اللقاء يأخذ لغة أدبية أخرى ، ممزوجة بلغة الأسى والحزن لشخصية عاشت بلغتها وفكرها وسياستها مع غيرها ، فحققت طموحات كانت تتمنى ، خاضت معارك الحياة بشتى قوالبها وأنواعها ، فقست لتعطف على غيرها ، منذ نعومة أظفارها ، تلكم هي شخصية غازي القصيبي ، الأديب الحر ، والسياسي المتمرس ، الذي نود أن نأتي عنه ولو بشيء قليل ، مقدار ما أعطاه لوطنه الكبير والصغير ، فحسبنا في هذه العجالة أن نستذكر معا سير حياته ؛ لربما تبعث في نفوسنا الذكرى .
فالدكتور غازي بن عبد الرحمن القصيبي، من مواليد 2 مارس 1940 بالمملكة العربية السعودية ، بدأ رحلته التعليمية الأولى في المنامة ، ولم يهدأ باله حتى ارتحل إلى أرض الكنانة ؛ لينهل من ثقافتها ، فكانت جامعة القاهرة مهده الدراسي في دراسة لغة القانون .
لم يشغل شاعرنا القانون عن لغة الشعر والأدب ؛ فرواية “شقة الحرية” ، والتي كانت غنية بلا حدود ، لكونها تحكي التجربة الواقعية لغازي أثناء دراسته في القاهرة.
وتنويعا للثقافة التعليمية مد جسره نحو الغرب ؛ ليدرس في جامعة كاليفورنيا العلاقات الدولية في مرحلة السلك الثالث الأولى ، وكان ذلك عام 1962 ، بعد رحلة دامت ثلاث سنين ، عاد للرياض مدرسا لمبادئ القانون في جامعة الملك سعود ، لكنه لم يستمر طويلا حتى غادر وطنه ليواصل مسيرته التعليمية ، حتى حصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن في العلاقات الدولية ، إذ كانت رسالته عن حرب اليمن.
هكذا الحياة شأنها التغير بين المد والجزر ، إذ البقاء على وتيرة واحدة من المحال ، وعليه فقد عاد إلى وطنه بعد سنوات قضاها بين جنبات البحث والدراسة ؛ لينخرط في سلك التدريس الأكاديمي ،فالتحق بجامعة الملك سعود بالرياض أستاذا جامعيا عام 1971. وفي هذه الأثناء مارس عمل المحاماة ، لكنه لم يستمر طويلا .
الأديب دائما تبقى مشاعره متوقدة – خاصة عندما تجد لغة الإثارة – فالقصيبي تواصل بلغته الأدبية الصحفية مع جريدة الرياض ، وبحنكته السياسية مع التلفزيون في برامج تعنى بالمستجدات في العلاقات الدولية.
لم يسلم هذا الأديب من اللسان الحاسد – خاصة عندما بدأ صوته يدوي فانطلقت أقاويل حول “عاشق الأضواء” و “عاشق الظهور”، ويعلق الدكتور غازي على ذلك بالقول: “تعلمت في تلك الأيام ولم أنس قط، أنه إذا كان ثمن الفشل باهضا، فللنجاح بدوره ثمنه المرتفع… أعزو السبب – لظهور هذه الأقاويل- إلى نزعة فطرية في نفوس البشر، تنفر من الإنسان المختلف، الإنسان الذي لا يتصرف كما يتصرفون”.
بعد عام 1973 تغيرت لغة الحياة عند غازي إلى ذوق آخر ، فانتقلت إلى ممارسة حياة الخدمة العامة ، من الممارسة الأكاديمية ، حيث عين في المؤسسة العامة للسكة الحديدية ،لم يستمر به العهد طويلا ، حتى نال ثقة الدولة فاختير ضمن التشكيل الوزاري عام 1975 ، وتقلد عدة وزارات .
الحياة التي تسلك مسلك المستسلم ، حياة يشوبها القلق والضعف ، فاعتزاز الإنسان بالمسلمات التي لا بد منها ، تجعله شاعر بالحرية ولو بنفس بسيط ، فالقصيبي مع كل تلك النجاحات التي مازالت آثار نتائجها باقية حتى اليوم، لم تكن وتيرة حياته العملية صافية كل الصفو ، إذ صدر أمر ملكي بإعفاء الوزير القصيبي من الوزارة ، وكان ذلك في أواسط عام 1984، كل ذلك كان نتيجة قول حر ، يقول غازي عن الإعفاء أنه كان “دراما إنسانية معقدة”، وكانت قصيدة (رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة) قد دقت الوتد الأخير (أو هي كل الأوتاد) في العلاقة الودية بين الوزير ورئيسه في مجلس الوزراء الملك فهد، فكان الإعفاء.
وبعد شهر واحد فقط، صدر تعيينه سفيرا للملكة في دولة البحرين، بناءً على رغبته، وبقي كذلك لثماني سنوات ، حتى صدر قرار تعيينه – بعد استشارته- سفيرا للمملكة في بريطانيا، وظل هناك طوال إحدى عشرة سنة، ليعود من السلك الدبلوماسي نحو الوزارة، وزيرا للمياه ثم المياه والكهرباء ، لينتقل مؤخرا نحو وزارة العمل، حتى وافته المنية صباح يوم الأحد 15 – 9 – 210 ، عن عمر يناهز السبعين إثر صراع طويل مع المرض.
لقد كان الرجل مبدعا في فنون شتى – خاصة ما يتعلق بالأدب والقانون والسياسة، فمن مؤلفاته : \
* دواوينه الشعرية :وهي : صوت من الخليج ، الأشج ، اللون عن الأوراد ، أشعار من جزائر اللؤلؤ، سحيم ، وللشهداء.
* ومن رواياته – شقة الحرية ، العصفورية، سبعة، هما، سعادة السفير، دنسكو، سلمى، أبو شلاخ البرمائي، وآخر إصداراته في الرواية : الجنية.
* وفي المجال الفكري له : التنمية،الأسئلة الكبرى، الغزو الثفافي، أمريكا والسعودية، ثورة في السنة النبوية،حياة في الإدارة.
لم تسلم مؤلفاته من التهمة السياسية ، فحجر بعض منها عن الطباعة ، وأخرى طبعت بمضض ، وكثير منها مُنع من التداول في السعودية لا سيما الروايات. وعلى المستوى الروائي يكاد يُجمع المهتمين بأن روايتي شقة الحرية والعصفورية، هما أهم وأفضل وأشهر ما كتب القصيبي، في حين احتفظ ديوان معركة بلا راية بمرتبته المتقدمة بين دواوين الشعر الأخرى، وفي المؤلفات الأخرى، يبقى حياة في الإدارة واحدا من الكتب التي حققت انتشارا كبيرا رغم أن ثقافة القراءة كانت شبه معدومة حينها في المجتمع (نشر الكتاب عام 1998 وهو عام بائس في التاريخ السعودي انخفض فيه سعر برميل النفط إلى أقل من 10 دولارات).
ولا يزال غازي منذ البدء متواصلا مع المشهد الثقافي السعودي عبر إصداراته شبه السنوية، وأثار ضجة أخرى مؤخرا عندما قدّم لرواية (بنات الرياض) للروائية السعودية رجاء الصانع، وهي الرواية التي تواجه مصيرا يكاد يقترب من مصير معركة بلا راية عند صدوره.
وفي شأن الحياة العلمية : لم تخلو سيرة غازي الوزير من مواقف طريفة ، إذ يروي القصيبي أنه في أحد الأيام إبان وزارته في الكهرباء والصناعة حصل انقطاع للكهرباء في أحد أحياء الرياض، وكان القصيبي يذهب إلى مقر الشركة ويتلقي الشكاوى الهاتفية مع موظفي السنترال كلما حدث انقطاع ، فلما كان ذاك اليوم، وأثناء تلقيه للاتصالات على سنترال الشركة، حادثه مواطن غاضب قائلا: “قل لوزيركم الشاعر أنه لو ترك شعره واهتم بعمله لما انقطعت الكهرباء عن الرياض”، يقول غازي، ” فقلت له ببساطة: شكرا.. وصلت الرسالة! فقال: ماذا تعني؟ قلت: أنا الوزير ! قال: أحلف بالله! فقلت: والله. وكانت هناك لحظة صمت في الجانب الآخر قبل أن تهوي السماعة”. هكذا نرى الرجل الإداري ينزل إلى المستوى الذي يجب أن ينزل إليه ، لا أن يترفع ويبتعد عن المسؤولية ويكتفي بسماع ما يرفع إليه عن بعد .
أيضا دارت نزاعات فكرية ثقافية بين غازي ومجموعة من الصحويين في أواسط التسعينات، ، فأصدر غازي حينها كتابا بعنوان “حتى لا تكون فتنة” وهو بمثابة الرسالة، يوجهها نحو من جعلوا أنفسهم خصوما له ، حتى انتهت تلك المرحلة بسلام.
تباينت رؤى النقاد حول أدبية غازي فمنهم يراه متطرفا نحو اليسار، وآخرين يروه متطرفا لليمين ، لا سيما في أدبياته الأخيرة ، خاصة قصيدة الشهداء ، التي ارتفع بها عاليا للعمليات (في فلسطين) قبل نحو ثلاث سنوات، وقيل ذلك من الأسباب التي أضعفت العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا، وسببا في نقل غازي من السفارة عائدا إلى الوزارة.


