استعرضنا في الجزأين السابقين الفكرة المحوريّة لكتاب “لماذا لا يُنصتُ الرجال، ولا تستطيعُ النساء قراءةَ الخرائط” لمؤلّفيه آلَن بِيس وزوجه باربرا(1)؛ والتي تدور حول تقرير الاختلاف الجوهري بين الرجال والنساء، وتأثير ذلك الاختلاف على قدرات كلّ منهما والأعمال التي تلائم كلّ جنسٍ منهما. يمضي المؤلّفان في الأجزاء اللاحقة للكتاب في مناقشة قضايا أخرى تشمل الاختلاف بين الجنسين في الأفكار والطباع والمشاعر وغيرها، كما يناقشان عدّةَ قضايا تشملُ الزواج والعلاقات الجنسيّة والشذوذ الجنسيّ، لكنّها جميعُها تدورُ حول الفكرة الرئيسة التي ناقشناها من قبل.
في هذا الجزء أودّ تسجيلَ بعض التعقيبات والخواطر الشخصيّة التي أجدُ بعضها لازماً لتوضيح موقفي الشخصيّ من بعض أفكار الكتاب، كما أنّ بعضَها ضروريٌّ لكي لا يكونَ استعراضنا للكتاب مجرّد استعراضٍ جافٍّ خالٍ من النقاش والتحليل.
ربّما سألَ بعضُ مَن قرأ المقال بجزأيه السابقين: ما الهدفُ من كتابة المقال؟ ولربّما وردَ على خاطر البعض أنّ كاتبَ المقال يبدو كمن طارَ فرحاً بوقوع هذا الكتاب بين يديه! لكنّني أحسبُ أن جُلّكم قد لاحظَ -إن لم يكن الجميع بشكلٍ أو بآخر- كثرةَ الحديثِ عن “تحرير” المرأة و”تمكينها” و”حقوقها” وغيرها من شعاراتٍ تشملُ ادّعاءَ تساوي المرأة والرجل، وقدرة النساء على منافسة الرجال في مجالاتهم، كما قد لاحظ تسليطَ الضوء على صورةٍ معيّنة للمرأة ومحاولة تسويقها إعلامياً صورةً لما ينبغي أن تكون عليه النساء العمانيّات! وللأسف الشديد جداً فإنّ كثيراً من المسوّقين لهذا الأمر يرفعون لواءَ “العلم” مدّعين –جهلاً أو تدليسا-أنّ العلمَ يثبتُ تساوي الجنسين، كما أنّ جلّهم ينفرُ من أيّ دراسةٍ تصدرُ عن مسلمين أو عرب، فيما يتلقّفون ما يصدرُ عن الشرق أو الغرب –خصوصا-بالقبول والتمجيدِ والتسليم! لذلك يأتي هذا المقال بأجزائه الثلاثة ليكشفَ لمن قد يُخدَعون بتلك الدعاوى وعن طريق كتابٍ ألّفه زوجان غربيّان أنّ العلمَ والدراسات والتجاربَ العلميّة لم تأتِ إلا مؤكّدةً لحقيقةٍ واحدة وهي أنّ الجنسين مختلفان تماماً وأنّ دماغَ كلٍ منهما يعمل بشكلٍ مختلفٍ عن الآخر.
هل كنّا بحاجةٍ لذلك الكتابِ وتلك الدراسات لنتأكّدَ من تلك الحقيقة؟ شخصيّاً لم أكن في حاجةٍ لذلك فأنا أؤمنُ بكتاب الله الذي جاء فيه: (وليس الذّكرُ كالأنثى)، لكن ما كنّا في أمسّ الحاجة إليه حقاً هو أن يقومَ المختصّون ممّن يؤمنون بكتاب الله وينتمون إلى دينه بإجراء التجاربِ العلميّة لكشف أوجه كيف أنّ الذكرَ ليس كالأنثى؛ وهل يشملُ التركيبَ البدنيّ والأعضاءَ الحيويّةَ فقطّ أم يتعدّاه إلى طريقة عملِ الدماغِ وطرقِ التفكير والمشاعر والطباع؟ ولكم أن تتخيّلوا لو أنّ بعضَ من يقضون وقتَهم في “نقد التراث” ومحاربة “التقليد” قضوا بعضاً من ذلك الوقت في إجراء شئٍ من تلك التجارب؛ حجمَ الدراسات التي كان بإمكانهم القيامَ بها والنتائجَ الكثيرةَ التي كانوا سيخرجون بها ويقدّمونها للبشريّة عوضَ أن ننتظرَ غيرَنا ليقومَ بها ويأتيَ ليؤكّد لنا علميّاً ما كان بين أيدينا وأدرنا ظهرنا له! وينسحبُ الأمر على أحكامَ أخرى كثيرةٍ وردت في كتاب الله أو في سنّةِ رسوله الكريم (صلوات ربي وسلامه عليه)، فقد كان بالإمكان أن يقومَ المختصّون –الأطبّاء منهم خصوصا- بإجراء تجاربَ على تأثير الجَلْدِ على جسم مدمن الخمر –مثلا- لكشف أسرار لِمَ جُعلَ الجَلْدُ حدّاً لمعاقر الخمر، لكن يبدو –وللأسف الشديد- أنّ أصحابَنا يعانون من مشكلتين: جهل الأولويّات والعجز عن القيام بالتجارب العلميّة، ودونكم مثالاً ذلك الطبيبُ الذي يكتبُ منكراً حدّ الرّجم ومشنّعاً عليه بأسلوبٍ إنشائيٍّ بعيدٍ كلّ البعد عن الأساليب العلميّة، فهل حدّ الرجم مطبّقٌ في بلادنا ليكونَ البحثُ فيه أولويّةً تطغى على غيره من قضايا؟! ثمّ إنّه كان المتوقّع من طبيبٍ “باحثٍ” حقاً أن يقضيَ بعضاً من وقته في المختبرات مجرياً شيئاً شبيهاً بتلك التجارب التي أشرنا إليها ليخلصَ مدعوماً بنتائج علميّةٍ موثّقةٍ إمّا لتأكيد ما يؤمنُ به من كتاب ربّه أو لردّ ما يرى أنّه لم يثبت عن رسوله (عليه أفضلُ صلاةٍ وتسليم).
وبعد هل يعني هذا أننّي أوافقُ مؤلّفَي الكتاب في كلّ ما كتباه أو أنّني أؤمنُ بكلّ ما وردَ في الكتاب؟ الجواب لا، فأنا امرؤٌ مسلم أؤمنُ بكتاب الله وأجعله مرجعاً أحاكمُ إليه كلّ شئ، فما وافقَه علمتُ أنّه صواب وما خالفه تيقّنتُ أنّه خطأ ولو ادُّعيَ أنّه “علم”، فالعلمُ –قطعاً- لن يأتيَ بما يناقضُ كتاب الله، وإن أتى “العلمُ” بما قد يبدو مناقضاً فاتّهم “العلم”، والشواهدُ من التأريخ على ذلك كثيرةٌ جداً، ولعلّنا نضربُ مثالاً على ذلك بالسؤال العلميّ حول ما إذا كان الكون قديماً أزلياً أو أنّ له بداية؛ فحتّى عشرينات القرن الماضي كان “العلم” يكادُ يُجمعُ أنّ الكونَ أزليّ، حتّى نشرَ هابل مشاهداته التي أظهرت تمدّدَ الكون، وأثبتت الدراسات التي تلت ذلك أنّ للكون بداية.
وأخيراً قد يأتي من لا يجيدون القراءة ليفهموا من كلامي أنّني أقول بأفضليّة الرجال على النساء، وقد اُتّهمُ بمعاداة المرأة، لذلك أقول: ليس عدوّاً للمرأةِ من يقبلُها ويريدُها أن تكونَ امرأةً كما خُلقَت، بل العدو الحقيقيّ للمرأة من يطلبُ منها أن تكون رجلا.
(1)
Alan & Barbara Pease., (2001), “Why men don’t listen & women can’t read maps”, Orion Books Ltd: London

