مجدي يونس الحاصل على جائزة كتارا للـ”الفلق”: حلمي الأدبي هو كتابة التاريخ، لكنه تاريخ من صنعي أنا

كتب بواسطة رابعة الختام

حوار أجرته/ رابعة الختام

يختلف الروائي المصري الشاب “مجدي يونس” عن أقرانه من الأدباء الشباب، حيث اتخذ طريقاً صعباً لكتابة الرواية والقصة القصيرة. كما كتب بعض السيناريوهات لأفلام تسجيلية شارك بها في دار الأوبرا المصرية، متخذاً من دراسته للغة العربية مرتكزا للتقنية السردية التي يستخدمها. غالبا ما يستخدم جملا وتعابير مغايرة ومهجورة تبتعد عن الاستسهال وتبحر في قيعان اللغة لتصل إلى درر لغوية فريدة. له مشروع أدبي مختلف، يقوم على إحياء أهم الكلمات والمصطلحات الضاربة في القدم، من اللغة العربية.

 إلتقته “الفلق” وكان معه الحوار التالي..

**رغم كونه سؤالاً معتاداً، ولكن لابد منه، متى فار التنور وإنكشف النقاب عن الأديب بداخلك، ببساطة حدثنا عن بدايتك الأدبية، وكيف إكتشفت موهبتك؟

* بدايتي الأدبية كانت مبكرة جدا، بدأت شفهيا، في الصف الخامس الابتدائي كنت أجمع أطفال الحارة، وأحكي لهم قصصا خيالية إرتجاليا من وحي خيالي دون ترتيب مسبق، كانت تشد الأطفال جدا، لأنها تشبه قصص ألف ليلة وليلة، وفي الصف الثاني الإعدادي وعمري اثنتا عشرة سنة بدأت أكتب في دفاتر المدرسة. كتبت في تلك الفترة ثماني قصص، أولها قصة المتاهة، ومازالت احتفظ بهذه القصص حتى الآن، هي حكايات أقرب منها إلى روايات، هذه كانت بداياتي، ثم بعد ذلك بدأت أخصص وقتا للقراءة وآخر للكتابة، وبمرور السنين بدأت موهبتي تثقل وتصقل لإتساع المدارك والإطلاع وتراكم الخبرات، كنت في كل عام أكتب رواية أو مجموعة قصصية، ومازالت بعض هذه الروايات حبيسة أوراقها، ولم أتوقف عن الكتابة، حتى حين سافرت للعمل بالخارج لم أتوقف، ولكن قلَّت كتاباتي، وقررت نشر أعمالي، فأخرجت بعضا من رواياتي القديمة، حررتها من محبسها، وبدأت أصقلها وأنقحها وأراجعها، وبدأت النشر عام 2019، بروايتين ومجموعة قصصية.

**أعمالك الأدبية متنوعة بين الروايات والمجموعات القصصية، وموضوعات الروايات بين الرعب والرومانسية، وبين السرد الاجتماعي والخيالي والواقعي والكتابة للفتيان، ما دلالة هذا التنوع؟

*التنوع سمة كونية، ومن لا ينوع يئد نفسه. أن حصر الكاتب في نوع معين من الأدب قتل لموهبته وحبس لذخائر عقله، فالكاتب اللبيب هو من يعرف من أين تؤكل الكتف، يكتب في جميع الأنواع والموضوعات الأدبية: قصص قصيرة، روايات متنوعة مزيج من الرعب والخيال، الواقع، الدراما، الكوميديا، الأطفال، الفتيان، السرد الرومانسي، التاريخي، البوليسي والفانتازيا. هذا هو الكاتب الذي يريد أن يطور نفسه، ويعلي من قيمته ومن أدبه وفنه، وهذا دأب الكتاب العظماء أمثال نجيب محفوظ، دوستويفسكي، تولستوي، خيري شلبي، ماركيز، وغيرهم.

**ذكرت فئة الفتيان والأطفال، وقد فزت بجائزة كتارا للرواية عام 2021 عن فئة رواية الفتيان، حدثنا عن هذه التجربة، وماذا تمثل لك؟

*رواية الفتيان لم تكن في الحسبان في ذلك العام. قررت المشاركة بعمل من ضمن الروايات الحبيسة في أدراجي، أخرجتها من محبسها، نقحتها، وأضفت إليها، وراجعتها مرارا، ثم توكلت على الله عز وجل، وتقدمت بها. لم أشغل بالي نهائيا، هذه المرة، حتى جائني إتصال من إدارة الجائزة تبشرني بفوز روايتي للفتيان “الهاربون والمجتمع الأخضر” بجائزة كتارا. لا أستطيع أن أصف مدى فرحتي وسعادتي، سجدت لله شكرا، وتهللت، وحمدت الله كثيرا، هذه الجائزة أعادتني مرة أخرى إلى الحياة الأدبية، لأني عشت فترة عصيبة قبلها في صيف 2021 في أجواء كورونا، ورأيت الوضع الأدبي العام غير مبشر، فقررت إعتزال الكتابة لفترة، ولكن حين رزقني الله بتلك الجائزة شعرت أنها رسالة من الله لي أن اثبت واستمر في كتاباتي، وقد كان، اجتهدت في تلك الفترة، والحمد لله كتبت بعدها رواية أسرار التربي، ورواية قيعان الشمال.   

** رواية قيعان الشمال ما تصنيفها هل هي رعب أم ماذا؟ ثم حدثنا عن الفرق بينها بين رواية أسرار التربي؟.

*هذا ضمن التنوع، رواية أسرار التربي هي جزء من ثلاثية بدأت فيها عن العالم الآخر. أول جزء في هذه السلسلة هو رواية أسرار التربي، تتحدث عن حكايات كثيرة منها ما هو صحيح وواقعي سواء في العصر الحديث أو القديم، ومنها ما هو خيالي. نسجت الجميع بخيط واحد حتى أصبحت على ما هي عليه، وهي ليست رعبا بحتا، وإنما فيها وقائع بعضها مخيف ومرعب، والبعض الآخر لا رعب فيه.

من وجهة نظري الرواية تصنف رواية واقعية، ولكن واقعية العالم الآخر، أو بعبارة أخرى مزج بين عالمين عالم الواقع المعاش، وعالم البرزخ والقبور.. ونشرت هذه الرواية في 2023، أما في عام 2024 فنشرت لي رواية قيعان الشمال، وهي أيضا تقع في بؤرة التنوع، فهي ليست رواية رعب إطلاقا. لقد كان من الأهمية أن أنشر في عام 2024 الجزء الثاني من ثلاثية أسرار العالم الآخر، ولكن من أجل التنوع قررت أن أنشر رواية قيعان الشمال، وهي رواية واقعية من واقع مصر، تبرز الصراع الطبقي بين طبقة الأغنياء والفقراء. تظهر الرواية المساوئ والمحاسن في كل طبقة، مع المقارنة بين تلك الطبقتين، وما يقع بينهما من أحداث، والصراع بين الخير والشر، مبينة عوار تلك الصراعات ومقتحمة مناطق صعبة قليل من يقتحمها. تعد رواية قيعان الشمال ملحمة صغيرة عن الحب والبغض والحقد والانتقام والكراهية والهجرة والفقر والغنى والفحش والطيبة، وغير ذلك من الصفات الإنسانية.

**ولكن عنوان الرواية يوحي بشيء من الغموض؟

هذا صحيح، وهو مقصود، أقول لك إني انتهيت من كتابة الرواية وقد عنونتها عنوانا آخر، ولكن حين أنهيت كتابتها ظللت عاكفا فترة من الوقت مفكرا في عنوان مختلف، استخرجت منها أكثر من عشرة عناوين حتى استقررت على عنوان قيعان الشمال. فيه غموض من حيث اللغة، فكلمة قيعان جمع “قاع”، وهو جمع قليل الاستخدام، ثم كلمة الشمال أيضا من حيث اللغة قد تنطق بكسر الشين أو بفتحها، وفي كلا النطقين المعنى مختلف، وهذا المقصود، والمعنيان مرادان، فالعنوان له مدلول حسي ومدلول معنوى، ومن يقرأ سيفهم ويدرك ذلك جيدا.

**ما الذي لم تكتبه، وتفكر في كتابته؟

*حلمي الكتابي هو الكتابة في التاريخ، ولكن تاريخ من صنعي أنا، تاريخ عن الناس والوطن، بدءا من مجتمعي الصغير قريتي “البجلات” وما دار فيها منذ عهد المماليك حتى هذه اللحظة. سيكون ذلك وكأنه كتاب تراجم وسجل حافل عن شخصيات عاشت في قريتي ذات تأثير إما سلبا أو إيجابا.

**رجوعا مرة أخرى إلى التنوع في أعمالك نرى أن لك مجموعة قصصية واحدة وهي “سر المذبوح”، فهل ستؤاخي هذه المجموعة قريبا؟

*أضحكتني، أعجبني تعبير ستؤاخي، إن شاء الله عن قريب ستكون لها أخت مميزة متنوعة مثلها، أعكف عليها حاليا ستكون مجموعة قصصية فيها كثير ـ على حسب ظني ـ من   الإبداع والتجديد والابتكار.

**ما دامنا نتحدث عن التنوع في أعمالك، فإننا نلمس في مجموعة “سر المذبوح” تنوعا مميزا، فهل لك في ذلك اتجاه أو محور أدبي معين، أم مجرد قصصا متنوعة تنتمي إلى أنواع مختلفة من فن القص، حدثنا أكثر عن هذه النقطة؟

*كلامك صحيح، وهذا عن قصد مني. أنا أكتب مجموعة قصصية متنوعة في مضامينها وموضوعاتها، لقد ذكرت سلفا أني منذ بداية كتابتي كنت أكتب قصصا قصيرة وروايات باستمرار، وعندما أردت نشر مجموعة قصصية، رجعت إلى أدراجي حررت ما كتبته، وقرأتها كلها، وإخترت منها ست عشرة قصة، وهي التي إشتملت عليها المجموعة القصصية سر المذبوح، وأردت أن تكون متنوعة؛ لذلك تجد فيها قصصا رومانسية مثل “النظرة الأولى والأخيرة”، “ياسمينا”، وقصصا اجتماعية مثل “شيء آخر غير الحياة”، و”عيد ميلاد”، وقصصا عن الحارة المصرية استلهاما من عالم الأديب نجيب محفوظ مثل قصة “نفس لوامة”، “النار”، “حديقة حيوان”، وقصة حديقة حيوان فيها لمسة من الفانتازيا ممزوجة بالواقعية. أيضا تضم المجموعة قصصا فلسفية مثل قصة “الرؤيا”، وقصص نفسية مثل “قصة العوائق”، وفيها قصص دينية بها ملمح فلسفي مثل قصة “طريق الضلال”، وفيها قصص روحية مثل قصة “سر المذبوح”، وفيها قصص مرتبطة بالعالم الآخر مثل قصة “مغتصب بين الرفات”، و”قصة نداء المعذبين”.

**من خلال تتبع أعمالك الأدبية نرى شغفك بالعالم العجائبي الغرائبي.. فهل هذا صحيح، ومن تتبع في ذلك؟

*هذا صحيح، عالم الغرائب والعجائب، أو ما يسمى بالواقعية السحرية عالم له مذاق خاص، وكل من ولجه وسار فيه وتأثر به تطور أدائه وأسلوبه، ولكن المهم ألا تقلد تقليدا محضا، بل يجب على الكاتب أن يترك بصمته في عالم الأدب. وهذا العالم الغرائبي والعجائبي هو من التراث الشعبي المتمثل في ألف ليلة وليلة، وأيضا في التراث الديني كحديث الهدهد مع سيدنا سليمان عليه السلام، والإتيان بعرش بلقيس من سبأ في اليمن إلى فلسطين، وتسبيح الجبال والجمادات والطير وحديث النملة وغير ذلك.

أما بالنسبة إلى من أتبع فإني في البداية متأثر بما جاء في الدين الإسلامي، وأيضا متأثر بألف ليلة وليلة بدرجة تصل إلى الهوس بهذا الكتاب، أما بالنسبة للكتّاب فإن ماركيز هو من تأثرت به كثيرا في هذا العالم.

**تطرق إلى من تأثرت بهم في العالم الغرائبي، حدثنا عمن تأثرت بهم في الأدب عموما أو بعبارة أخرى من هم آباؤك الروحانيون في الكتابة؟

*في البداية أحب أن أقول إن الكتابة لا تأتي من فراغ ولا من عدم، وكل كاتب له من تأثر بهم، وقلدهم في البداية، واصطبغ بصبغتهم سواء بطريق مباشر أو غير مباشر. لكن الذكاء أن لا تبقى مقلدا لهم، فعند مرحلة معينة يجب أن تنفصل عنهم، ويبقى تأثيرهم عليك تأثيرا بعيدا أو بقصد الإعجاب لا بقصد التقليد الأعمى لكل ما يكتبونه، أما بالنسبة إلى من تأثرت بهم فهناك بعض الكتاب العرب في مقدمتهم نجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس والرافعي والمنفلوطي، أما بالنسبة لكتاب الغرب فهناك كثير ممن تأثرت بهم مثل تشارلز ديكنز، دوستويفسكي، تولتسوي،  تشيخوف، ماركيز، جوجول، شكسبير، ألكسندر دوما الأب والابن، ولكن كل هؤلاء في كفة، وتأثري بجيمس جويس في كفة أخرى، ولاسيما فيما يتعلق بعشقه    للغة وتعمقه وتبحره فيها.

** كيف تأثرت بالكاتب الأيرلندي جيمس جويس، ولاسيما في لغته وعشقه لها، اللغة من الأشياء المميزة لديك وهذا ما يلاحظه كل قارئ لأعمالك الأدبية… هل هناك خطة ما بخصوص اللغة؟

*اللغة العربية بالنسبة لي حلم ومشروع وخطة بعيدة المدى. اللغة تستحوذ جزء كبير من قراءاتي اليومية، ولاسيما القراءة في المعاجم، وهذا ما اكتشفته أخيرا أن من الهوايات المفضلة لدى جيمس جويس هي القراءة في المعاجم. سعدت لأني تشابهت معه دون قصد في هذه النقطة. اللغة لدي مشروع أدبي قائم بذاته، أستطيع أن أقول إن اللغة هي بطلة أعمالي الأدبية. إن لم تخرج من كتاباتي إلا بعض المفردات اللغوية، أو التراكيب أو الأساليب فهذا يكفي، ونجاح كبير بالنسبة لي. أنا لا أكتب لأي أحد أنا أكتب لعشاق الأدب الحقيقيين، واللغة هي العنصر الوحيد الذي لم يتأثر بما يسمى بالحداثة أو ما بعد الحداثة، فالحداثة كسرت كل قيود الرواية الكلاسيكية باستثاء اللغة، لم تنتصر عليها؛ لأن محور الكتابة الأدبية هي اللغة، فإذا هدم هذا الركن فلن يكون هناك أدب، واللغة بالنسبة لي انتقائية، مثل بائع المجوهرات أظل أبحث عن الكلمة المناسبة والثمينة. عندي وزن نسبي للكلمات، لا أكرر الكلمات كثيرا، أحب أن آتي بمفردة جديدة تؤدي نفس المعنى.

جديراً بالذكر أن مجدي يونس قاص وروائي مصري حائز على جائزة كتارا في الرواية لعام 2021 فئة رواية الفتيان عن روايته ” الهاربون والمجتمع الأخضر “، وهو حاصل على ليسانس آداب وتربية في اللغة العربية والدراسات الإسلامية من جامعة المنصورة. له عدة أعمال أدبية منها روايات (حياة الرماد، نبض الخائن، أسرار التربي، المسوخ، قيعان الشمال، سارق الموتى واللعنات السبع)، إضافة إلى رواية الهاربون والمجتمع الأخضر أدب ناشئة وهي الرواية الفائزة بجائزة كتارا في دورتها لعام 2021. كتب يونس مجموعة قصصية واحدة هي، “سر المذبوح”، كما له العديد من الأعمال الفنية منها في مجال السيناريو مثل الفيلم التسجيلي القصير ” مين اللي ميحبش أحمد ” عرض في دار الأوبرا المصرية في ديسمبر    2021 عن الفنان أحمد عبدالعزيز، و” جفنها علم الغزل ” عن الفنانة صفية العمري، عرض في دار الأوبرا المصرية مارس 2022، وأيضا ” خلطة إلهام ” عن الفنانة الكبيرة إلهام شاهين عرض في دار الأوبرا المصرية يونيو   2022، وكذلك فيلم تسجيلي قصير عن الفنان القدير يحيى الفخراني بعنوان ” يحيى الفن ” عرض في دار الأوبرا المصرية سبتمبر 2022.

حوارات مختارات الأدب

عن الكاتب

رابعة الختام