قرأت مقالاً بعنوان: كيف تساعدونا في تحرير ليبيا ؟ للسفير الليبي السابق بواشنطن علي سليمان العجيلي ، والمنشور في صحيفة الوطن في عددها رقم (10106) بتاريخ 5 إبريل 2011م.
ومن قراءتي للمقال استعدت الخطاب البكائي الذي سبق إحتلال العراق والتنكيل به وإستباحته ، بدءاً من بكاء ودموع الكذب التي ذرفتها إبنة السفير الكويتي بواشنطن سعود ناصر الصباح ،أمام أعضاء الكونجرس لتحفيز المترددين منهم في دعم تحرير الكويت ، حين ادعت أن العراقيين ينزعون من الأطفال الرضع بمستشفيات الكويت الحاضنات وأجهزة الأوكسيجين ،وصولاً إلى كذبة أسلحة الدمار الشامل والتحالف مع القاعدة ، تلك الكذبة التي استباحت بلد بحجم ومكانة العراق وتاريخه. وبما أن عرب زماننا مشهود لهم بضعف الذاكرة وقلة الإتعاض من الماضي البعيد أو القريب أو حتى الحاضر ، فهاهم اليوم الطابور الخامس من منتحلي صفات الوطنية والإنقاذ من الليبيين يعيدون ذات السيناريو على ليبيا ونظام القذافي، وبذات الدعاوي والمبررات التي لاتنطلي *إلا على الدهماء والأطفال ، وما أكثرهم للأسف بين عرب زماننا !!
فمن يسمون أنفسهم بالثوار ، لازالوا يصرون ـ ومعهم الإعلام المشبوه ـ على أنهم محتجبين على الرغم من إمتطائهم لطائرات الميج 23 وإمتلاكهم لراجمات الصواريخ والدبابات ومضادات الطائرات والمدفعية الثقيلة !! وحين تواجههم هم أو مؤيديهم من الدهماء بذلك ، يقولون “أجبرنا ” على ذلك!!
حتى ينزعوا عن أنفسهم صفة التآمر على بلدهم .
وحين نقول لهم إن قتلى ميدان التحرير بمصر وقبلهم بتونس واليمن والعراق،لم “يجبروا” كما تدعون إلى إقتحام مخازن الأسلحة ومواجهة عناصر الأمن ومنذ اليوم الأول *وكما حدث في بنغازي ،بل تلقى أولئك المحتجون الضربة تلو الأخرى ولم يتسلحوا حتى بسكين،بل ضرب الشعب اليمني المثل الأروع في إحتجاجه وإصراره على سلميته مع علمنا جميعاً بأن الشعب يتوفر له 60 مليون قطعة سلاح من مختلف الأحجام , بحسب رواية الحكومة اليمنية عام2006م !! لأنهم أصحاب رسالة مضمونها إصلاح الوطن ، ولم يستقووا بأحد ،كما فعل متمردي ليبيا و ـ معهم الإعلام الفاسد ـ الذين أفسدوا مفاهيم الإحتجاج والإنتفاضات والثورات البيضاء والعصيان المدني بأباطيل وزيف أعمالهم ونواياهم معاً.
فنحن لم نسمع الثوار الشرفاء في تونس ومصر واليمن يستخدمون لغة “تحرير” كما سمعنا ورأينا من متمردي ليبيا ؟!
دون أن نعلم يحررون ماذا ومن من؟!
ولم نرَ أولئك الثوار يحرقون مقار المحاكم والشرطة(على ما تحمله من دلالة و رمزية)، بل على العكس حموا المنشآت والمكتسبات .
ولم نراهم يدوسون أعلام بلدانهم ويحرقونها أو يستبدلونها ,كما فعل متمردوا ليبيا والذين أتوا بأعلام الملكية السنوسية البائدة وبألوانها الثلاث المعبرة عن تمزيق ليبيا كحالها قبل ثورة الفاتح 1969 إلى ثلاث إمارات برقه، طرابلس ، فزان، بل كانوا يقبلون أعلام بلدانهم ويتوشحون بها بكل فخر وإعتزاز .
وإذا قال قائل بأن العلم الأخضر الليبي هو علم ابتكره القذافي وفرضه على الشعب، ألم يكن رمز لليبيا منذ عام 1977م وله نفس الإحترام والقداسة لأي علم في العالم ؟! ألم يكتسب صفة العرف والذي يعتبر في كثير من الأحيان أقوى من القانون؟! وهل يوجد علم عربي واحد إستفتي عليه الشعب ، حتى نقول هذا علم الحاكم وهذا علم الوطن ؟!
الأمر الآخر و الذي حير من فاقوا من صدمة تسارع أحداث ليبيا على جميع الأصعدة وبصورة غير مسبوقة كان :
1ـ سر إنتشار العلم الملكي السنوسي وبصورة لافتة داخل ليبيا وخارجها وعلى سيارات وملابس المتمردين وبأحجام مختلفة وزاهية بصورة تجزم بالتحضير والتمويل لذلك من وقت طويل ، حيث لا يعقل الصدفة في ذلك الأمر بل برز الأمر منذ اليوم الأول !! وبما إن كل جريمة تترك خلفها خيط يدل على الجاني ، فإن قصة الأعلام والملصقات لابد أن تترك خيط يدل على مرامي المتمردوين ومن يقف خلفهم .
2ـ لماذا الإنتفاضة في بنغازي والشرق تحديداً وفشلت في إقناع أبناء الغرب والوسط والجنوب ؟! والجواب لأن للشرق ثأر مع النظام ومع الغرب والجنوب تاريخياً ، بحكم تدافع القبائل والمناطق بكل بلد،يضاف عليها أن الشرق كان ومازال مرتع للتطرف الإسلامي من الجماعة الليبية المقاتلة إلى فلول القاعدة ، وهم شركاء نشطون اليوم في أحداث ليبيا وتواقون لعرش السلطة ، الأمر الذي حرم الوطنيون من نضالهم لإصلاح *البيت سلمياً ومن الداخل ، بعد ركوب مرتزقة “إنقاذ” ليبيا موجه الأحداث من واشنطن ولندن وباريس وبلجيكا ، وهم لمن لا يعرفهم أشباه كرزاي والجلبي والمالكي ممن يتحينون الفرصة للظفر بالسلطة من خلف دبابات المحتل ،وليس فوقها ، كون من يأتون فوق ظهور الدبابات هم الرجال البواسل الشجعان ، أما الجرذان فيأتون خلفها !!
ونتيجة لهذا الخلط في ليبيا فقد تصدع التحالف الغربي لأن التقارير بينت الطيف غير المتجانس لمتمردي ليبيا واللذين وإن وحدهم هدف إزاحة النظام،(ظاهرياً) فسيفنيهم تصور إدارة البلاد بعد ذلك ، مابين الشريعة الطالبانية ، وعلمانية وعمالة وتغريب “الإنقاذ” وكلاء أمريكا، والأغلبية المغلوبة على أمرها وهم التيار الوطني الإصلاحي السلمي والذي لا يمتلك أسنان ولا أظافر ،وأقتنع تيار عريض منه بأن مرحلة ما بعد القذافي هي مرحلة المجهول نتيجة تكالب الأطراف على ليبيا وضبابية المواقف وقصور النظر لتلك المرحلة ، فأثر بعضهم مؤازرة القذافي على قاعدة تقديم المفسدة على المصلحة في الشرع ، إذا كان تغيير هذه المفسدة ستجلب مفاسد أكبر,و البعض الآخر أكره على الإستمرار في التمرد بحكم العصبية القبلية أو المناطقية أو كلاهما.
فمما لاشك فيه أن نظام القذافي ـ وكغيره من النظم العربية بحاجة إلى التجديد وإلإصلاح ، ولكن ماهية هذا التجديد والإصلاح وأدواتهما يجب أن يكون بخيار ووفق رؤى الليبيين أنفسهم دون تدخل أو إملاء من أحد .
3ـ لماذا لم يبقَ المحتجون ـ كغيرهم في البلاد العربية ـ بداخل بنغازي وزحفوا “لتحرير ” مدن الشرق؟!
4 ـ لماذا جميع رموز التمرد من بنغازي والشرق عموماً بإستثناء شلقم من فزان (الجنوب).؟!
5ـ لماذا تزامن خروج عبدالرحمن شلقم من نيويورك مع عبدالمنعم الهوني من الجامعة العربية مع تجميد عضوية ليبيا في تلك المنابر الدولية ؟! وماذا يعني ذلك لأي عاقل ووفق ميثاق الأمم المتحدة والجامعة العربية ؟! ولماذا ليبيا كسابقة وليس غيرها ممن سبقها أو تلاها؟!
6ـ لماذا أتت الإحتجاجات قبيل إنعقاد مؤتمر الشعب العام الليبي (البرلمان) بيومين والذي سيقر فيه دستور للبلاد وقانون حرية الإعلام ، وهياكل الدولة الليبية ؟! ولماذا في وقت بلغت فيه الإستثمارات 200 مليار دولار منها 71 مليار للإسكان كأكبر مشروع إسكاني في التاريخ ؟! ولماذا بعد تجاوز ليبيا لمكائد لوكيربي وحصارها الجائر والمؤلم والممرضات البلغاريات ومصنع الرابطة ، وقبلها عملية شيراتون للمخابرات البريطانية والعشرات من المكائد والمؤامرات على النظام والدولة الليبية عبر العقود الأربعة؟!
7ـ ماذا يعني لنا تسيد ليبيا القذافي المشهد السياسي العالمي خلال عام 2010م : رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ، والجامعة العربية ، والإتحاد الأفريقي ، وتجمع الساحل والصحراء، واحتضان جميع المؤتمرات الأفريقية / الأوروبية ؟!
8ـ كيف لي أن أصدق “قصة” المرتزقة والعالم يرى جيش ليبيا في الميدان؟! وكيف لي أن أصدق قصة أطفال الملاجئ هم من يؤازر القذافي
ـ كما قال عبدالرحمن شلقم ـ وأنا أرى الجموع من مختلف الأعمار والمناطق تخرج لتأييده ونصرته ، لأن الأمر جعل من القذافي رمز وحدة وطنية وشرعية تاريخية بعد تجلي المؤامرات ورموزها وأعوانها من الداخل والخارج فالمسألة أصبحت نكون أو لا نكون ، وتعدت زوال أشخاص أو نظام .
9ـ كيف لي أن أصدق وطنيتك يا أستاذ علي وأنت تطنب وتسهب في الشكر والثناء لأمريكا ؟! وأنت ومن موقعك وتجربتك وعمرك يفترض أن تعلم ألف باء لعبة الأمم ، وتعلم أن مصالح الغرب للأسف تتعارض مع مصالحنا كعرب ومسلمين ، وهذا بالنتائج على الأرض للأسف وفوق هذا تحلم وأمثالك ببناء ليبيا الأحلام، ليبيا الحريات والكرامة والعدل والمساواة!! وتحلم بأن يسمح لكم الغرب بحكم ليبيا ورسم واقعها ومستقبلها!! فلو كان الغرب حريصاً على الحريات والديموقراطيات في الوطن العربي لكان أولى بها أشقاءنا في الجزائر وفلسطين والذين عاقبهم الغرب في الجزائر بحرب أهلية لعقد من الزمان وجعل من غزة سجن كبير على مرأى ومسمع العالم “الحر” لا لجرم إقترفوه بل لأنهم اختاروا مصيرهم ووفق آليات الديمقراطية الغربية !!
إن الغرب يا أستاذي العزيز يعتبر الديمقراطية صناعته ويدافع عنها كثابت من ثوابته وهو ما نجهله ولم نفك طلاسمه بعد، فما يريده الغرب لنا هو الديمقراطية الصورية الديكورية وشعارها : “قل ما تشاء وأنا أفعل ما أريد” ؟!!
لأن الديمقراطية الحقيقية تعني فناء الغرب من المشهد السياسي المهيمن علينا والندية في الطرح والتعامل معه، وزوال نظرية الخادم والسيد التي يكرسها الغرب في التعامل معنا.
أستاذي علي إني والله أعلم إن القذافي ليس كله صواب وليس كله خطأ كأي شئ في هذه الحياة وأن ليبيا ليست مدينة فاضلة ولن تكون على أيديكم كما تحلمون وتزعمون وتدغدغون عواطف البائسين والمكبوتين ، فأصلحوا ذات بينكم قبل فوات الأوان ، وتذ كر بأن ليبيا القذافي هي آخر قلاع الصمود والتصدي مع سوريا ويفترض بكل عاقل ومهما اختلف مع النظامين فيهما أن يشفع لهما دورهما في مواجهة تيار الغرب الجارف لإقتلاعنا ، لإن القادم أدهى وأمر ، ولاحظ أن حجم المؤامرة وتسارعها أتى في ظل إنهماك الجارتين مصر وتونس في جراحهما !! الأمر الذي يضمن غياب النجدة أو حتى التنديد والشجب المعتادين ، على الرغم أن ليبيا عمق أمنهما القومي!! وتأكد بأن مصر الغد لن تكون مصر مبارك وكامب ديفيد ، وبالتالي فالعقوبات قادمة لا محالة لإخضاعها وإضعاف تأثيرها ، ولن تكون هذه العقوبات مثالية في الحجم والتأثير إلا بزوال نظام القذافي والإتيان بنظام عميل في ليبيا ينهمك في داخله ولا يحرك ساكناً تجاه أبناء جلدته !!
أستاذي العزيز , هل تعتقد أن توقيت ضرب ليبيا من قبل الناتو يوم 19/3/2011م وهو ذات اليوم والشهر الذي بدأ فيه غزو العراق العظيم عام 2003م مصادفة؟! وهل تعتقد إن أول الغارات الجوية للحلف على طبرق وطرابلس (مواقع القواعد الأمريكية والبريطانية في العهد الملكي البائد) مصادفة؟! وهل تعتقد أن تفرد سلاح الجو البريطاني بيوم كامل وحيداً في قصف ليبيا بمناسبة مرور 41عاماً على طردهم من ليبيا الفاتح مصادفة؟! وهل سمعت أوقرأت أورأيت دولة ترمي بجميع المواثيق والأعراف و القوانين الدبلوماسية والدولية عرض الحائط ,وتسمح لحفنة من الدهماء بإقتحام بعثة دبلوماسية وإحتلالها ,كما فعلت فرنسا ساركوزي تجاه السفارة الليبية في باريس؟!
وتذكرأخيراً أستاذ علي ـ إن خانتك الذاكرة كعرب زماننا ـ إن السودانيون أسقطوا رئيسهم إبراهيم عبود في الستينات بثورة شعبية سودانية النزعة والمنشأ والهدف وبعد أشهر إلتفوا حوله في سوق أم درمان وهتفوا بحزن : ضيعناك وضعنا وراك !!
وتذكر أن العراقيون يبكون دماً على رحيل صدام والبعث وضاع العراق بين حذاء أبو تحسين والذي أظهرته وسائل الإعلام يضرب بحذاءه صورة صدام حسين إبتهالاً برحيله وقدوم “الفاتحين” الأمريكان ، وحذاء منتظر الزيدي في وجه بوش المحتل فكلا الحذائين يعبران عن مرحلة ومشاعر بعينها .
وتذكر أن الرومانيون أقاموا قبر “طاغيتهم” تشاو شيسكو مزاراً يومياً في قلب بوخارست ، ونعى الألمان الشرقيون جدارهم بعد حين، وجعل الروس اليوم ستالين بطلهم القومي !! وهكذا تصاب الشعوب بنوبات غباء جماعي وتركب العواطف وتغيب العقل إلى حين لاينفع ندم .
فكل عاقل عربي شريف غيور يتوق إلى التغيير و الإصلاح ويجب أن يسعى إليهما ماوجد إلى ذلك سبيلاً,لإستكمال الإستقلال الناقص والتحرير الناقص تكميلاً لنضال الأجداد,ولكن حين يتعلق الأمر بنذر الفتنة ,والحروب الأهلية,وتتجلى المؤامرات ,وتلوح رايات الإحتلال وتدنيس الأرض والعرض,فإن العقل و الضمير والتاريخ والدين و الشرف والأخلاق يقولون لا وبصوت مدوي كما أن معضلتنا الحقيقية كعرب هذا الزمان لا تكمن في نظم أو اشخاص ,بل في البنى:السياسية,الإجتماعية,الثقافية ,الإقتصادية,فتلك البنى الهشة التي قامت عليها دولة الإستقلال العربي ,هي من اوصلتنا إلى هذه الحالة المزرية, بفعل القفز على الواقع ,وإعادة إنتاج ذات الفشل في كل عهد جديد,و
صل عبر البيان رقم1,أو بإسم الإنقاذ والإصلاح أو الوراثة أو التوريث . حمى الله وطننا العربي الكبير من رياح التآمر الغربية,ووفقنا الله إلى الإصلاح والتغيير بأيدينا وبأدواتنا، وبملىء إرادتنا. إنه نعم المولى ونعم النصير.



السفير السابق بواشنطن لقبه ( الأوجلي ) وليس العجيلي