ما يَقول الضّوء للإنسَانِ عن تَعبِ الحَياة ( قراءةٌ نَقديّة في شِعرِ إبراهِيم السّالمِي )
عندما يلتقط العقل الحكاية، وتتشكل الأشياء في الحدقات ظلًا وحبًا وجسدًا فاعلم أنك تسبح في نسيج شعري من أبيات “مزامير إبراهيم”، هذا الديوان الشعري المتألق الذي أطلّ به علينا الشاعر الجميل إبراهيم السالمي عن دار مسعى للنشر والتوزيع وبدعم مقدر من الجمعية العمانية للكتاب والأدباء. ديوانٌ شعري أتى أنيقا صخبا بحجم أناقة كاتبه وصخبه. وعلى إيقاع ضحكتها وحول ما يقوله لنا الضوء انسابت قصائد الديوان أو مزاميره، كما يحلو للشاعر أن يسميها، في حولي 87 صفحة من القطع الصغير. وهي اسم على مسمى، فهي مزامير، وهي أدعية وأناشيد، وهي ترانيم تتغنى بالحب والإنسان والوطن.
عنوان الديوان غير تقليدي، فالقارئ يُصاب بالدهشة منذ الوهلة الأولى، وذلك عندما يبحث عن المعنى اللغوي والإسقاط الدلالي لكلمة مزامير، حيث يأتي التساؤل المفضي لشيء من الخيال، وهو لماذا ربط الشاعر كلمة مزامير باسمه؟ “مزامير”، ذلك المصطلح الذي قد يقود القارئ إلى فضاءات من التفسير الديني والفني في آن واحد، في توظيف مذهلٍ لتقنية التضاد التي أتت خيالا في مفردة واحدة، فحسب قواميس اللغة فإن مزامير داوُد هي ما كان يترنم به من الأناشيد والأدعية، وهي أيضا جمع لكلمة مزمار التي تعني آلة موسيقية خشبية. ويذهب الشاعر إلى أبعد من ذلك حين ربط المزامير باسمه، فهو في ديوانه يُسطّر ترانيم ذاتية للحب والألم، ويقدم عزفا موسيقيا جميلا بالكلمات.
ومع الولوج إلى صفحات الديوان تستمر الدهشة مع الصور الشعرية والتنوع اللغوي والخيال الشعري الكبير لشاعر أصرّ على نقل الصورة بواقعية فريدة تغلفها السريالية أحيانا متى ما حضرت الضرورة الشعرية، وتكون سهلة ممتنعة متى ما أطلق الشاعر العنان لبنات أفكاره. ومع تنوع شعري بين المنظومات القصيرة والقصائد الطويلة، حملت أبيات السالمي أناشيد وأدعية مختلفة حول الذات والآخر، حول عمق الإنسان وهمومه، نقلت أبياته التراث الإنساني بشقيه الديني والاجتماعي، ثم كانت سمة الديوان الفريدة في ارتكاز الكثير من أبياته على ثيمة العلم الذي أبحر فيه الشاعر بخياله مع الضوء وزاوية السقوط ومسار الانعكاس. لقد استطاع الشاعر بعبقرية فذة أن يحدث تنوعًا جميلًا في الصورة الشعرية والأسلوب، في الأغراض الشعرية والخيال.
الصور الشعرية
لقد حضر الإنسان في مزامير إبراهيم بعذاب وعذوبة. كانت كلماته ناطقة بهموم الإنسان وفرحه، منطلقًا من الواقع المتباين عبر سرد واقعي أحيانا ورمزي أحيانا أخرى للحب والمعاناة، في حالة إحساس عميق بالهمّ الإنساني المجرد. لقد كان السالمي يستشعر حجم الشقاء بلسان الأنا، أو من خلال وصفه للذات الأخرى.
يقول السالمي في نص ” أوهام”:
أنا الإنسان
يحيا في أخيه بلا لون
ولا عرق ووشم
في المقابل يذهب الشاعر إلى وصف مكابدة الآخر في نص ” الغريب” عندما يصف عودة المهاجر إلى وطنه زائرا فقط وليس مقيما، إذ يقول:
يحن الغريب إلى أمه
إلى أرضه
إلى نخلة هز جذع صباها
وأيقظ في ليلها سعفة واجدة.
ويبرز الموت كملمح فرعي في العديد من الأبيات والمقاطع الشعرية في ديوان السالمي، إلا أنه يبرز كثيمة رئيسة في المزمور الأول الذي أتى بعنوان ” أجل خلف الوجود” إذ تتجلى الصورة الشعرية بعمق لغوي كبير عندما ينادي الشاعر الموت قائلا:
يا فجأة الله
يا غيبا أوسّده مسراب عمري
وكم تأتي ولا تصل
وينجح السالمي، وفي حالة شعرية فريدة في توظيف الحقيقة العلمية كحالة شعورية منطلقا نحو الجمال من خلال العبث بقوانين الطبيعة. ويتجلى ذلك في نصوص ” ما يقول الضوء” و “وسم على كف أمي”، إذ يقول الشاعر في قصيدة “وسم على كف أمي”:
متباعد الأضلاع
دربي لا يقاس كمستطيل
فالشاعر هنا خلق من نفسه حالة علمية فريدة، فهو ليس مثلثًا متساوي الأضلاع وليس مختلف الأضلاع بل هو متباعد الأضلاع في صورة شعرية تبعث بخيالات من الحرية وكسر القوانين المنظمة للمادة؛ ومن ثم فهو حالة هلامية حرة يؤكدها دربه الطويل الذي يسير به إلى ما لا نهاية بعيدا عن أبعاد المستطيل المقننة.
ويقول في نص ” ما يقول الضوء”:
العين تقرأ
ما تبقى من زاوية السقوط
ومن مسار الانعكاس
عن انتشاء الضوء
وهنا ملمح علمي آخر حين تقرأ العين ما تبقى من زاوية السقوط، وزاوية السقوط هي الزاوية التي تقيس انحراف جسم ما عن استقامته. لقد وضف السالمي هنا علم البصريات ليسقطه على واقع الفرد الذي قد ينظر إلى الآخر من زاوية محددة أو من خلال مسار الانعكاس فقط.
ومع جل تلك الملامح العلمية والرياضية في مزامير إبراهيم حضر الضوء بصور شعرية فريدة. كان الضوء في أبيات السالمي منتشيا وحكيما، كان واقعيا وخيالا، كان جمالا وسرابا، كان مرحلة مختلفة من درجات الإبداع الشفيف. كان للضوء إشراق جميل مع الشمس والحب والحياة.
يقول السالمي في قصيدة “ما يقول الضوء”:
العقل يلتقط الحكاية
ما يقول الضوء للإنسان
عن تعب الحياة
لكي يرى ما قد يراه بأصغريه
فمع أن الضياء هو الفرح، إلا أنه كان كالبشر الذي ينطق بتعب الحياة في صورة مليئة بالخيال والتركيز اللغوي الجميل الذي يدل على قدرة الشاعر على العزف بأوتار الكلمات ليسرد لنا حكاية الضوء الذي التقطها العقل ليراها الإنسان بأصغريه.
وفي قصيدة ” على إيقاع ضحكتها” يحضر الضوء مرة أخرى حين ينشد السالمي للضوء حبا وأملا حين يقول:
عند باب البيت
متكئا على لون الفراشة
باتجاه الضوء أمضي
…
متكئا على قمر
يداعب غيمتين
يطل وجه فراشتي في الضوء
فالشاعر يثبت مرة أخرى بأنه كائن هلامي حر، متحررا من أنظمة الطبيعية المعقدة حين يتكئ على ألوان الفراشة والقمر ويمضي باتجاه الضوء. يتكئ على مفردات السماء ليسير مع مصدر النور نحو الغيمة باحثا عن وجه الفراشة في صورة شعرية مكثفة مفعمة بالإيجابية والضياء رغم الظلام، لتسير القصيدة برتم موسيقي جميل وتؤكد أن الضوء هو رمز للحياة وهبة من الإله حين يقول “فالضوء مرآة الحياة”.
الملامح الأساسية
بين ثراء الكلمة وجمال الصورة الشعرية، تعددت الأغراض الشعرية في ديوان مزامير إبراهيم بين الحكمة والوصف والغزل، فجاءت التعابير شامخة بشموخ النخيل، سامقة بجمال الحب، متنوعة بتنوع التراث والثقافة. استحضر الشاعر في أبياته الموت والدين والغياب، وفي الكثير من الصور الشعرية أنشد السالمي للوطن بأسلوب عذب ينمّ عن امتزاج الإنسان بأرضه في رقي وجلال.
ومع التنوع في الغرض الشعري والتوظيف اللغوي الرائع للمفردات، إلا أن مجمل القصائد قد غلبت عليها الملامح الآتية:
العاطفة
حضرت العاطفة كثيرًا في مزامير إبراهيم، فقد عبرت بإحساس عميق عمّا يختلج الإنسان من حب وحزن وحنين. يقول الشاعر في نص “كما يحلو” في صورة شعرية عفوية جميلة:
كما يحلو لثغرك
قبليني
فهذا الريق
من خمر اليقين
الوطن
شكل الوطن هاجسا كبيرًا في التكوين العاطفي للكثير من أبيات ديوان السالمي ونصوصه، إذ تجلى الوطن من خلال مجموعة من المفردات والروابط الروحية التي وردت في نصوص “موطني”، و”هامة المجد”، و”أهدي جلال” و” ظلان”. تلك المفردات التي أزهرت في نفس الشاعر حبا لوطنه، لتنعكس في ترنيمات مزاميره.
يقول السالمي في المزمور الذي يحمل عنوان “ظلان”:
في فكرة الوطن الذي
ينسال من شجر اللبان إلى المضيق
يغفو على نزق المغنى ثم يصحو دونما قيثارة.
وفي نظم موسيقي جميل يقول الشاعر في نص “أهدي جلالا”:
عمان
تعيد بوصلة الحنايا إذا دار الجنوب بها
شمالا
ويستمر هاجس الوطن لدى السالمي حين يقول وبعذوبة جاذبة في نص “موطني”:
يا بلادي
والهوى عزف رقيق
ضابط الإيقاع
يهوى ما هوينا
الواقع
استندت بعض التعابير الشعرية لدى السالمي على الواقع مرارًا مثلما حدث في نصوص “على إيقاع الأعراب”، و”أوهام” و” إلى صديق ما في الخليج”. عبّر الشاعر عن الواقع السياسي وعما تتعرض له بعض البلدان العربية من مآسي. كتب في أبياته عما يجمع الأخوة من واقع مشترك كالدين واللغة والعادات. استخدم مفردات الطبيعة كالنخلة والصحراء والبحر ليقترب من واقع المكان بجمالياته منطلقا إلى مفارقات الزمان ووجع الإنسان. استحضر التاريخ منذ أغنية النهام وبوصلة البحار ليضيف خيالا يبحث عن واقع مختلف، ربما يكون أجمل حين يقول “كي نمضي إلى شطآن وحدتنا”.
يكتب السالمي في نص” على إيقاع الأعراب: الحل والعقد”:
فما قيمة الإنسان
من دون رأيه
إذا كان مقموعا به القول والفعل
وفي نص ” إلى صديق ما في الخليج” يقول:
باسم عروبة الأجداد والميلاد
عن أيام عزتنا.
وأما الرأي هذا الرأي مكلوم
ولا يدري قضيته.
الدين
يظل الدين هاجسا يتداخل مع الشعر بكافة أغراضه، فقلما نجد قصيدة شعرية تخلو من ملمح ديني حتى ولو كان ضمنيا. وفي ديوان مزامير إبراهيم كان حضور الدين بهيا، سواء كان بالتعبير الصريح أو بالتعبير الضمني. وسواء كان مقطعا شعريا متكاملا أو مفردةً تحمل دلالات دينية مختلفة.
يقول الشاعر في نص ” أجل خلف الوجود”:
آمنت بالدين والدنيا
وبينهما رب قديم جميل
كله أمل
ويقول في نص ” على إيقاع الأعراب”
أضعنا
بأولى القبلتين صلاتنا
وكانت بأسباب السماء
لنا وصل
ولم يقتصر حضور الدين في أبيات السالمي على الإسلام فحسب، بل تناول صورا من الأديان الأخرى بروح شعرية تسمو إلى التسامح. يقول الشاعر في نص ” كما يحلو”:
تجلت مثل بوذي ونار
فأدركها
وليتك تدركيني
المرتكزات الفنية
كان السالمي في نصوصه كالبحر، هادئًا أحيانا وفي أحيانا أخرى كان جيّاشا مرتفعا بحجم الريح التي تحرك مياهه وتصل بها إلى ضفاف مختلفة. كان سهلا ممتعنا كثيرا، غامضا قليلا وربما هي إحدى سمات الشعر الحديث. كان مجددا وغير تقليدي خصوصا في التعابير والمفردات. ما يميز نصوص السالمي أيضا تلك الموسيقى الشعرية التي تنطلق بدفق متواصل يكاد لا ينتهي حتى تنتهي بك القصيدة مع النفس الأخير لآخر مفردة في النص. وفي وسط جل تلك الصور الشعرية المدهشة، كان خياله واسعًا بالدرجة التي تدفع القارئ للبحث عن الحب وسط الغيوم أو بين ألوان أجنحة الفراشات.
لجأ الشاعر في بعضٍ من أبياته إلى التكرار ليحقق زخما أكبر في موسيقى النص ويخلق إيقاعا جميلا في روح القارئ بما يدفعه إلى الاستمرار في الإبحار مع النص. ومع اختلاف المعنى الدلالي للكلمة المكررة عن سابقتها، بدا السالمي واثقًا من توظيف اللغة في نصوصه بشكل جذاب ومختلف. يقول الشاعر في نص ” ظلان”:
أنا في يسارك من يسارك
أنا من يمينك في يمينك
أنا فيك بعض منك من غير اختيارك
أيضا استخدم الشاعر بعضا من الأدوات السردية في مزاميره، كالخطاب المباشر أو الحوار القصصي، مما أعطى لغة الشعر بعدًا تأثيريا أكبر في نفس المتلقي من خلال مشاركته الحكاية أو الاحتفاء معه بالحدث. إن توظيف الحوار القصصي في النص مكّن الشاعر من إظهار وجهة نظره حول القضية التي يتحدث عنها بأسلوب لطيف وأكثر قبولا لدى المتلقي، وهو أفضل قطعًا من استخدام الأسلوب المباشر خصوصا إذا ما تعلق الأمر بالقضايا الجدلية كالتي طرحها في نص “إلى صديق ما في الخليج”. وبشكل عام فإنه يمكن للشاعر وضع النص الشعري في أكثر من تقنية فنية حتى لو كانت تنتمي إلى جنس أدبي آخر، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على خبرة الشاعر وتمكنه من لغته وأدواته الأدبية.
يقول الشاعر في نص ” أهدى جلالا” مخاطبا القائد الملهم:
كأنك حكمة الأقدار
تأتي بأبعد ما نراه
لنا احتمالا
ويتجلى أسلوب الخطاب أيضا في نص ” يا صغيري” حين يقدم الشاعر مجموعة من النصائح للجيل الجديد، مستحضرا التاريخ ليدفع بالقارئ إلى التمرد ضد الوجع الحاضر وضرورة البحث عن مستقبل أفضل. في المقابل يظهر الأسلوب القصصي واضحا في نص ” الشهيد” حين يسرد الشاعر قصة الشهيد بداية من الصراع مع الظن واليقين وصولا إلى الشهادة، ومن نداء الله إلى أبواب الآخرة، ويتساءل الشاعر عن حقيقة الشهيد وحقيقة الجاني إلى أن يصل إلى وصف الموقف العظيم حيث المثول أمام الله.
أيضا برزت قدرة الشاعر على الإبداع في استخدامه لتقنية التضاد. كانت تعابيره متجاذبة الأطراف بين المعنى وضده، حملت دلالات شعرية مذهلة، مما دفع إلى ترتيب بنية النص وموسيقاه ليكون أكثر انسجاما.
يقول السالمي في نص ” على إيقاع ضحكتها”:
قريبا أو بعيد
أنت أخيلتي
حزينا أو سعيدا
أنت أوردتي
قليلا أو كثيرا
أنت أمنيتي
ويرتسم التضاد بين الأسود والأبيض وبين النور والظلمة في المقطع الذي جاء في نص ” على إيقاع ضحكتها” حين يقول السالمي في صورة شعرية باهرة:
عن جبل جليدي
بلون الليل يطفئ نار شعلتها
قدم لنا إبراهيم السالمي ديوانا غير تقليدي، ثراء لغوي مفعم بالحب والحرية والموسيقى. كتب بألوان الفراشة على زرقة السماء لتحيا الشواهد ويمضي المجد نحو الخلود. تميز ديوانه بالإنسانية الصادقة النابعة من الطين والعطر. كان السالمي في كلماته طيرًا طليقا يسافر من غير تأشيرة إلى وطنه وغربته. كانت الموسيقى تنساب من شفته وقلمه بخيال ماجد يرد إلى الأذنين قبل العين أحلاما. كان بعمق سلالة الأمجاد وبطول سلاسل جبال الحجر وبسر النخلة الثكلى التي مضى بها نحو الضوء.


