مقدمة
تهدف هذه المراجعة الأكاديمية إلى تقديم قراءة معمقة لكتاب “دراسات في السياسة الإعلامية” للكاتب والدكتور عبدالله الكندي، وهو كتاب يُعد ذا أهمية خاصة في الأوساط الثقافية والأكاديمية في سلطنة عمان والخليج العربي. يتناول الكتاب مواضيع نادراً ما يتم التطرق إليها في منطقة الخليج بأسلوب أكاديمي متزن، قائم على تحليل الوقائع بمقاربة منهجية ومفاهيمية دقيقة. علاوة على ذلك، يعبر الكاتب عن آراء واضحة تعكس خبرته الشخصية في مجال الإعلام، مما يمنح الكتاب بُعداً عملياً يتجاوز مجرد الطرح النظري، ويجعل منه مرجعاً قيّماً لكل من يسعى لفهم أعمق للممارسات الإعلامية السياسية في السياقين العماني والخليجي.
قراءة في محتوى الكتاب
يلاحظ أن الكتاب يركز على مواضيع متداخلة تقود في النهاية إلى تسليط الضوء على واقع الإعلام المحلي في عمان والخليج وتعامل الإعلام الغربي والصحافة المهاجرة مع القضايا الخليجية والقضايا المرتبطة بها. بدأ الكاتب بمناقشة استهداف الإعلام خلال حرب الخليج الثانية (1990-1991) وحرب العراق (2003) ، حيث تعكس الفترة المستهدفة في الدراسة التغيرات في البيئة الإعلامية. في حرب الخليج الثانية، كانت شبكة “سي إن إن” الوسيلة الرائدة في تغطية الأحداث، حيث قدمت أخباراً أسرع وأكثر استمرارية، بينما كانت القنوات الناطقة بالعربية أقل تأثيراً على الرأي العام العربي، ما حال دون تمكين المشاهدين من متابعة مجريات الحرب بشكل كافٍ. أما في حرب العراق 2003، فقد تغيرت البيئة الإعلامية العالمية والإقليمية بشكل كبير من حيث تزايد عدد المحطات الإخبارية والصحف المحلية والعالمية، مما زادت وتيرة العنف تجاه المؤسسات الإعلامية، فشهدت تلك الفترة استهدافاً مباشراً لأكثر من 5000 صحفي مقارنة بـ1400 في حرب الخليج الثانية. أضف إلى ذلك، عكست التغطية الإعلامية الغربية، كالعادة، انحيازاً ملحوظاً نحو القوى الكبرى التي تقود الصراع، إذ ظهر “عدم التوازن في تدفق الأخبار بين الشرق والغرب”، إلى جانب التلاعب بالمعلومات من قبل وكالات الأنباء العالمية مثل “سي إن إن”. ومع ذلك، برزت قنوات عربية وخليجية، مثل الجزيرة والعربية وأبوظبي وتلفزيون المستقبل، في تغطية أحداث الحرب، وبدأت بتقديم وجهات نظر مغايرة للإعلام الغربي، مما أتاح للجماهير العربية متابعة الحرب من منظور مختلف يقترب من واقعهم وتصوراتهم.
ويشير الكتاب في فصول كتابه إلى دور الصحافة العربية المهاجرة خلال حرب الخليج الثانية، مركزًا على صحيفتي “الحياة” و”القدس العربي” في لندن. يناقش الكاتب كيفية تأثر الصحف المهاجرة بالأيديولوجيات السياسية، حيث تأثرت “الحياة” بالأنظمة السياسية ودعمها المالي، خاصة من الحكومة السعودية، مما جعل تغطيتها منحازة لأيديولوجيات بعض الدول الخليجية، وسعت لتقديم بعض جوانب حرب العراق بشكل يُرضي السلطات والجمهور الرقابي. وكان لهذا الانحياز تأثير واضح على تغطية الصحيفة لقضايا الإسلام السياسي، حيث لم تتمتع بالحيادية المطلوبة، مما انعكس على مهنية الصحافة في تلك الفترة. في المقابل، كانت “القدس العربي” تتبنى موقفاً مستقلاً نسبياً، حيث دعمت العراق، ونشرت آراء تصف الجيش العراقي بأنه “رابع أقوى الجيوش”، ورغم تأييدها للحل العسكري، لم تكن تغطيتها متوازنة بين الأطراف المتنازعة، مما يبرز تأثر الصحيفة بميولها السياسية. كما اختلف موقف “القدس العربي” تجاه حركات الإسلام السياسي؛ إذ رفضت بعض الحركات وممارساتها في الجزائر ومصر، لكنها أبدت تأييدًا للتفجيرات المنسوبة إليها في السعودية، مما يعكس تضاربًا في مواقفها حسب توجهاتها الخاصة. خلص الكاتب في هذا الجانب إلى أن الصحافة المهاجرة تتأثر بارتباطاتها بالحكومات العربية، لكنها تتمتع بحرية نسبية تفوق الصحف العربية المحلية، مما يتيح لها التعبير عن بعض الآراء التي لا يمكن تداولها في الإعلام الخليجي والعربي التقليدي.
علاوة على ذلك، يقدم الكاتب تحليلاً نقدياً للعلاقة بين حرية الصحافة ومستويات الفساد في دول مجلس التعاون الخليجي خلال الفترة من 2013 إلى 2017، حيث يشير إلى انخفاض مستوى حرية الإعلام في معظم الدول الخليجية باستثناء الكويت، التي صُنّفت كدولة “حرة جزئياً” بينما صنفت بقية الدول كـ”غير حرة”. يوضح الكاتب أن هذا الانخفاض يعزى إلى سيطرة الأنظمة السياسية على الإعلام من خلال التشريعات والقوانين، مما يجعل الإعلام أداة لتحقيق مصالحها. إضافةً إلى ذلك، تستفيد وسائل الإعلام من الدعم المالي الذي تقدمه الحكومات، مما يحد من قدرتها على نقل أخبار الفساد للجمهور إلا في حالات نادرة، بهدف تحقيق أهداف سياسية أو تقديم صورة محسّنة على المستوى الدولي. وفي الفصل الأخير، يسلط الكاتب الضوء على النظام الإعلامي في سلطنة عمان، محللاً التحديات الهيكلية والتشريعية التي يواجهها الإعلام العماني. يشير إلى أن وسائل الإعلام -سواء الحكومية أو الخاصة- لا تتمتع بالاستقلالية، حيث تفرض الحكومة سيطرتها من خلال التشريعات، مما يحد من حرية الصحافة في معالجة قضايا الفساد والانتقاد. بالإضافة إلى غياب استراتيجية إعلامية واضحة، يعاني النظام الإعلامي في عمان من قوانين وتنظيمات قديمة لا تتناسب مع التغيرات العالمية، مما يؤثر سلباً على المهنية والإبداع الإعلامي في السلطنة.
ويقدم الكاتب أيضاً دراسة تحليلية تظهر قصور الأدوار الإعلامية في الخليج، خاصة خلال أحداث “الربيع العربي” التي شهدتها المنطقة في 2011. يبرز الكاتب كيف اقتصرت أدوار وسائل الإعلام آنذاك على تغطيات عامة وتقارير يومية محدودة، دون أن تعكس دعماً للاحتجاجات الشعبية. يُعزى ذلك، بحسب دراسة الكاتب، إلى هيمنة الحكومات على وسائل الإعلام التقليدية وبعض الوسائل الخاصة، وغياب استراتيجيات إعلامية واضحة تحدد دور الإعلام في أوقات الأزمات. كما يشير الكاتب إلى أن الإعلام في الخليج ظل محكوماً بأفكار تقليدية في الرقابة، إلى جانب مخاوف مبالغ فيها تتعلق بصورة الدولة أمام العالم، مما أثر على مستوى التغطية المهنية للأحداث. وبسبب هذه العوامل، ظهرت فجوة واضحة بين ما يتم تقديمه للجمهور واحتياجاته، الأمر الذي حدّ من قدرة الإعلام التقليدي على متابعة التطورات، لا سيما في المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
التحليل والمقاربة
يعد كتاب “دراسات في السياسة الإعلامية” لكاتبه الدكتور عبدالله الكندي من أهم الكتب في المجال الإعلامي في سلطنة عمان ومنطقة الخليج العربي، حيث إن الكاتب تتطرق لمواضيع عدة لم يتم التركيز عليها بكثرة في منطقة الخليج العربي في مجال الإعلام والصحافة، لذلك أعد هذا الكتاب مخزونا وإثراءً جيداً للدارسين والمهتمين في مجالات الإعلام للبناء على ما جاء في محتواه لإثراء المكتبة الإعلامية في سلطنة عمان والخليج العربي. طرح الكاتب رأيه في الكتاب بوضوح مستندا إلى منهجيات علمية ودقيقة؛ مما جعل الكتاب – من وجهة نظر شخصية- أكثر موثوقية على عكس ما ألفناه في بعض الكتب والدراسات السياسية التي تتناول قضايا منطقة الخليج العربي وسلطنة عمان بتواضع، ولا تعبر عن الواقع الذي يطمح إليه القراء. أما من ناحية اللغة، استخدم الكاتب لغة سهلة ورصينة وخالية من التعقيد، وقام على نهج مستمر في شرح المفاهيم الشائكة تتيح للقراء فهم المحتوى، علاوة على ذلك، أضاف سياق تاريخي لجُل المواضيع المطروحة لكي تمكن القارئ غير المطلع على الواقع الإعلامي العماني والخليجي من فهم المجريات التاريخية.
ومقاربةً لما جاء في الكتاب أجد بأن جل المواضيع تتشابه وتتقارب مع ما نجده في الوقت الراهن في التغطية الإعلامية الغربية والعربية والغربية على حرب غزة وجنوب لبنان. حيث كشفت لغة الخطاب المستخدمة في بعض وسائل الإعلام الإقليمية والغربية تحيزها الصريح لصالح السردية الإسرائيلية محكومة بمواقف الحكومات الداعمة ودون الالتفات بشكل متوازن على السردية الفلسطينية، ولعل أبرز المحطات التي تتبنى هذا النهج منذ السابع من أكتوبر 2023 هي “السي إن إن” و”البي بي سي” و”صحيفة نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”، معتمدة بشكل واضح على تصريحات المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين على حد سواء في صياغة رسائلها الإعلامية الداعمة لأمريكا وإسرائيل. في ذات الإطار، لم تكن بعض وسائل الإعلام والصحف العربية والخليجية أقل انحيازا للسرديات الغربية، حيث عمدت بعض القنوات العربية اتجهت إلى مواقف إعلامية لينة تجاه إسرائيل في ظل الضغوط الخارجية للمضي قدما في التطبيع مع إسرائيل. أما في سلطنة عمان، ومن ملاحظة شخصية، أجد بأن الصحافة العمانية كصحيفة “عمان” و”الوطن” و”الرؤية” “والأبزيرفر” التي تصدر بالإنجليزية، خصصت صفحاتها الأولى لتناول القضية الفلسطينية، وقد تكون صحيفة الرؤية، أكثر جرأة في تغطية الأخبار في غزة وجنوب لبنان، حيث تضع عناوين -أعتقد- بأنها أكثر تصريحا لمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية من بقية الصحف. وقد يعزى ذلك إلى أن الرؤية تعد صحيفة خاصة، تتناول مواضيع أكثر قربا من الجمهور العماني. وفي المقابل، بقية الصحف مملوكة للحكومة؛ مما يجعل الأخبار التي تغطيها أكثر حيادية وأقرب للمواقف التي تتبناها حكومة سلطنة عمان.
نبذة عن الكاتب
أ.د عبدالله بن خميس الكندي، أستاذ الصحافة والنشر الإلكتروني، يشغل منصب رئيس قسم الإعلام – كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس منذ عام 2020، وشغل في الفترة من 2011- 2017 منصب عميد كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بالجامعة نفسها. حصل على دكتوراه الفلسفة في الصحافة في عام 2000 من جامعة ريدينج Reading University ، وماجستير الصحافة في عام 1995 من جامعة كارديف Cardiff University في المملكة المتحدة، وبكالوريوس الصحافة والإعلام، عام 1992 من جامعة السلطان قابوس.
من مؤلفاته: رواد الصحافة العمانية الذي صدر في عام 2020 إضافة إلى عدد من المقالات العلمية والمحكمة.
المصادر
الكندي، ع. (2023). دراسات في السياسة الإعلامية (الطبعة الأولى). دار الفارس للنشر والتوزيع.
الحاجي، س. (2024، 30 أكتوبر). التضليل والسياق التاريخي.. “صراع الذاكرة ضد النسيان”. مجلة الصحافة، معهد الجزيرة. https://institute.aljazeera.net/ar/ajr/article/2904
Ulrichsen, K. C. (2023, November 22). GCC States and the War on Gaza: Positions, Perceptions, and Interests. Arab Center Washington DC. https://arabcenterdc.org/resource/gcc-states-and-the-war-on-gaza-positions-perceptions-and-interests/


