عادت – أخيراً – مجلة “الفلق” لجمهورها من القراء العُمانيين والعرب، بعد خضوعها لمشروع تطوير استهدف ظهورها للقراء في ثوب جديد وقشيب وتبويب يتناسب ومتطلبات العصر.
“الفلق” التي كانت تصدر في أربعينيات القرن الماضي في زنجبار على شكل صحيفة باللغة العربية، أسسها آنذاك الشيخ هاشل بن راشد المسكري، وأعاد إصدارها في نسخة إلكترونية حفيده المهندس سعيد بن سيف بن هاشل بن راشد المسكري، كانت من أوائل الصحف العربية التي صدرت في شرق افريقيا بعد الحرب العالمية الأولي.
وكانت “الفلق” عبر إصداراتها المتتالية منذ أربعينيات القرن الماضي ساهمت في إبراز النتاج الثقافي العماني النخبوي إلى الوطن العربي وإلى العالم، مهتمة بالجوانب السياسيَّة والثقافيَّة والفكريَّة، واليوم تكمل مجلة الفلق الإلكترونية المسيرة لتكون امتدادا لتلك الصحيفة الخالدة.

يدلنا كتاب “الصحافة العُمانية المُهاجرة وشخصياتها: الشيخ هاشل بن راشد المسكري نموذجاً”، لمؤلفه الدكتور محسن بن حمود الكندي، والصادر عن رياض الريس للكتب والنشر، يدلنا على أن الصحافة العُمانية التي كانت تصدر في زنجبار وأفريقيا الشرقية ما هي إلا تعبير صادق عن ذلكم الوجود العربي العماني الممتد إلى أعماق الوجود البشري في عمان وشرق إفريقيا.
ونتعرّف من خلال صفحات الكتاب، على أنه كان هناك تفاعل وحراك بين عرب الجزيرة العربية والأفارقة منذ القرن الأول للميلاد، وأن هذا التفاعل قديم ولم تكن بدايته كما يعتقد البعض مع هجرة أو انتقال الملكين العمانيين: سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد بن الجلندى بعد حروب طاحنة بينهما وبين الوالي الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي؛ الذي توجّه بقوة إلى إخضاع عمان للسيطرة الأموية.
وأن هجرة سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد بن الجلندى، لم تكن للمجهول، بل سبقهما وجود عربي عماني إلى هناك.
وهكذا، وبحسب الكتاب، فقد شهدت مناطق الشرق الأفريقي، وجوداً عُمانياً إسلامياً مُبكراً، حيث تكوّنت الإمارات العربية الإسلامية على طول الساحل الشرقي للقارة السمراء.

كتاب “الصحافة العُمانية المُهاجرة وشخصياتها: الشيخ هاشل بن راشد المسكري نموذجاً”
وقد تكثّف الوجود العماني في أفريقيا الشرقية في عهد السلطان الهمام الباسل الضرغام سعيد بن سلطان ويزداد اتصال العمانيين بها؛ نظرا لاستقرار السلطان المذكور هناك واتخاذه زنجبار عاصمة ثانية لإمبراطوريته العربية الأسيوية الأفريقية واتساع نفوذه، وبسط مملكته حتى البحيرات الوسطى في القارة السمراء.
ويعبّر عن ذلك النفوذ والتوسع البيت الشعري القائل:
إن تعالى المزمار في زنجبار
رقص الناس في البحيراتِ رقصا
وبعد السلطان سعيد بن سلطان تعاقب أبناؤه ثم أحفاده على الحكم، وهناك شهد الوجود العربي العماني دورة حضارية جديدة قوامها نشوء المؤسسات كالمحاكم والمدارس والمعاهد والمستشفيات وتنظيم الأمور العسكرية والمدنية في إطار هيكلة الدولة، ولعل ذلك المرسوم الذي أصدره السلطان ماجد بن سعيد بن سلطان سنة ١٢٧٦هـ الذي يتضمن أحكاما وتشريعات مقسمة إلى خمسة أبواب دليل على ذلك، ويعتبر بمثابة النظام الأساسي للدولة آنذاك.
صاحبة الجلالة
ومع تلك التطورات التنظيمية في بنية الدولة والمجتمع، كان لابد – بحسب مؤلف كتاب “الصحافة العُمانية المُهاجرة وشخصياتها: الشيخ هاشل بن راشد المسكري نموذجاً” – من وجود “صاحبة الجلالة” الصحافة، وصدرت بالفعل بعض الصحف التي كان أشهرها “الفلق”، التي كانت أيضاً أطول تلك الصحف عُمراً، وأغزرها مادة؛ حيث أنها كانت مصبّا لأفكار الكثيرين من أرباب العلم والفكر، وميدانا يتبارى فيه أهل الحكم والقلم، من بين كاتب لمقال إصلاحي أو قائل لقصيدة شعرية، أو طارح لفكرة اجتماعية.
ويُحدثنا مؤلف الكتاب، عن مؤسس صحيفة “الفلق” في زنجبار، فيصفه لنا بـ “الشيخ الزعيم الوجيه هاشل بن راشد المسكري”، ويشير إلى أن “المسكري” كان في طليعة أولئك الأشخاص الذين قامت عليهم وعلى فكرهم صحيفة “الفلق”، حيث بثّ فيها وعبر صفحاتها شجونه الإصلاحية، وشؤونه الاجتماعية، وهمومه الوطنية.
ووفقا لصفحات كتاب الدكتور محسن بن حمود الكندي، فإن الشيخ هاشل بن راشد المسكري، كان يتميز بصفات حميدة كثيرة وخلال مجيدة، أهلته موضع الزعامة ومكانة الوجاهة، فقد كان ملجأ للضيف، وكهفاً وملاذاً للضعيف، وموئلاً لطلاب الحاجة.
وقد جمع لنا “الكندي” في كتابه “الصحافة العُمانية المُهاجرة وشخصياتها: الشيخ هاشل بن راشد المسكري نموذجاً”، بعض الشهادات من أهل بلدة “نفعاء”، الذين سبق لهم الذهاب إلى زنجبار، حيث سجّلت تلك الروايات كيف كان يقابلهم الشيخ هاشل بن راشد المسكري، بأريحية عربية عمانية صادقة ضيافة وعطفا وتواضعا.
وتتحدث فصول الكتاب، عن رحلات الشيخ هاشل بن راشد المسكري، من زنجبار إلى وطنه الأم عُمان، حيث كان يأتي حاملا معه تلك الأفكار الإصلاحية المستنيرة التي كان يطرحها على بساط الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، بغية تطوير الدولة والمجتمع العُماني آنذاك، وأساس ذلك وعموده مؤسسة الشورى، الأمر الذي كان يعجب له الإمام الخليلي.

الشيخ الأديب هاشل بن راشد بن هاشل المسكري
وهكذا يحتفي الكتاب، بـ “الفلق”، ومحررها وأول رئيس تحرير مسؤول عنها وهو الشيخ هاشل بن راشد المسكري، وهو احتفاء أيضاً، بالمنجز الثقافي العُماني، وإبراز لما عرفه العُمانيون من أشكال التحضر الحديث، بداية من التعليم، ومروراً بالصحافة والمسرح والسينما والموسيقى، وكذا الجمعيات وغيرها من المكونات الحضارية العُمانية.
الخطاب الثقافي
قد توقف الدكتور محسن بن حمود الكندي، عبر صفحات كتابه “الصحافة العُمانية المُهاجرة وشخصياتها: الشيخ هاشل بن راشد المسكري نموذجاً”، عند الخطاب الثقافي لـ “الفلق” كصحيفة عربية تصدر في زنجبار، وذلك بغية كشف هذا الخطاب واستجلائه، وتقديمه للقارئ العربي، وهو يستشرف آفاق القرن القادم بعين واعية وفكر وثاب، لا سيما تجاه الخطاب الثقافي العماني الذي يمتاز بخصوبته وغناه وحيويته، والذي لم يتيسر لكثير من الباحثين العرب الاطلاع عليه، حيث ظلت الأدراج والخزائن والمكتبات الأهلية أمينة عليه لأزمان عديدة، ناهيك عن كون بعضه مخطوطا لم ير النور، تجعل كثرته المقدرة بأكثر من سبعة آلاف مخطوطة بين مؤلف وديوان، وكتاب، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الرسائل والخطب والقصائد المفردة، والمقالات، وحتى المقامات التي ربما لم تعرف في الأدب العربي المعاصر إلا في الأدب العماني.
وبجانب تناوله للدور الإصلاحي لـ “الفلق”، فقد تناول أيضاً، الصحيفة من جوانب مادية منطلقاً من شكل الصحيفة، ثم العنوان، فالمضمون الصحفي فأشكال الخطاب التنويري.
ويرصد الكتاب ما عرفته “الفلق” على امتداد تاريخ ظهورها من تحولات جوهرية في الشكل والمضمون؛ إذ كان المشرفون عليها على وعي بجملة التحولات الطارئة على العمل الصحفي من ناحية، وبمقتضيات الحرفة الصحافية ودواعي الإصدار ومقتضياته من ناحية أخرى.
وبحسب الكتاب، فقد صدرت “الفلق” في 4 صفحات، ثم صارت 6 صفحات ثم إلى 8 صفحات، وذلك بعد أن رأى محرروها أهمية مخاطبة العنصر غير العربي من الإنجليز والهنود وبعض الأفارقة، فصدرت باللغتين العربية في أربع صفحات، وباللغة الإنجليزية في أربع أخرى، لتكون في متناول الجاليات غير العربية القاطنة في زنجبار وما حولها آنذاك.

وبجانب رؤساء التحرير المسؤولين كان هناك جملة من المحررين الذين عملوا في الصحيفة، والذين اتخذت لهم الصحيفة مسميات وظيفية أمثال: مدير إدارة الجريدة وخازنها، ومساعد مدير إدارة الجريدة وخازنها، ومدير الجريدة، وقد تعاقب على هذه الوظائف جملة من المحررين أمثال: الشيخ سيف بن علي البوعلى، والشيخ هلال بن محمد بن هلال البرواني، والشيخ عبد الله بن حمود الحارثي، وغيرهم.
مقالات صارخة في وجه السلطة
يوضح الكتاب، أن “الفلق” توقفت عن الصدور لمدة سنة كاملة بدءاً من ١٩ حزيران يونيو ١٩٥٤، إلى التاريخ نفسه من العام التالي (١٩٥٥م)، بسبب مقالاتها الصارخة في وجه السلطة، وتحريضها على بداية العمل الوطني المتمثل في المناداة بالديمقراطية، وانتخاب أعضاء المجلس التشريعي، وقد حوكمت الفلق بسبب ذلك، وصدر الحكم رقم ١٨٠٥ ضدها في ۱۹ حزيران/ يونيو ١٩٥٤م بإدانة أعضاء اللجنة المركزية للجمعية العربية، واتهام الفلق بإحدى عشرة تهمة ونص الحكم على توفيقها، ودفع غرامة قدرها خمسة وثلاثون ألف شلن وتوقيف الصحيفة لمدة عام كامل.
وفور انتهاء تنفيذ الحكم عاودت الفلق الصدور، وكانت أطروحات الفلق الثقافية والسياسية مثار إعجاب قرائها ومتابعيها داخل الوطن العربي، إذ كانت تصل إلى عمان، وتوزع في الشام ومصر والجزائر وتونس وغيرها، ولذلك عني بها الشعراء والباحثون والقراء، وتضامنوا معها في فترة توقفها، ويؤكد مؤلف الكتاب على أن “الفلق” كانت من أبرز الصحف التي اضطلعت بدور في مجال الإصلاح الثقافي.
وقد اعتمد الدكتور محسن بن حمود الكندي، في عرض وتحليل وتوثيق الخطاب التنويري لـ “الفلق” وشخصياتها على العديد من المصادر والمراجع الموازية منها: بحث الدكتور – فوزي مخيمر: الصحافة العمانية نشأتها، وتطورها، واتجاهاتها وبحثا عبد الله بن هاشل، وصالحة المسكري عن حياة الشيخ هاشل بن راشد المسكري، إضافة إلى مؤلفات الدكتور إبراهيم غلوم، وأبحاثه المتعددة في مجال الاحتفاء بالاعلام وبالتجارب الأدبية المؤسسة للخطاب الثقافي.
وهكذا وبحسب ما طالعناه بكتاب”الصحافة العُمانية المُهاجرة وشخصياتها: الشيخ هاشل بن راشد المسكري نموذجاً”، لمؤلفه الدكتور محسن بن حمود الكندي، فقد أنجز العمانيون مناخات الثقافة الفكرية الحديثة في شرق أفريقيا خير إنجاز، وما الصحافة إلا أحد تلك الإنجازات الطليعية المعاصرة التي كانوا يضاهون بها – آنذاك – أقرانهم من الشعوب العربية.

