ندوة ثقافية , ظاهرة ثقافية , شخصية ثقافية , وربما بطيخة ثقافية أيضا !. توسع مؤخرا استخدام صفة الثقافة في مختلف مجالات الحياة , الأمر الذي يُعزى بالأساس للافتقاد إلى تعريف متفق عليه لماهية لثقافة. فالعادة جرت أن يتعارف العامة على سمات فقط بعينها , لوصف الأفراد بأنهم مثقفون والفِعال بأنها ثقافية. لنقل مبدئيا أن كون شخصا ما لديه فائضا في المعرفة أو كون الفعل له علاقة بشكل أو بآخر بأي حقل معرفي فهي سمه كافية لوصفهم بأنهم مثقفون أو ثقافيون !
ويتشارك العامة مع الفئة المتعلمة الصاعدة في المجتمع ذات الفكرة , عدا أن الثاني يعتبر أن المعرفة العلمية التطبيقية هي خارج إطار الثقافة، ويعود السبب كما يبدو لأنهم يعتبرون أنها –أي الثقافة- مرتبطة اساسا بالفكر والعلوم الإنسانية كالأداب والفن والسياسة والفلسفة والتنظير الاقتصادي. في حين أن العلوم التطبيقية ليس إلا مجرد وسيلة (Mechanism) للتمدن عبر المساعدة على خلق نمط حياة أسهل.
غير أن الثقافة في حالة مغايرة تصبح مرادفا للاصلاح السياسي والاجتماعي في مرحلة ما من حياة مجتمع , بالخصوص عندما تكون الشعوب في أوج رغباتها التحررية , وينطبق الأمر على المراحل الزمنية التي تشهد غلوا في مسألة النقد وطرح الافكار والتنظيرات الاجتماعية والسياسة , أو بما يمكن تسميته ككيان منظم بحركات التنوير , وعليه يصبح كل من كان له دور مُساند في ذلك بأنه مثقف. وإني أرى أن هذا المنطلق أقرب للمعنى اللغوي للثقافة , الذي يعني الفطانة والحذاقة , أو بمعنى آخر القدرة على حل المشكلات والاصلاح.
في مشهد آخر تغدو الثقافة كائنا شعوبيا ما أن تضاف إلى جانب عرقية أو كيان دولي ويتحور معناها لتكون عبارة عن صورة عاكسة لنمط الحياة , اللباس , التقاليد , الدين , الفلكلور والموسيقى , إلخ . وهذا الشكل للمعنى الثقافي شائع في الحديث الرسمي والعام. وكأننا حقا نتحدث عن الانثروبولوجيا ذلك العلم المعني بدراسة عادات البشر وسلوكهم ومعتقداتهم , لذلك كان من الجيد ذكره ان للانثروبولوجيا فرعا يسمى الانثربولوجيا الثقافية !
باجتماع المعاني يصبح لدينا معرفة , اصلاح , وهوية , ويستحيل إيجاد تعريف للثقافة بالجمع بين المعرفة والاصلاح والهوية ؛ وذلك للافتقاد للرابط أصلا. وإذا ما سلمنا جدلا أن الثقافة كهوية شئ عارض , وأن الثقافة الحقيقية تمثل المعرفة والاصلاح وفقط , فسيولد تعريف صغير وهو أنها عبارة عن المعرفة التي يمكن أن تنهض بالإنسانية ،وهو التعريف ذاته الذي صيغ في بعض كتب الفكر الغربي.
أمر كالنهوض بالإنسانية يبدو للوهلة الأولى حركة تنموية وعمرانية فقط , بينما أوضح المفكرون أنها تتعدى ذلك إلى ما هو أبعد , فأي معرفة أو تجربة تساهم في تطوير الجانب الأخلاقي والحس الفني تعتبر نهوضا بالإنسانية وبالتالي هي ثقافة.؛لذا يمكن القول بأنه بناء على التعريف الأخير الذي ذكرناه نستطيع أن نربط الثقافة بالحضارة , كون كل منهما سبب للآخر وبنفس الوقت يدعونا للتساؤل حقا عما إذا كانت الحضارة هي الاصطلاح القديم للثقافة قبل أن يتطور ! وعمّا اذا كانت الثقافة والحضارة شيئا واحدا بالأساس !
عموما , لا نستطيع أن نصف الثقافة بأنها ازدواجية حائرة , وفي خضم هذا الكم من الاعتقادات حول ماذا تعني , يبقى التسليم بأن الثقافة ما هي إلا مفردة يشرح معناها السياق الاجتماعي والوظيفي للمتحدث قبل أي شئ آخر , فحين يتحدث الأديب عنها فهو يقصد الفكر , وعندما يتحدث عنها دبلوماسي فهو يعني بالتأكيد مسألة الهوية , وحينما يصفك أحد من العامة بأنك مثقف , فهو يعني نك على قدر من المعرفة والدراية.
وحينما يبقى هذا الاحتدام والصراع حول الاصطلاح قابعا في الورق فإنه أكثر أمانا حقا من أن تقوم حرب صيفية بسببه ! . لا يهم , فقط كونوا مثقفين كما تريدون وابتعدو عن ضجيج التعاريف فهي مزعجة أو هكذا أرى !!


