فلسطين أرض الدين

كتب بواسطة بهجت صميدة

في كتابه القيّم (فلسطين أرض الرسالات الإلهية) يشرح المفكر والفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي أبعاد القضية الفلسطينية برؤية واضحة وبصيرة ثاقبة، وقد ترجم الكتاب الدكتور/ عبد الصبور شاهين، وطبعته مكتبة “دار التراث” بالقاهرة عام 1986 في 687 صفحة.

بدأ جارودي بمدخل (فلسطين  ما هي؟) حيث تعرّف الموسوعة البريطانية فلسطين بأنها: “الأرض التي وضعت تحت الانتداب البريطاني من عام 1923 إلى 1948” وهذا طبعا تعريف استعماري يخدم مصالح الصهيونية.

لكن جارودي يفضل وصف فلسطين جغرافيا بوضعها في موضعها الصحيح بين أخواتها فهي “في القرن الغربي من الهلال الخصيب فبين صحراء شبه الجزيرة العربية في الجنوب والهضاب الصحراوية للأناضول في الشمال وبين أرض السواد الغنية في دجلة والفرات في الشرق، ودلتا مصر في الغرب تمتد تلك المنطقة السعيدة التي أطلق عليها المؤرخ الأمريكي برستيد (الهلال الخصيب)” ص37.

ويحدث تفاعل ثقافي داخل هذا الهلال الخصيب الذي تعد فلسطين جزءا أساسيا منه فيأتيها البدو الرحل القادمون من الصحراء العربية ويأتيها العموريون منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، ويأتيها الكنعانيون ويأتيها الآراميون، ويؤكد جارودي على وحدة هذه الموجات في الأصل فيقول: “أيا ما اختلفت الأسماء فإنهم لم يكونوا عروقا أو عنصريات بل هي موجات من السيطرة المتتابعة في شعب سامي واحد تمتد جذوره داخل شبه الجزيرة العربية” ص38.

وقد أدى تراسب طبقات هذه الشعوب نوعا من الترسيب الثقافي والنمو العضوي لنفس الثقافة وذلك بفضل تكامل المكتسبات المتعاقبة لا من خلال المواجهة والرفض.

ثم يعرض جارودي عرضا سريعا لجغرافيا فلسطين البسيطة مؤكدا انتماءها إلى الهلال الخصيب ويقول عن الهلال الخصيب: “نستطيع أن نعرف الهلال الخصيب بأنه هذا الجزء من العالم الذي أسهم أكثر من أي جزء آخر في وصل الإنسان بالله” ص54.

وبعد هذا المدخل يقسم جارودي كتابه إلى ثلاثة أبوب:

الباب الأول: تاريخ أرض.

الباب الثاني: تاريخ أسطورة.

الباب الثالث: تاريخ غزو.

وفي الباب الأول (تاريخ أرض) يعرض عبر أربعة فصول، فيتناول في الفصل الأول “الحضارة الكنعانية” بداية فلسطين وعروبتها ويشرح المؤلف عطاء هذه الحضارة القديمة وانتماءها إلى الهلال الخصيب أخذا وإعطاء.

ثم في الفصل الثاني (العبرانيون) يتناول أول ظهور للعبرانيين في فلسطين وميلاد التوراة مبينا تأثير الشعائر الكنعانية على الإسرائيليين حتى صاروا حضريين يقول جارودي: “لقد غيرت الحياة في كنف الحضارة الكنعانية تغييرا عميقا طريقة حياة العبرانيين فهجر هؤلاء البدو الجفاة خيامهم ليبنوا بيوتا شبيهة ببيون الكنعانيين وتركوا جلود الأنعام ليكتسوا أقمشة الصوف الملونة” ص126.

كما تناول المؤلف في هذا الفصل الثاني الحديث عن كبار الأنبياء العبرانيين.

وفي الفصل الثالث (فلسطين النصرانية) يتناول المؤلف ظهور يسوع والظروف التي سبقت مجيئه وأثرت في اتجاهاته لكنه يركز على المسيحية الفلسطينية.

وفي الفصل الرابع (فلسطين المسلمة) يسهب المؤلف في شرح المرحلة بدءا من المرحلة العربية منذ فتح فلسطين عام 638 م ويذكر طلب البطريرك النصراني “صفرون” تسليم أورشليم/ القدس لعمر بن الخطاب وكتاب عمر المعروف بـ “العهدة العمرية” ثم يتناول الأحداث التي مرت على القدس، ويسهب في الحديث عن بناء قبة الصخرة في عهد “عبد الملك بن مروان” مبينا دلالتها على وحدة الإسلام مع الأديان الإبراهيمية يقول جارودي: “وهكذا كانت قبة الصخرة رمزا لوحدة الإيمان الإبراهيمي واستمراره الإيمان اليهودي والنصراني والإسلامي” ص197.

ورغم وجود بعض الحوادث الفردية ضد المسيحيين في فلسطين لكن المؤلف يؤكد على عظمة الحكم الإسلامي في فلسطين قائلا: “إن اليهود والنصارى لم يتعرضوا مطلقا في أرض الإسلام لأحداث اضطهاد أو إبادة على نحو ما فعل الغرب مما سجله التاريخ سواء في تلك العربدة الدموية التي اقترفت عندما استولى الصليبيون على بيت المقدس (أورشليم) أو إبادة المانويين في القرن الثالث عشر الميلادي، ومحاكم التفتيش الكاثوليكية التي تبعت استعادة إسبانيا في القرن الخامس عشر ومذابح اليهود التي قامت بها روسيا القيصرية لاستئصالهم ومذابح كيشينيف في أوكرانيا، وأخيرا مذابح ألمانيا الهتلرية ضد الشيوعيين وضد المسيحيين من أتباع الكنيسة المعادية لهتلر وضد اليهود” ص203.

وفي الباب الثاني (تاريخ أسطورة) يبدأ جارودي بمدخل عن (فلسطين في وهم الغرب) يبين لأن القومية الصهيونية لجأت إلى أساطير الجنس والأرض والأسطورة الكتابية وذلك لكي تجيب عن المشكلة التي تؤرقها مشكلة الشخصية اليهودية.

ورغم أن العنصرية ليس لها أساس علمي فإن هرتزل في كتابه “الدولة اليهودية” يلح على فكرة الجنس اليهودي فيقول: “إن اليهود وهم الأعلون ماديا وأدبيا قد فقدوا فقدانا كاملا شعورهم بالترابط الجنسي، إن اليهود الأقوياء يعودون فخورين إلى جنسهم عندما يتفجر الاضطهاد” ص285.

والواقع أن مسألة الجنس والأرض لم يتناولهما هرتزل بسبب أساسهما الموضوعي بل بسبب من قدرتهما على الحشد بل إنه يقول صراحة: “إن المسألة اليهودية في رأيي مسألة اجتماعية لا مسألة دينية على الرغم من أنها تأخذ أحيانا هذه الأشكال وغيرها، إنها مسألة قومية، ولكي نحلها يجب أن نجعل منها قبل كل شيء مشكلة سياسية دولية تناقش وتحل بوساطة جمعية الأمم المتحضرة في العالم، نحن شعب، وشعب واحد” ص295.

كما يتناول المؤلف في هذا الباب أسباب نجاح الصهيونية السياسية ولعل منها تأييد فرنسا وإنجلترا في القرن التاسع عشر لإنشاء دولة لليهود في فلسطين وحل المسألة الشرقية بهدف تفتيت الإمبراطورية التركية.

وكذلك ظهور شخصية “تيودور هرتزل” مؤسس الصهيونية العالمية والذي كان مناورا داهية في  الدبلوماسية وكان يشرح لكل القادة الأوروبيين الذين يلتقي بهم – سواء كانوا من الإنجليز أو الفرنسيين أو الألمان أو الروس وغيرهم – أهمية إقامة هذا الوطن اليهودي لخدمة مصالحهم السياسية والاقتصادية فهو يعلن لكل الأوربيين: “أن إسرائيل ستكون حصنا متقدما للحضارة الغربية في وجه بربرية الشرق” ص319.

وظل يعمل بكل قوته ابتداء من التجهيز لمؤتمر بال بسويسرا عام 1897 حتى إعلان بلفور عام 1917 هذا الإعلان المشئوم الذي قال عنه تشرشل: “إن إعلان بلفور لا ينبغي أن يعتبر وعدا مبذولا لأسباب عاطفية لقد كان إجراء عمليا اتخذ لمصلحة القضية المشتركة حينما كانت خدمة هذه القضية لا يمكن أن تتجاهل أي عامل لدعمها ماديا ومعنويا” ص335.

فقد كان من أهداف إعلان بلفور منع اليهود أن ينضموا إلى الثورة الروسية.

وأيضا كان هناك اعتبار مهم هو أن الصهيونية استطاعت أن تساعد بقوة في اشتراك الولايات المتحدة في المجهود الحربي، وهذا نص الإعلان المشئوم:

“إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي وسوف تستخدم كل جهودها لتسهيل تحقيق هذا الهدف ومن الواضح طبعا أن لا شيء مما سوف يحدث يمكن أن يضر بالحقوق المدنية والدينية لغير اليهود في فلسطين كما لا يضر بالحقوق والأوضاع السياسية لليهود والتي يتمتعون بها في جميع البلاد الأخرى” ص338.

وقد قدم الكاتب “آرثر كوستلر” – دون شك  أفضل تعريف بهذا الخطاب حين قال عن وعد بلفور: “إنه وثيقة تعد فيه قومية “قومية” أخرى رسميا بأرض قومية ثالثة، مع أن القومية التي بذل لها الوعد لم تكن قومية حقا، بل كانت جماعة دينية والأرض عندما وعد بها كانت تابعة لقومية رابعة هي تركيا” ص340.

وفي الباب الثالث والأخير (تاريخ غزو) يتناول جارودي تاريخ الغزو الصهيوني لفلسطين بشيء من التفصيل مؤكدا أنه عندما صدر قرار تقسيم فلسطين من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 كان اليهود في فلسطين يمثلون 32% من السكان ويملكون 5.6% من الأراضي، لكن الدولة الصهيونية تسلمت 56% من الأراضي بما في ذلك أخصب المناطق الزراعية.

وظلت مهمة تجميع اليهود من كل دول العالم للهجرة إلى إسرائيل هي مهمة أساسية للتنظيم الصهيوني العالمي الذي يقوم بأدوار خطيرة للدفاع عن الصهيونية ومقاومة كل من يجهر بالحقيقة عن فلسطين الحرة الأبية فاللوبي اليهودي داخل أمريكا يمثل سطوة حقيقية اقتصاديا وفكريا، ويعد داعما قويا لإسرائيل على حساب غيرها من بلاد العالم بل أحيانا على حساب الأمريكيين أنفسهم!

وبالطبع فإن إسرائيل تؤمن بالعدوان والتوسع على حساب جيرانها وهي تحلم بإسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات كبداية لتكوين مملكة إسرائيل الكبرى.

لكن المقاومة العربية إيمانا من عقيدتها الراسخة وإيمانها بوطنها تظل شوكة في فم إسرائيل لا تمكنها أبدا من فرض سيطرتها على أرض فلسطين رغم كل المجازر التي قامت بها وما زالت تقوم بها إسرائيل تحت سمع وبصر العالم المتمدين الذي يفقد إنسانيته عندما يرتبط الأمر بمصالحه.

ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

بهجت صميدة