القراءة بوصفها بعداً أخلاقياً
“ما الذي نعنيه بأخلاقيات القراءة؟ أليس من الانحراف أو الالتواء في الكلام- إلى حد ما- إن تحدثنا عن قراءة الكتب من ناحية مضمونها أو هدفها الأخلاقي؟ ما قوة الإضافة بسن كلمتي عنوان الكتاب؟ ما الذي تذهب إليه؟ أتعني صيغة من الأخلاق أو شيئاً أخلاقياً يتولّد بالقراءة، مستمداً منها، أن تعني غريزة أخلاقية للقراءة، وتبقى ضمنها؟ أم أن الإضافة في هذا الحال تذهب إلى كليهما في آن واحد؟ في أي معنى يمكن أو حري بفعل القراءة أن يكون ذاته أخلاقياً وله أهمية أخلاقية؟”
أليس من الجدير بنا أن نعتقد أن القراءة إدراك في الأساس، فهم لما يقال، بعدها قد نقوم ببعض الاستخدام الأخلاقي لتلك القراءة، وكأن ما نقوم به شيء عرضي في كل الأحوال فيما يخص الفعل الأساس للقراءة ذاتها؟”.
بذلك الاستهلال الذي يفاجئ هيليس ميلر المتلقي فيه، تنفتح نافذة فلسفية تحرج المتلقي للأسئلة الأخلاقية المتعلقة بالقراءة، التي تبدو محيرة ومقلقة حين يضع “هيليس ميلر” سبابته على منطقة تكاد تكون غير مدروسة، رغم قربها ومألوفيتها، لم يتطرق إليها أحد مثلما تبحّر فيها ميل، إذ يقول ناشر الطبعة الإنكليزية في مقدمته للكتاب: من وجهة النظر القرائية التفكيكية يستجيب ميلر إلى الاهتمام الحالي الواسع الانتشار اليوم الذي يربط الأدب بالمجتمع والسياسة والتاريخ، لكنه هنا يدرس الجانب الأخلاقي في الدراسة الأدبية، وهي المنطقة التي لم يناقشها النقاد التفكيكيون من قبل. ويضيف: لم يقم كتاب من قبل مثل هذا التقصي الشامل للبعد الأخلاقي للقراءة.
يبدو الكتاب، للوهلة الأولى، لمن يشاهد عنوانه، إنه متعلق بكيفيات القراءة أي المطالعة. لكنه على النقيض من ذلك، وهذه واحدة من إشكاليات القراءة من جانب العنونة الحرجة.
كتاب هيليس ميلر ” أخلاقيات القراءة: كانط، دي مان، إليوت، ترولوب، جيمس بنيامين” الصادر حديثاً بالاشتراك عن داري شهريار وشفق. بترجمة سهيل نجم. يفتح الباب على أهم الأسئلة النظرية فيما يتعلق بكيفية قراءة الواقع والتاريخ والنصوص والمفاهيم والعلوم الإنسانية على حد سواء. كتاب “أخلاقيات القراءة” هو الكتاب الثاني بالعربية لميلر بعد كتابه “عن الأدب” بترجمة سمر طلبة، عن المركز القومي للترجمة.
يعلّق علي حرب المفكر اللبناني بتعليق عن كتاب ميلر: أن نعرف لا يعني أن نفكر بصورة موضوعية، بقدر ما يعني أن نخلق موضوعات جديدة للتفكير. نجد مثالاً على ذلك في كتاب “أخلاقيات القراءة” لهيليس ميلر، يتحدث فيه على نصوص فلسفية وأدبية لعدد من كبار المؤلفين، إذ جرت العادة أن نتكلم عن إستراتيجية القراءة أو على سياسة التأويل أو على فن الفهم، لكن هيليس ميلر يقتحم منطقة جديدة لكي يتكلم عن البعد الأخلاقي في القراءة بصورة غير مسبوقة. بذلك يغير مفهومنا للقراءة بقدر ما يثير أشكالية العلاقة بين النص والمسؤولية أو بين الفعل اللغوي والفعل الخُلقي. من هنا جدة هذا الكتاب وأهميته، سواء مجال الدراسة الأدبية أو من وجهة نظر القراءة التفكيكية.
أنموذجات ميلر المختارة في كتابه تتوزع بين الفلسفة والنظرية الأدبية والرواية. واختياره لهؤلاء ليست مصادفة أو اعتباطية، ولو تقصّينا، مرجعياته وتمظهراتها في تحليله، سيبدو متخفّياً، ويصعب التقاطه، البعد الأخلاقي الذي هو موضوع كتابه.
قبل مواجهة السؤال الأخلاقي المحرج للقراءة، ينبغي، بنظري، أن نبحث عن الانفعال الأول المحفز لِأن يقرأ الإنسان واقعه ومفاهيمه ونظائره من المخلوقات وكونه الفسيح، ولِم يبتكر وسائله وطرقه للتعبير عما يدور، ومن أي زاوية يتناول الأحداث الكبرى، تلك الأسئلة، وغيرها العشرات، بمعية أداة ميلر توضح لنا أنه من الضروري إعادة استكشاف واستقراء المتون الإنسانية الكبرى والمؤثرة بسيرورة البشرية بمختلف مصنفاتها واستبانة الجوانب الأخلاقية فيها. ذلك يتضح، بعد الانخراط بتصفح الفصل الأول المعنون” القراءة تقوم بالقراءة” مستحضرين أكثر أسئلة ميلر قلقاً: هل ينطبق الفعل الأخلاقي للبطل في داخل الكتاب مع الأفعال الأخلاقية التي تولدها قراءة الكتاب خارج هذا الكتاب؟ بهذا السؤال، والذي بنظري يحتاج لمادة منفصلة تستكشف تمثلات الأبطال والأساطير وتمظهراتها في الواقع، يفتح نافذة تفضح الكثير، وتُعرّي أكثر مما تنسج خيوطاً نحو نقد يتوافر على أدوات تكتفي بالأخلاق وما ورائها.
إذن، كيف استقرأ المفكر العربي -على الأقل- في القرن العشرين واقعه ومشكلاته وأبعاد محيطه وبيئته بعد الاستعانة بأدوات أجنبية دون إعادة بلورتها وتشكيلها كيما تناسب وتلبّي حاجة مشكلاته التي تختلف بطبيعة البيئة والثقافات، وما إلى ذلك؟
يكشف ميلر واحدة من أخلاق منطلقاته وما يريد دراسته، بالدفاع عن الهجومات على نوع التحليل البلاغي للأعمال الأدبية، وهو المجال الذي يشتغل فيه ميلر مع بعض الأساتذة.
هجومات على ما يدعى بالتفكيكية، ابتداء من “نيوز ويك” إلى أولئك الذين يستخدمون نوعاً مختلفاً من السلطة، مثل والتر جاكسن أو رينيه ويليك، منطلقين من السلبية المفترضة أو “العدمية” لهذه الصيغة من النقد، وكلمة “العدمية” استخدمت في مثل هذه الهجومات على نحو مهلهل- على أقل تقدير- وبطريقة مزيفة تماماً لمعناها الصحيح كما استخدمت، مثلا عند نيتشه وهايدغر. وكما يناقش الأخير بإقناع، إن “العدمية” اسم لانعكاس الميتافيزيقا المتبقية تماماً ضمن افتراضات الميتافيزيقا، ويضيف: أحد أوجه سوء الاستخدام لمصطلح العدمية، بأنه مادة سيئة تعرف التفكيكية والإصرار على أن التفكيكية، كما يدعي الذين يسيئون فهمها، تؤكد أن القارئ أو المدرس أو الناقد حر في أن يجعل النص يعني أي شيء يرتئيه. ص²⁴.
من آخر السطور تلك تظهر بقوة أسئلة تعيد دفة الهم الفكري والفلسفي والأدبي إلى الوراء من أجل معاودة القراءة ونبش المتون التي باتت من المرجعيات الثابتة للبحث بشتى الحقول المعرفية والمصنفات العلمية، دون أي واعز/خُلُقٍ يحرض الباحث، وبموضوعية لا يشوبها أية شائبة. من تلك الزاوية أرى أداة ميلر في استقراء النماذج تشبه درجة الكتابة الصفرية عند رولان بارت. هنا تنفتح بوابتا القراءة والمطالعة على وسعيهما أمام المتلقي، إذ دون محددات ومحفزات، تصبح القراءة/الكتابة، عسيرة على الكثيرين. وإذا ما تساءلنا، كيف استثمر فريدريك نيتشه الفيلولوجيا في أغلب ما كتب دون أن يضيف لها، أو يهدم ويجدد ما كتب على منواله؟
أول مثال، بعد الفصل الأول، يختار هيليس ميلر، في الفصل الثاني تحت عنوان” كانط: القراءة تحكي” الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، ويختار لمناقشة كتابه “أسس ميتافيزيقا الأخلاق” والمفارقة، هي قراءة كانط من هامش، أي إن تمعن في اكتشاف النص من زاوية ضيقة لكنها تفتح لك مغاليق النص كلها. إذ يقول: النص الذي أخذته هنا لكانط هو هامش يدافع كانط فيه عن استخدامه لمصطلح “الاحترام” Achtung. والهوامش كما يعرفها أي قارئ ذكي، هي غالباً الأماكن التي يكشف فيها المؤلف عن نفسه بطريقة ما أو بأخرى وهو يصنع غطاءً دفاعياً لنفسه. إن الهامش غالباً ما يزيل صعوبة، أو يعرّي صدعاً أو فجوة في فكر المؤلف عبر القول إنها هناك، وهامش كانط ليس استثناءً.
إن أغلب أمثلة ميلر مترجمة للعربية، لكنها وللمفارقة، لم تأخذ حصتها من العناية بدراستها وبسطها فوق طاولة الكتابة. ذلك الملحظ بحد ذاته، يكشف التأثرات والميول والتيارات في الكتابة والنقد والتلقي بشكل عام على الباحث والمفكر والشاعر والراوي والقارئ لا يفلت من تلك الماكينات التسطيحية للمتلقي الجمعي. بذلك، قد يتفق القارئ مهما كانت مرتبته وعلميته مع جاك دريدا أو ربما يختلف معه حينما يقول: ينهمك المثال الأخلاقي في جسد الأدب!
إذن، نستطيع القول إن تصويبات ميلر الدقيقة -إلى حد ما- تستحق الفحص والكشف والوقوف، على النصوص المفصلية وإعادة تفكيكها دون الاستعانة بأخلاق لا تتوائم مع النص والواقع.

