من القنبلة للمعلومة

كتب بواسطة جاسم بني عرابة

شكلت حادثة اغتيال قائد المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في طهران صدمة لكثيرين، إذ كيف يُمكن القيام بمثل هذه العملية في وسط عاصمة تعادي خطاباتها من يريدون اغتيال هنية، وعلى الرغم من أن كثيرين كانوا يعتقدون بأن إسرائيل هي من قامت بالعملية، إلا أن الطرفين -الإيراني والإسرائيلي- لم يصدر عنهما أي شيء رسمي، حتى ظهرت تصريحات إسرائيلية خلال الأيام السابقة بأن المسؤول عن تنفيذ عملية الاغتيال هي إسرائيل، وعلى الرغم من وصف حركة حماس الرواية الإسرائيلية حول طريقة الاغتيال بالأكاذيب إلا أن المهم هنا بأن الحرب منذ بدايتها لم تنطلق على الصعيد العسكري الميداني فقط، بل العسكري المعلوماتي أيضا، فيُمكن القول إن هذه حرب معلومات!

الحرب المعلوماتية

تُعرف حرب المعلومات على أنها استخدام المعلومات وإدارتها من أجل التغلب على العدو، وتهدف للتأثير التكنولوجي والعسكري والسياسي، إضافة للتأثير النفسي، وتنقسم حرب المعلومات لأقسام منها الحرب الاستخباراتية والحرب الإلكترونية والحرب النفسية ويُمكن أن تضم أيضا الحرب الإعلامية.

ومن الأدوات المستخدمة في هذا النوع من الحروب هي الدعاية الإعلامية من خلال التلاعب بالرأي العام وتأطير الأخبار بحيث يتم الترويج لنوع من المعلومات المضللة، والأخبار الزائفة التي تحاول التشكيك في السردية المعروفة وزعزعة الاستقرار، والتجسس الإلكتروني، والتكنولوجيا العسكرية التي يدخل من ضمنها أدوات الحروب السيبرانية وأدوات الذكاء الاصطناعي وغيرها.

تنقسم حرب المعلومات إلى نوعين رئيسين، هما حرب المعلومات الدفاعية وهي “استراتيجية تستخدمها الدول والمؤسسات لحماية أنظمتها وبياناتها من الهجمات والتهديدات السيبرانية” وأهم المفاهيم المرتبطة بها كما يذكر أنصر سفاح كريم في (الحروب الإلكترونية وأثرها على الأمن القومي) هي تقييم الأمن السيبراني، وتطوير سياسات الأمان، واستخدام أدوات أمن سيبراني مثل نظم الحماية من الفيروسات، والتحديث والتصحيح، والتشفير والحماية البيانية، والتحقق من الهوية والوصول، واستراتيجية الاحتياطي واستعادة الكوارث، أما النوع الثاني فهو حرب المعلومات الهجومية التي “تشمل وضع الخطط واتخاذ الإجراءات لإتلاف أو تزييف والاستحواذ على المعلومات”.

يُمكن أخذ مثال على حرب المعلومات في الشرق الأوسط، فإن الدول التي تمتلك تصنيعا عسكريا مثل تركيا وإيران تحاول أن تستغل التكنولوجيا العسكرية من أجل التفوق على باقي الدول في المنطقة أولا، وعلى أعدائها ثانيا، وقد أثر تطور التكنولوجيا العسكرية على الحروب في المنطقة بشكل كبير، فتم استخدامها في الحالة السورية مثلا بالنسبة للدولتين بشكل كبير، وهناك أطراف أخرى كبرى تؤدي دورا مهما في حرب المعلومات في المنطقة منها أميركا وروسيا والصين. من الهجمات السيبرانية المهمة في هذا السياق هي عملية ستكسنيت التي ضربت البرنامج النووي الإيراني، ولم تقتصر تأثيرات هذا الهجوم على إيران وحدها، بل تعداها إلى تأثير نظري يتعلق بتغير مفهوم الهجمات السيبرانية ويشير إلى بدء حقبة جديدة من الحروب التي تضر ببنية الدولة دون الحاجة للتدخلات العسكري، وتأثير جيوسياسي يتعلق بالتوازن في المنطقة، فسارعت كثير من الدول في المنطقة لتطوير منظوماتها التقنية العسكرية.


تأثير الحروب المعلوماتية


هذا التأثير الجيوسياسي للحروب المعلوماتية يمتد ليصل إلى تغير شكل التحالفات والاتفاقيات العسكرية في المنطقة، فإن موجة التطبيع على سبيل المثال كان من أسبابها هو تعزيز القدرات التكنولوجية العسكرية بعد عقد اتفاقيات التعاون مع إسرائيل، على الرغم من أن البعد التاريخي لاتفاقيات التطبيع يقول عكس ذلك، لكن أصرت الدول المطبعة على ذلك فكان نتيجتها استعمال بعضها برنامج التجسس (بيجاسوس) على سبيل المثال، وكما أن الحرب المعلوماتية يُمكن أن تشكل تحالفات جديدة و/أو تعمق التحالفات القائمة، فإنها كذلك قادرة على تقويض الثقة بين الحلفاء وزيادة التوترات بينهم كما حدث في المنطقة منذ بضع سنين.

إن هذه التأثيرات للحرب المعلوماتية على المنطقة، تجعلها تعيش في سيناريوهات محتملة يطرحها الدكتور تحسين الشيخلي في مقال (دور الحروب السيبرانية في تشكيل ملامح الصراع في الشرق الأوسط) وهي:
1- التصعيد الشامل: وهو ما يمكن القول إنه تصاعد في التسلح المستمر للتكنولوجيا العسكرية، فتصبح الهجمات السيبرانية أداة رئيسة في الحروب بين دول المنطقة والقوى الخارجية.
2- التوازن الهش والردع السيبراني: وهو اتجاه الأطراف لتحقيق التوازن فيما بينها، فينهج التسلح التكنولوجي منهج الردع النووي في الحرب الباردة، وعلى الرغم من وجود التوترات في هذا السيناريو، إلا أنه لا يذهب للتصعيد الشامل كما في السيناريو الأول.
3- تحول الصراع للذكاء الاصطناعي والأسلحة الذكية: وهو تطور أكبر من مجرد الحروب السيبرانية التقليدية، لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتطوير الأنظمة القتالية، وعلى الرغم من أن هذا السيناريو يقلل من الخسائر البشرية إلا أنه يزيد من الدمار البنيوي للدول المستهدفة.

إن هذه السيناريوهات ليست ضرورية الحدوث، لكن ذلك يحتم وجود تفاهمات بين دول المنطقة لتجنب استخدام التكنولوجيا العسكرية في العمليات الهجومية، واقتصارها على العمليات الدفاعية، وهو يحتاج إلى تفاؤل مثالي في أغلب الأحيان، ومن عوامل ذلك التدخل الخارجي للدول الكبرى، وتصاعد وتيرة الصراعات. في مقال له على موقع دراسات الجزيرة، يطرح الدكتور إسماعيل نعمان إمكانية زيادة التعاون العسكري بين كلٍّ من تركيا وسلطنة عمان بعد زيارة جلالة السلطان إلى تركيا، إن هذا التعاون العسكري يشمل الاتفاقيات في التكنولوجيا العسكرية، لا سيما بعد افتتاح شركة الدفاع التركية هافلسان شركة لها في عمان عام 2020، إن هذه الشراكة مع دولة ذات تصنيع عسكري في المنطقة مهم جدا من عدة نواحي، أولا، الاستفادة من الخبرة في التكنولوجيا العسكرية ونقلها إلى عمان ثانيا، تنويع التحالفات العسكرية وعدم الاعتماد على حليف واحد، وهو ما يُمكن القول إنه قادر على زيادة القدرات الدفاعية، بل والهجومية، لدى الدول. إن تنويع التحالفات الاقتصادية مهم جدا، ومن المهم الاستفادة من التجربة التركية، وكذلك التجارب الأخرى مثل التجربة الإيرانية، والهندية، والباكستانية، وغيرها مثل التجربة الصينية والروسية، لتعزيز القدرات التكنولوجية العسكرية في منطقة تتزايد فيها وتيرة الصراعات بشكل متسارع، لكن في الجانب المقابل، فإن توطين المعرفة ليس فقط باستخدام هذه الأدوات، بل أيضا استقلالها من البلد المصنع وإمكانية إعادة تصنيعها داخليا، يضيف بُعدًا أكثر عمقا لأهميتها وإمكانية استغلالها.

في النهاية، يُمكن القول، إن الحروب الحالية في العالم سواء كانت مباشرة أو بالوكالة تتخذ أشكالا مختلفة عن الحروب التقليدية التي تعتمد على العامل البشري، ومن أهم الأشكال هي حروب المعلومات التي تحدد شكل الصراع حتى بعد الدخول العسكري الميداني، فعلى سبيل المثال، انفجار أجهزة البيجر شكّل ضربة قوية لحزب الله في لبنان مما أدى إلى إضعافه وسهولة اختراقه، لذلك فإن زيادة التسلح المعرفي أولا، وتنويع التحالفات حول العالم وفي المنطقة بشكل خاص ثانيا، يزيد من استقرار الأمن القومي للدول وإضعاف محاولات زعزعتها من خلال أدوات حروب المعلومات المختلفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:
1- كريم، أنصر سفاح. (2023). الحروب الالكترونية وأثرها على الأمن القومي. مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية.
على الرابط: https://www.alnahrain.iq/post/1031#:~:text=%D9%88%D8%AA%D9%85%D8%AA%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9%20%D8%A5%D9%84%D9%89,%D8%B2%D8%B9%D8%B2%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9%20%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84

2- الشيخلي، تحسين. (2024). دور الحرب السيبرانية في تشكيل ملامح الصراع في الشرق الأوسط. وكالة الحدث الإخبارية.
على الرابط:
https://www.alhadathcenter.net/index.php/views/132356-2024-10-27-11-33-27

3- نعمان، إسماعيل. (2024). العلاقات التركية-العمانية: الطريق نحو شراكة استراتيجية. مركز الجزيرة للدراسات. باللغة الإنجليزية
على الرابط:
https://studies.aljazeera.net/en/analyses/turkish-omani-relations-path-strategic-partnership

سياسة

عن الكاتب

جاسم بني عرابة