(هو الله الخالق البارئ المصور لهُ الأسماءُ الحسنى يسبحُ لهُ ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) الحشر: 24
المصور لا يستطيع الكذب، لأن المُصور لا يتكلم، بل يترك الصورة تتكلم.
الفوتوشوب لا يدوم كالصورة الأصلية. بل يندثر بسرعة ويبقى الأصل: الأساس. الجذر والجذع.
حتى لو حاول المُصور الإنكار فإنهُ لا يستطيع، لأن الصورة تمنعهُ من الكلام. صورهُ ناطقة، كلامهُ صوَر.
التصوير نقلٌ صادق، الصدق شجاعةٌ، الشجاعةُ حبٌ منقطعُ النظير.
لم يكن محمد يغرّد، لم يكن يُصفِّر، كان ينتج صوراً سريعة، كان يعبث بالكاميرا على تويتر، كأي مصوِّرٍ محترف، لا يفارق كاميراته، أينما ذهب.
المُصور هو عاشق التصوير،
يخلبهُ التقاط الزمن وتجميده في الحياة كما لو كان سائحاً جاء من عالم الغيب، ويذهبُ إلى عالم الغيب: ويلتقطُ في الأثناء صورَ الأزمنة التي تعجبهُ.
المصور المحترف يحوِّلُ كل الصور التي تمر بخيالهِ إلى أزمنة متجمدة يمكن تأملها بالعين المجردة. وفهمها.
الصورُ طريقةٌ للرؤية: للفهم، للقبضِ على المعنى، في لوحةٍ تشكيلية.
قراءة في صورة القفص
القفصُ معلقٌ في السقف وثابت، الصورةُ لمحمد الحبسي التقطها كما أحسب من فعاليات مهرجان مسرحي أقيم بمسرح جامعة السلطان قابوس، لكنها كصورة انفصلت عن حدثها الرئيسي لتأخذ حياةً أخرى بين يدي ملتقطها ومشاهديها، وبالتالي تأخذ معناً رمزياً. وإسقاطاً.
السجين في الصورة ليس سجيناً فعلياً، القفص يوشك على الوقوع، لكنهُ لم يقع بعد، هناك زمنٌ متجمدٌ قبل السجن، في الصورة.
السجين يأخذ وضعية الترقب، الانتظار، الخوف، عينهُ معلّقةٌ بالقفص، السجين ليس سجيناً فعلياً بعد، لكنهُ في أفكارهِ سجين، يتخاذلُ إلى الأرض، لا ينتبه أبداً إلى أن هناكَ فرصة واسعة وأبعاداً أربعة كي لا يقعَ في الأسر، كي لا يكون سجيناً في السجن، لكنهُ لا يستثمرها.
في الأرضية تتوزع أجسام سوداء داخلها أبيض، تحيط بالسجين، هل هي الأيام؟ ربما، أم هي أجسام تعبيرية عن الظلام والنور، أسود/أبيض، السجين نفسهُ مرقع القميص بالأبيض على الأسود؛ خلفية الصورة كلها سوداء والإضاءة ساقطة من الأعلى، على الحدث: لحظة السجن المتجمدة فوق رأس السجين، المتعلق بصرهُ في القفص.
السجين مسجونٌ في أفكاره أولاً.
السجينُ سجينٌ في شبح السجن، تتمنى لو تنادي السجين: أيها السجين حرر أفكارك تتحرر، كانت الحرية في البدء فكرة.
أيها السجين لست سجيناً بعد، هناكَ خطوة تفصلك عن السجن، لا تقفز نحو السجن، اقفز نحو الحرية، خذ يميناً أو شمالاً. للأمام أو الخلف. تحرّك، جمودك سجن، حركتك حرية.
لكن الصورة ليست واقعية، الصورة مسرحية، والبطل تحت القفص فنان، هذه مسرحية وليست واقعاً، لا تتقمص الدور كثيراً وتصدقه، خذ بنصيحة برترلد بريخت، فبريخت محترف وخبير. اتبع نصيحتهُ في عقلانية التمثيل: تفكيك التمثيل. السجين ممثل، والقفص، وكل عناصر الصورة، تمثيل، مجردُ رمز، مجردُ صورة.
التمثيل ليس فناً على الدوام، وأحياناً كثيرة واقع حقيقي، احذر التمثيل أيها المفتون بالممثلين، الفنانين، المخرجين، والنجوم، الكتاب، العلماء؛ فكلهم ممثلون يا صديقي كلهم ممثلون.
وهذه الدنيا كلها مسرحية، لم تنتهي فصولها بعد.
أيها المخرج الشاب، هذه التمثيلة الآن صارت تذكرني بجامع الفناء الذي رأيناه معاً في رحلتنا إلى مراكش، ونحنُ مجردُ دراويش قادمون من القُرى الشرقية البعيدة، دعنا إذن نعود إلى مقهانا وشاينا اللذيذ في ليالي الأحلام. نذكرُ الله كل فينةٍ وأخرى.
مرافعة صغيرة في التمثيل مرتجلة دفاعاً عن فيلم:
حضرة القاضي، أنت ممثلٌ أيضاً مثلنا جميعاً، وتعرف ولا شك ظروف الممثلين. بالضبط كما في فيلم الأوسكار الأخير، الفنان The Artist،
أنا شاهدٌ أيضاً وفي شهادتي: هذا الفنان، المتهم، مجردُ فنان، ومن في أقفاص الاتهام مجردُ ممثلين بسطاء.
خرجوا من بيوتٍ بسيطةٍ وأليفة، كتلك البيوت التي يا سيدي القاضي خرجت منها أنت أيضاً، في ذاكرتك.
البيت كالوطن، والبيت هو المكان الذي تأخذ فيه حريتك، من فرط شعورك بالأمان، الاطمئنان هو الوطن، من نحمي اطمئنانهُ بأرواحنا في المعركة، كما فعلَ أجدادنا طوالَ آلاف السنين.
طمأنينةٌ تحرسها أرواح أجدادٍ ماتوا وهم شرفاء، يتقون الله ويعبدونهُ في المساجد والمعابد والمصليات المطهرةِ بنقاء الأفعال والنفوس والأرواح والثياب، خمس مراتٍ في اليوم.
أجدادٌ أسطوريون، هم فقهاءٌ وعلماءُ سرٍّ إلهي، وعلماءُ صيدٍ وفلاحةٍ ورعاة حياة.
سيدي القاضي، كل ما نفعلهُ من أجل الوطن، وهذه كلها مسرحية عمرها طويل جداً أكبر من أعمارنا جميعاً، لم تعد تتحملُ إلا مشهداً مكرراً واحداً، قاتلاً ومملاً، ونحنُ قادمون لإنقاذ نهاية المسرحية بالتمثيل!
المشكلة يا سيدي أن واشياً مغرضاً سرق صور أحلام محمد والشباب، أخرجها من الكومبيوتر، ذهب بها إلى واقع مراكز الشرطة، والشرطة استدعت واحتجزت، وحققت وأحالت إليكم متهمين.
لكن يا حضرة القاضي، كما أن المحامي الذي يمثل أمامكم ممثل، فالفنان المتهم ممثلٌ أيضاً، وأنت أيضاً، مثلنا جميعاً في الحياة، نمثّل ما نراه واقعاً.
الفنان من بيننا هو صاحبُ العمل الفني، لكنهُ في الحقيقة مجردُ مخرجٍ مساعد، والمخرج الفعلي هوَ الأقدار.
هذا ليس متهماً ولكنهُ فنان، وما يفعلهُ كلهُ أعمالٌ فنية بلا انقطاع.
حضرة القاضي: هل تحاكم اللوحة الفنية، والفيلم القصير؟ هل تحاكم الصورة؟ والصورة لم تخلق المشهد، الصورة صورته، وذنب المصوّر ضغطتا زر. أما المشهدُ فيومي، مستمر، لا يمكن الوعي بهِ دون صورٍ يلتقطها المصوِّر ويوزعهُا على المشاهدين، كي يروا ما يرونهُ دائماً ولا ينتبهون، كي يتأملوه، لا كي يخنقَ من صوره.
حضرة القاضي: إذا عاملنا المصور بهذه الطريقة منذ شبابه، فمن سيصور أطفال القرية بعده؟ ويهديهم الصور كي يرى الناسُ بعضهم البعض، في كل مكانٍ على امتداد الأرض، وحين يرون صورهم يتبسمون، كل الناس، في كل مكان؟
الممثل ليس مجرماً لكنهُ مجردُ فنان، يمثل الدور، وفي نصف الفيلم هجمت الشرطة، نتيجة وشاية مغرضة، وسوء فهمٍ شنيع، وجرجروه إلى المحكمة.
هذا فيلم ضخم، كلنا نمثل فيه، إسمهُ عمان 2012، سيناريو الفيلم الذي نقومُ بأدائه مكتوبٌ منذ زمن طويل، والآن يعكفُ الجميع على تعديل السيناريو نحو نهاية رائعة للجميع.
لكن هناك من يقاوم التغيير، ليس بسبب العداء، بل خوفاً من المستقبل.
أيها القاضي: هل تخاف من المستقبل؟ إذن أعد لهُ العدة في الحاضر، جهز مؤونة السفر، فنحن جميعاً مجردُ ممثلين نؤدي أدواراً في رحلة المسافر، والمسافر مؤرخ، مصور، كاتب، فنان، ممثل، يصنعُ لوحات فنية هائلة تسكنُ الصور وتستقر في الأذهان، يمكن قراءتها كل يوم، في عيون كل الناس، وضمائرهم.



