إمامة المصلين، وهذه الأمور بعضها وضع لها الفقهاء شروطاً باجتهاداتهم وليس بالضرورة من تعاليم الدين، فمن من هذه الاجتهادات أنه لا يصلي بالناس مسبل الثوب، الذي ثوبه أسفل من كعبيه، وإلا اعتبرت صلاته وصلاة من خلفه باطلة، مع أن المسألة مما اختلف فيه نظر الفقهاء المسلمين، وإذا وجد الملتحي وقصير الثوب فهو أولى بالصلاة بهم، وربما فضلوا اللباس الأبيض مع العمامة على غيره، فتصور المجتمع أن هذا الشخص أتقى وأنقى وأورع وقائدهم إلى الصلاح والتقوى أي قائدهم إلى الله، فهذه الشروط وهذا اللباس تصوغ لنا رجل دين بلباس معين، وهي ذاتها الفكرة في التقاليد الكنسية، والنظرة إليه بأنه رجل الدين يقودهم إلى الله.
الإسلام شرع للإنسان لبس الثياب التي تستره وتجعله حسن المظهر أمام نفسه والناس، والتفاصيل المتغيرة متروكة للناس زماناً ومكاناً (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف:31
نلحظ أناساً يحنّون إلى الماضي ويعتبرون الماضي أفضل من الحاضر، ويودون أن رجوع الماضي كما هو، لذا يحاولون صياغة شخصية دينية تتقمص التاريخ في ملبسها ومأكلها وطريقة عبادتها وأسلوب حياتها، فتصوّرَ الناس في الحاضر أن الرجل الذي يتمثّل الماضي هو أتقى وربما اعتبر أعلم منهم وأقرب إلى الله، لهذا اعتبر قطاع منهم لباس العمامة دليلاً التقوى والعلم والمعرفة الدينية، واعتبرت ثياب أهل الخير بتميزهم به عن غيرهم، وإذا ما أراد أحدهم استبدال العمامة بعمامة ملونة (المصر) نظروا إليه نظرة استنقاص، وربما في نصحهم له أو الكلام من خلفه استشهدوا على تصرفه هذا بالآية القرآنية (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) البقرة:61، وهو استدلال في غير محله.
وإذا كان في الكنيسة يوجد تقسيم لطبقات رجال الدين، فإن بعض المسلمين أوجدوا أيضًا تقسيمًا للمهتمين بالمعارف الدينية أو الشرعية، وأطلقوا عليهم ألقابًا هي أقرب إلى التقسيم الطبقي ليخلقوا منه حجة على الناس في الاتباع دون الرجوع إلى كتاب الله، فمثلًا عند أهل الحديث يقسم المحدثون إلى: المحدث، ثم الحافظ، ثم الحجة، ثم الحاكم، ثم أمير المؤمنين في الحديث، والملحوظ عليها أنها ألفاظ تشي بالهيمنة والتسلط.
(رجل الدين) لدى قطاع من الكنائس يترهبن، أو يتظاهر بالرهبنة، واعتبرت الرهبنة من الدين، لذا فهذا النوع من الرهبان لا يتزوجون، ووجد في تاريخ الكنيسة صدام مع العلوم والمعارف الحديثة، واتهم من يخالف آراء الكنيسة عن الكون والحياة بالهرطقة (البدعة)، أما في الإسلام فلا رهبانية، هذا ما تؤكده الآيات القرآنية، كالآية {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} القصص:77، نجد بعض المسلمين يمارسون الرهبنة بمعنى الانقطاع عن الحياة والصدام مع كل جديد معرفي، ويتركون كثير من خيرات الدنيا، لدرجة أنهم يرفضون ما تزفه الحضارات من اختراعات جديدة، وربما بعضهم يزعم أنه زاهد في الدنيا ويدعو الناس إلى الزهد، بيد أنه يتعالج في أفضل المشافي ويركب أفضل السيارات ويبني أفخم القصور، ويحرم التعامل مع البنوك ويكون لديه عقد مع بنك يجني منه أموالًا طائلة تحت اسم البنك الإسلامي.
تجده يصعد المنابر ويدعو الناس إلى الزهد وترك الدنيا، رافضاً جديد الحياة بزعم أنها من البدع ومن التشبه بغير المسلمين، فيحرم ممارستها واقتناءها، ولكن بعد مرور زمن تضغط عليهم الحياة بمتطلباتها فيتراجع عن موقفه السابق، ثم يأتي منتج آخر جديد ويمارس معها نفس الأسطوانة القديمة، ولا يعتبرون مما مرّ عليهم سابقاً من أمور تتكرر في كل زمن، فتمر أولاً بمرحلة المنع بالتحريم والبدعة، ثم بمرور الزمن يتغير الموقف فتتحول إلى التحليل، ثم بدعة حسنة، فيمارسونها ويقتنوها، ولم تسلم من هذه الأسطوانة حتى ألعاب الأطفال.
أضرب أمثلة على ذلك: بعض الفقهاء تاريخيًا حرم التصوير، وأصبح الآن الكل يملك آلة التصوير في يده، حرم بعضهم علوم الفلك تحت اسم (التنجيم)، وهو يختلف كليًا عن (التنجيم) الذي هو نوع من التكهن، وأصبح اليوم علم الفلك شيء ملازم للحياة تعرف به أحوال الطقس والمناخ ويعرف به دخول شهر رمضان، حرم بعضهم الموسيقى وصارت اليوم تعتمد في كثير من الأمور، تدرس في المدارس وصارت هناك الموسيقى العسكرية، وحرم بعضهم الصحن اللاقط (الدش) وصار اليوم كل بيت لا يخلو منه، وحرم بعضهم تعاملات البنوك، ثم مورست تحت مسمى (البنوك الإسلامية)، وفي بعض الدول أطلقوا على الدراجة الهوائية خيل إبليس، وحرم ركوبها، لأنها رجس من عمل الشيطان، وأصبح الشخص بمن فيهم المشتغل بالفقه يشتريها لأبنائه، وكسّر بعضهم التلفاز في منزله، وأصبح الواحد منهم يملك أكثر من شاشة تلفاز في منزله أو ينافس على أكبر شاشة.
إن مثل هذه الموجات التحريمية التي تظهر بين الفينة والأخرى بسبب الاجتهادات البعيدة عن الواقع، وليس بسبب تحريم الله لها، تصوغ لنا رجل دين بعيداً عن المجتمع والعصر، فتحريم الله للمحرمات موجود في القرآن وهو ينسجم مع مختلف الأزمنة والأمكنة، لأنه شرع الله، وليس اجتهاد فرد يريد إخضاع الناس لرأيه باسم الدين، فهذا التصرف يعني حضور رجل الدين في مجتمعاتنا بقوة، مع أن القرآن يقول لنا {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} النحل:116، وهذا النهي يشمل من يحرم باسم الاجتهاد أو بأي طريقة كانت، لأن النهي مطلق، ولم يفرق بين مجتهد وغيره، فالاجتهاد في تحريم ما لم يحرمه الله في كتابه كذب على الله باسم الاجتهاد والبحث، فمن المفترض أن الرأي والاجتهاد البشري يقدم على أنه رأي واجتهاد وليس تحريماً.
هناك بعض من دارسي الفقه يشدد على الناس، فيقدم لهم رأياً أو فتوى فيها شدة، ولكن يترخص فيها لنفسه، بحجة أنه لو فتح المجال للناس فسيتهاونون في الدين، وسيتركون السنن وسيتبعون الرخص وغير ذلك من المبررات التي يبررها لنفسه، وبهذا السلوك يعد نفسه مسؤولًا عن دين الناس وعلاقتهم مع ربهم، وهكذا يتصرف أيضاً بعض المنسوبين إلى الكنيسة، ربما الرواية القائلة “لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن” هي التي يتسلح بها البعض دليلاً في نهي الناس عن اتباع الجديد المفيد للمجتمع، وهم بها عاملون في تشابههم برجال الدين الكنسي.
أكرر هنا بأن الإسلام لا يوجد فيه (رجل دين) لكن يوجد به تعقل وتفقه وتدبر لآيات الله من الناس كل بحسب قدراته وملكاته، لكن واقع المسلمين يخبرنا غير ذلك، لأنهم ابتعدوا عن القرآن، فأوجدوا الكهنوت الذي كان فيمن قبلهم، للسيطرة والهيمنة على الأتباع باسم الدين، ونجد (رجل الدين) الذي يحشد الناس حوله يرمي المخالف له بالكفر أو الضلال أو تمييع الدين إذا أحس بتهديد الآراء المخالفة على سلطته الاجتماعية.
في الإسلام الناس سواسية يتعقلون ويتفقهون آيات الكتاب، ولا يحق لدارس الفقه أن يدعي حصر التعقل والتفقه في شخصه للسيطرة على الناس وتوجيههم كيفما شاء.
وأذكر هنا كلامًا توضيحيًا من خميس العدوي حول مصطلح (رجل الدين) والذي معناه يختلف عن معنى عالم الدين أو الفقيه، فرجل الدين هو من يملك سلطة يفرضها على أتباعه، وهي في العادة سلطة نفسية معنوية، وقد تكون بالإضافة إلى ذلك مادية، حيث يكون الأتباع مدفوعين للامتثال له بهيبة الدين. في حين الفقيه أو عالم الدين هو من يمارس الاستنباط الفقهي أو تحرير مسائل علم الكلام، دون أن يكون له أية سلطة، إلا الاحترام النابع من الخُلق الإنساني، وهو أيضًا غير معني بتكوين أتباع له، وإنما عنايته بيان الأحكام الفقهية ومناقشة القضايا الكلامية ونحوها، لتكون موردًا للناس في شأنهم الديني ([3]).
فكرة (رجل الدين) اليوم لا تختص بالوظائف الدينية في المسجد أو الكنيسة أو المعبد، لكن تمارس في المجتمع كما لو كانت وظيفة رسمية، لأن هناك من يعد نفسه مسؤولاً عن دين الناس وعبادتهم، فقد يكون (رجل الدين) مهندسًا، أو طبيبًا، أو أستاذًا جامعيًا أو طالبًا، أو تاجرًا، والسبب في ذلك أن طبيعة المجتمع معنا متدين أصلاً، ولكن هذا التدين نسبي يتفاوت من شخص إلى آخر، غير أن (رجل الدين) ينتهز هذه الطبيعة ليتحكم في الناس، باسم الدين ويبدأ يأمر وينهى لتكون له مكانة اجتماعية معنوية أو مادية، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائل وأدوات للإصلاح والتغيير الاجتماعي الملائم والحكيم، وليست وسائل للسيطرة والتحكم بالناس.
[1] الموسوعة الحرة؛ مقالة بعنوان: اللباس في المسيحية، تاريخ الزيارة 7/9/2023.
[2] الموسوعة الحرة؛ مقالة بعنوان: اللباس في المسيحية، تاريخ الزيارة 7/9/2023.

