التقينا حين جرح.. كنتِ ساقطةً لتوّك من ارتفاع عاطفيّ شاهق، وكنت خارجا توّي من اكتئاب عاطفيّ طارئ، وحينما التقينا، لملمت بعض شظايا سقوطك الحادّ كزاوية عمودية مُدِدَت على أفق، وأخذتِ تمسحين غبار الحزن من زجاج عينيّ.. فاستقامَ عمودك العاطفيّ قليلا لما يكفيه لوقفة متقطعة الصمود، واتضحت الرؤية أمامي قليلا لما يكفي لرؤيةٍ متزنة الهدوء.
التقينا حين فرح.. وكنتُ لحظتها أُلبس وجهي ابتسامة بعرض السماء، وكنتِ تضعين على كتفيك العاريين وشاحاً بخفّة الضحكات.. وحينما طوّقت ذراعاك كتفيّ، أطلقنا ساقينا للرقص.. فاهتزّ جسدينا وانتعشت روحانا..كأن السالسا هي الحقيقة وما حولنا مجرد اضطرار مجتمعيّ مؤقت. أوقفنا الكثير من الصمت، واختزلنا الفرح. امتلأتُ بك,,امتلأتِ بي.
التقينا حين حزن، كنتِ تنفضين عنك بعض شرود، وحينما داست قدماك الرقيقتان كرمل، على سلّم الحروف اهتزّ اليقين، كنتِ أقرب لحظتها للبكاء,, لكنك ابتسمتِ. فتدحرجت المشاعر، تعدّتني وأنا أرقُب امتزاجها بغبار الظروف وخجل البوح، كنتُ قبل التقاءنا، أرقبُ احتراق مصابيح الضوء في القلب. وأكتشف افتقار النفس لطوارئ الفرح.
التقينا حين صمت، وجدتُ بعض حروفكِ مبعثرة على منضدة الإنتظار، وكنتُ تركتُ كلماتي مكوّمة تحت رماد الغياب. فاستوقفَت عيناك فضولي، اتكأتُ على جدار الرحيل كي ألتقط أنفاس الهجر. كانت أنامل الوجد تمرّ على مرفق الوصل تتحسس نبضه، وفضولي يتمدد على نهار عينيك الآيل للغروب. فاحترقتِ بالكلمات، وتبعثرتُ مع الحروف، وماتت رسائلنا في الصمت.
التقينا حين موت، رأيتك تُفرغين مشاعرك في سلّة مُنسَيات، وكنت أعلّق عواطفي على حائط ذكريات، فتسربت رائحة مشاعرك العبقة كياسمين، وطار غبار عواطفي المحترق كرماد. وبين ظلمة جرح، وحزن فراق؛ تمدّدت الوحشة على كنبة غرام خشنة الملمس مهتزّة الثبات. أنكر حائط الذكريات عواطفي فتناثر زجاج براويزها ومزّق الصوّر. وامتلأت سلة المُنسيات من مشاعرك، ففاضتها حكايا غير منتهية.
التقينا حين حب، كانت مشاعرك منهكة من كثرة التنقّل، ووخزات الحزن تقتفي آثار الحلم والأمل في مساحات القلب داخلك فتعمّرها بالحسرة والوجع. وكنت أجلسُ قبالة الذكريات، أحتسي شاي المرارة وأقلّب في كفّي أساور الخيبة. وحينما احتضَنت مقلتاكِ حيرتي، تسارع نبضانا، والتصقت الحروف ببعضها، لكنّ مشاعرك المنهكة ما عادت تثق في نبض يتسارع، وذكرياتي المنسكبة تنزلق على أرضها الحروف. ذهبنا نحن وبقيت مقلتانا في حالة حب لم تكتمل.
التقينا حين سفَر، كانت الحقائب أحزاننا المرّتبة بأناقة. وعيناك مطارُ لكل الأحلام المغادرة، ودخان سجائرك مهرجان سريّ لبكاء مؤجل. كنت أقرأ سعادة السفر المؤبد والمؤقت في وجوه المسافرين، وكنتِ تكتبين عن البلاد التي لم نزرها يوما.. والجنّة التي لم تُخلق لنا. فأمسكتِ كفّي، فارتعش النبض، قلتُ: لا أزال أحب حزني؛ فابتسمتِ ثم دسست برشامة حب تشي عن سعادة مؤجلة.. قلتِ: التقطْنا الحزن من هنا، وآن أن نكتفي.. أما لهذا الحزن نهاية. قلتُ: تنتهي الأشياء كما ينتهي الإنسان، ولكن الحزن لا ينتهي. شددتِ على قبضتي، قبل أن تتركي قبلة باردةً وتودعينني. شيّعتُ أناقة الحزن. وأخذت معي دموعك وحزنك وخيبتي، دون أن تشيّعين اهتزاز الجرح خلف بوابة المغادرون.
نبهان الحنشي

