لا يقتصر موقف المسلم من التوراة والإنجيل على وصفه هذه الكتب وغيرها من كتب أهل الديانات بأنها (أساطير وخرافات) بل إن بعض أهل الفقه اعتبروا هذه الكتب كالحجارة التي يحسن الاستنجاء بها، فلا يتصور نظرًا لما حوته من كلام يتعارض وتنزيه الله صدورها بطريقة الوحي.
لكننا لا نعدم مواقف تحترم الكتب السابقة على الإسلام، نقرأ في كتب التاريخ عمن اهتم من صحابة النبي بهذه الكتب وكان يقرأها ليلة كما يقرأ القرآن ووصفته كتب التراجم والطبقات بوصف يؤكد اهتمامه وتقديره لهذه الكتب .
وإذا كان هذا سلوك فرد ورد في أخبار المعاصرين له ما يظنّ أن موقفه موقف شذ فيه عن النهج النبوي، إلا أن اجتماع الصحابة والتفافهم حول مسلمة أهل الكتاب يؤكد حضور مرويات هذه الكتب منذ وقت مبكر بينهم وحفاوتهم بها، فما من شخص دخل الإسلام وكان صاحب (رواية) عن التوراة والإنجيل إلا وجد مكانة كبيرة بين المسلمين، والتفوا حوله واستمعوا إلى مروياته وإن كانت في أغلبها لا تنهل من معين هذه الكتب، وتعتمد على المنحول منها وما روي مشافهة بين العوام.
بعد فترة ظهر مبحث (تحريف الكتب القديمة) في أدب الجدل كرد فعل على ما يُقال عن القرآن والنبي، وإذا كان الكتاب المقدس قد خلا من (البشارة بأحمد) فهو ليس الكتاب السماوي الذي تحدّث عنه القرآن، كما أن صور الأنبياء في هذا الكتاب لا تختلف عن صور العامة والدهماء، ولا تليق بهؤلاء الصفوة المنتخبين من قبل السماء، بدأ الجدل حول هذا المبحث ولم ينته بعد ولن ينتهي ما دام أهل الأديان، سنة الله ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض!
الله ليس كمثله شيء وهو قادر مقتدر قوي وغالب فكيف يصارع يعقوب وكيف يسكت على ما في التوراة من مهازل تتعلق بالزنا بالمحارم وكيف يبيح للأنبياء الكذب والخداع وكيف يتحدث لهم في أدق التفاصيل الجنسية أليست (الأخلاق الدينية) تدعو إلى غير هذه الترّهات التي وصفت قديمًا بـ(الأباطيل) وحديثًا بـ(القُمامات الفكرية).
هذه مواقف صريحة من النصوص الدينية لا تجامل أحدًا ولا تدّعي انفتاحًا أو تسامحًا، لكنها وإن كانت كذلك تعتمد على وجه من وجوه التأويل للمواقف، وهناك مواقف أخرى غضّت الطرف عن التفاصيل واشتغلت على الفكرة بشكل عام، فرأت أن هذه الكتب (توراة وإنجيل) كتب مقدّسة لم يصبها التحريف! تظهر هذه المواقف مبكرًا في التاريخ الإسلامي على مستوى السّنة والشيعة والمعتزلة والإسماعيلية وغيرها من الفرق، ففي عهد هارون الرشيد ألّف أحد الكتّاب رسالة تقول بعدم تحريف هذه الكتب، وعلى الرغم من ظهور مبحث التحريف واهتمام العلماء المسلمين به وتكرار التدوين في شأنه إلا أن هذا الموقف الذي رأى في هذه الكتب وحي السماء تم الاحتفاظ به والعودة إليه من قِبل مؤرخ المعتزلة القاضي عبد الجبار-وهو يؤمن في الوقت ذاته بتحريف هذه الكتب.
هناك كاتبٌ إسماعيلي شهير أراد أن يدافع عن ثبوت فكرة النبوة التي شاع إنكارها في وقت مبكر، تأثرًا بالفلسفة أو بمقولات المذاهب والأديان الأخرى، قدّم أبو حاتم الرازي في كتابه أعلام النبوة نقدًا نادرًا لمقولات ابن الريوندي الملحد أو لمقولات البراهمة التي نُسبت إليه، لكن الكتاب لم يقتصر على الرد على منكر النبوات بل قدّم صورة للإنجيل والتوراة ندر أن نقرأها لمسلم إذ فسّر كلمات السيد المسيح بشكل روحاني يقارب تفسير الصوفية للقرآن، ولم يك ذلك في هذا الكتاب فحسب انتصارًا للنبوة ودفاعًا عنها، بل إن المتصفح لمؤلفاته الأخرى يجد صورة للمسيح ولأمه مريم تختلف عما ألفناه في المرويات السنية.
هذا الموقف يجعلنا نثق في مرويات ابن خلكان التي يحكي فيها عن مسلم كان أهل الذّمة يقرأون عليه التوراة والأنجيل ويشرح لهم ما غمض عليهم فهمه، كذلك مثل هذا الموقف لا يجعلنا ندهش حين نقرأ اهتمام أهل الهند من المسلمين بالتوراة والإنجيل واعتماد بعضهم عليها في تفسير القرآن كالسيد أحمد خان الذي وصفته العلاّمة أنّا ماري شيمل بأول مسلم يفعل ذلك.
يمكننا أن نقرأ في كتب التراث عن تلميذ ابن حجر العسقلاني ثالث ثلاثة من مشاهير التلاميذ (البقاعي-السيوطي-السخاوي) حين أنكر عليه علماء عصره اعتماده على التوراة والإنجيل في تفسيره للدرر القرآنية ألّف كتابًا في الانتصار لنهجه في هذا التأليف، اعتبر فيما بعد كدفاع إسلامي عن الإنجيل ونُشر الكتاب الذي يشهد على توتر هذه الشخصية وثرائها، فمن يألّفون عن (الإنجيل العربي) يعد البقاعي بالنسبة لهم اكتشافًا مذهلاً كونه طالع عدّة نسخ كانت لا تزال متوفرة من الكتاب المقدّس، وقارن بين الترجمات التي قام بها يهود عرب في ظل دولة الإسلام، وقيّم بعضها بناء على محددات وضعها، ودوّن هذا الكلام في (تفسير للقرآن الكريم) يمكن أن نخلص من هذه الكلمة إلى أن مواقف المسلمين من (الكتاب المقدّس) ليست واحدة ولا يمكن تلخيصها في مجرد كلمة وإلاّ لاستراح كثير من الباحثين الذين يعملون ليل نهار على اكتشاف الموقف الإسلامي الذي لا يمكن أن يتحدد بعد بشكل قاطع وآلاف المخطوطات لم ينشر منها سوى سطر واحد أريد له الإظهار!
1- : قارن ما يروى عن عبد الله بن عمرو أنه قال: رأيت فيما يرى النائم لكأن في إحدى إصبعي سمناً وفي الأخرى عسلاً فأنا ألعقهما فلما أصبحت ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:”تقرأ الكتابين التوراة والفرقان”. فكان يقرؤهما. وما يُروى عن عبد الله بن سلام قال : قلت : يا رسول الله قد قرأت القرآن والتوراة والإنجيل؟ قال: ” اقرأ بهذا ليلة وهذا ليلة “. وقارن: موقف عمر بن الخطاب من قراءة الكتب ورجوعه عنه.
2- : في ترجمة كمال الدين بن يونس [551 ـ 639هـ/ 1156 ـ 1242م] يذكر ابن خلكان أن من براعة هذا العالم أنه كان في كل فن من الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه، ومن ذلك: أنّ أهل الذّمة كانوا يقرأون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح لهم هذين الكتابين شرحاً يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله.
3- : اعتمده البقاعي في تأويل كثير من آيات القرآن على الكتاب المقدّس نفسه لا الإسرائيليات ؛ إذ كان ينقل من نسخة بين يديه نصوصًا كاملة يشفع بها تأويلات الحرالي الصوفي ، وهو ما أثار سخط معاصره (السخاوي)، وحفّزه على تأليف كتاب مستقلّ يجرّم فيه فعل البقاعي، أسماه: (الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة و الإنجيل)، ولم يصل إلينا نصّ السخاوي، وكان كتاب السخاوي باعثًا للبقاعي على كتابة نصّ جديد يردّ فيه على ما أثير حول هذه المسألة ، ولم يكتف بكتابة (الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة)، بل شفعه بخاتمة تزيد في حجمها على حجم الكتاب الأصلي ليتحدى بها أقرانه أن يأتوا بمثلها في تفسير سورة الكوثر! الجميل أن جزءًا من هذا الكتاب دفع أحد الأساتذة أن ينشر هذا المخطوط كاملاً تحت عنوان (دفاع عن الإنجيل) راجع: Walid A. Saleh (In Defense of the Bible: A Critical Edition and an Introduction to Al-biqai’s Bible Treatise (Islamic History and Civilization . Brill in 2004.

