دائما ما يفجر دونالد ترامب قنبلة في خطاباته السياسية ومناظراته، بتعليقات أو تصريحات، قد تتعلق بحدث حقيقي لكنه يعمد إلى تضخيم الأمر بصورة درامية، وفي بعض الأحيان كوميدية مما يجعله بعد ذلك حديث الإعلام والناس في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. ويتبنى ترامب ذلك الأسلوب كي يستميل فئة معينة من الناس تتوافق مع فكرته عن الآخر الشرير وشيطنته للغرباء (المهاجرين تحديدا) أو ما يعرف اصطلاحا بالزنوفوبيا. وتعرف موسوعة بريتانيكا الزنوفوبيا “بأنها الخوف والازدراء من الأجانب أو أي شيء ينظر إليه بأنه أجنبي، أو الاعتقاد أن مجموعة من الأجانب أو الثقافات تمثل تهديدا للهوية الأصلية للدولة أو الأمة لذاك (المستضيف)، وأنها لا تستطيع الاندماج في المجتمع المحلي بسلمية”.1 وتعمدت وضع التعريف كاملا؛ لأنه يشتمل على المواضع التي يستخدمها ترامب في خطابه عند الحديث عن الأجانب والمهاجرين؛ فهو يحذر من خطرهم كي ينشر الخوف منهم بين جمهوره. وأحيانا يزدريهم ويستهزئ بهم ويشير كذلك إلى عدم مقدرتهم على الاندماج في المجتمع الأمريكي. وهذه إحدى أسباب جماهيريته لدى الفرد الأمريكي البسيط الذي يعاني من المصاعب الاقتصادية وأيضا بين شريحة من الناخبين الذين يحملون هذا الخوف أو العداء نحو كل ما هو أجنبي ومختلف عن الثقافة الأمريكية.
وإذا أتينا على الحادثة التي ذكرها تحديدا في مناظرته مع المرشحة الرئاسية كاملا هاريس؛ فهي ليست كما وصفها ترامب. كان ترامب يشير إلى أن بعض المهاجرين من هايتي يأكلون القطط والكلاب، وهي محاولة منه للتحريض على المهاجرين ضمن سياق نهجه المعتاد في استعداء الأجانب القادمين إلى أمريكا بطرق “غير شرعية”، وذلك لإرضاء شريحته من الناخبين؛ فترامب يقدم نفسه على أنه ذلك الشخص الوطني الذي لا يخشى قول الحقيقة مهما كانت مرة وهو يضع مصلحة أمريكا أولا مرسخا صورة الأمريكي المعتد الذي لا يهاب شيئًا.
وهذا النهج تتبعه العديد من أحزاب اليمين خاصة في أوروبا مستغلة بعض الأحداث التي يتورط فيها المهاجرون، مستخدمين قضية الهجرة بعبعا يخوفون به الجماهير ويصورنها على أنها تهديد لثقافتهم ووجودهم نفسه.
ولكن على ماذا استند ترامب في ادعائه ذلك؟
تناقلت وسائل التواصل حادثة في مدينة سبرنجفيلد في أوهايو، حيث ألقت الشرطة القبض على امرأة قتلت قطة من أجل أكلها كما يصف الشخص الذي أبلغ الشرطة،2 وقبل ذلك نشر أحد المؤثرين من مدينة سبرنجفيلد فيديو يدعي فيه أن مهاجرين من هايتي يصطادون البط من أجل أكله،3 وهنا انقسم المعلقون على الحادثة في أمريكا بين من يلوم المهاجرين (وفي تلك الحادثة القادمون من هايتي) وبين آخرين يقللون من حجم الحادثة، ورغم نفي المسؤولين في تلك المدينة وقوع تلك الحوادث إلا أن ذلك لم يمنع ترامب وأنصاره من استخدامها كمثال في خطابهم المناهض للمهاجرين.
ويعرف عن شعب هايتي فقرهم الشديد بسبب ضعف الاقتصاد والاستبداد السياسي وتفشي الجريمة والكوارث الطبيعية التي تضرب تلك الجزيرة من حين لآخر، ورغم صغر حجم البلد إلا أن هايتي حافلة بالتاريخ وغنية بالثقافة المحلية والأساطير، كانت هايتي أو كما كانت تعرف سابقا بسانت دومينك تحت الاستعمار الفرنسي، وهي من أوائل الأمم التي تحررت من الاستعمار بعد ثورة1791، وبسبب الأوضاع المزرية لشعب هايتي الذي يقع أكثر من 60% منه تحت خط الفقر (الأمم المتحدة). هاجر العديد منهم متجهين خاصة إلى الولايات المتحدة الأقرب جغرافيا، وتعليقا على الاتهامات السابقة أكد الكثير منهم بأن شعب هايتي لا يأكل القطط ولا الكلاب وأن تلك الادعاءات لا صحة لها وحادثة المرأة التي قتلت قطة هي حادثة معزولة ولا علاقة لها بثقافة الشعب الهايتي وعاداته.
وربط بعضهم تلك الحوادث بديانة الفودو التي يمارسها بعض شعب هايتي، ورغم أن طقوس الفودو تتضمن تقديم أضحية حيوانية، إلا أن ذلك الأمر نادرا ما يمارس ممن يعتنقون تلك الديانة، وبالحديث عن الديانة في هايتي؛ فإن الكاثوليكية هي الأكثر انتشارا هناك تليها البروتستانتية.4 وتعود جذور ديانة الفودو إلى موطن شعب هايتي الأصلي في غرب إفريقيا، حيث نقل العبيد المجلوبين من هناك عاداتهم وتقاليدهم وممارستهم للطقوس الدينية إلى موطنهم الجديد، وأصل الفودو هي ديانة الفودن في غرب إفريقيا وتحديدا فيما يعرف الآن ببنين وتوغو وجزء من نيجريا،5 وقد شوهت الثقافة الشعبية الغربية في الأفلام والمسلسلات والكتب ديانة الفودو وصورتها على أنها طقوس شيطانية تستخدم لممارسة السحر الأسود لإيقاع الضرر والشر، وينفي أحد رجال هذه الديانة ذلك بل إنه لا توجد دمية الفودو المشهورة الذي يستعان بها لإيذاء شخص ما عن بعد .6
أدى الاستعمار الفرنسي لجزيرة سانت دومينك إلى اعتناق العديد من شعب الهايتي الكاثوليكية، ومع ذلك لم تندثر الفودو وظلت ماثلة إلى وقتنا هذا، وتشترك الفودو مع الكاثوليكية في بعض الجوانب مثل التقرب إلى القديسين الذين تنتشر صورهم في معابد الفودو وذلك نتيجة لاضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لمعتنقي ديانة الفودو ومحاربتها لها، وتقتصر التضحية بالحيوان على ممارسة طقوس الفودو؛ إذ يضحى بحيوان ما (دواجن، ماعز أو ثيران) لتكريم الآلهة (لوا) لتنجب غضبها أو طلبها لعونها ومباركتها.7
الأقليات المهاجرة في الولايات المتحدة
من السهل إلقاء اللوم على الأقليات المهاجرة وتحميلهم أسباب المصاعب الاقتصادية والمشاكل التي تعاني منها المجتمعات، في حين تكمن الأسباب الحقيقية لتلك المسائل في سياسات الدول وغياب العدالة الاجتماعية والظروف العالمية. وهنا تبرز أهمية التعرف على الآخر وثقافته، إذ من شأن ذلك فتح قنوات للحوار وبالتالي التوصل إلى صيغ تعايش وتفادي المشاكل التي تنتج عن سوء الفهم والإقصاء، ولا يمكننا نسيان دور السياسيين وأحزابهم في التحريض ضد الأقليات والمهاجرين فيما يخدم أجنداتهم السياسية وتطلعاتهم الانتخابية.
دونالد ترامب أحد أكثر الرؤساء الأمريكيين تفردا وغرابة، إذ يشذ عن التصرفات المعتادة من الرؤساء بتصريحاته وطريقة حكمه ودبلوماسيته الحادة والصريحة، ورغم غرابته وفظاظته إلا أنه يعرف كيف يخاطب جمهوره ويحشد أتباعه، لدرجة أنه دفع أنصاره -كما يتهم- لمهاجمة مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021 بعد خسارته الانتخابات الرئاسية. ويمكن لنا مقارنة ترامب مع بعض القادة والديكتاتوريين والملوك، حكام الخليج على سبيل المثال، من ناحية علاقته بأتباعه الذين يرتبطون به بعلاقة خاصة؛ إذ يرون فيه رمزا وقائدا يحملون له حبا وعاطفة لا تكون عادة بين السياسيين وجماهيرهم. ومن ناحية أخرى، يثير إصرار ترامب على الوصول مرة أخرى إلى البيت الأبيض الإعجاب! ويبدو أن سعيه للوصول لحكم أمريكا نابع من حبه للسلطة، باذلا كل ما في وسعه لتحقيق مسعاه كما تدل على ذلك تصريحاته باستعداده لتمويل حملته الانتخابية من ماله الخاص.8
تعاني الأقليات في المجتمعات الغربية وغيرها من التهميش وتجاهل وسائل الإعلام لها وعدم قدرتها على إيصال صوتها والتعبير عن ثقافتها الحقيقية. لتصبح هدفا سهلا لبعض الأحزاب والسياسيين الذين يشترطون لقبول تلك الأقليات والاندماج التام في ثقافة البلد المستضيف وتجنب التصادم مع السلطات والقوانين التي في أحيان كثيرة لا تراعي خصوصية ثقافة تلك الأقليات، ورغم أن الوضع تحسن قليلا مع وسائل التواصل الاجتماعية، إلا أن الرأي العام الذي توجهه الشركات الإعلامية والمؤسسات الضخمة وتحركه لا يزال منحازا ضد تلك الأقليات، خاصة المهاجرين، بحكم التاريخ والحوادث المنفردة التي تضخم والحملات الإعلامية الموجهة بعد أحداث معينة مثل التي شنت على العرب المسلمين في وقت ما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- Kulik, R. M. (2024, August 29). xenophobia. Encyclopedia Britannica. https://www.britannica.com/science/xenophobia
2- Millward, D. (2024, September 13). Watch: Woman arrested for eating a cat amid Springfield pet controversy. The Telegraph. https://www.telegraph.co.uk/us/news/2024/09/13/watch-woman-arrested-for-eating-a-cat-amid-springfield-pet/
3- Wendling, M. T. & M. (2024, September 15). Donald Trump repeats baseless claim about Haitian immigrants eating cats and dogs in Springfield, Ohio. BBC News. https://www.bbc.com/news/articles/c77l28myezko
4- Girault, C. Antoine , MacLeod, . Murdo J. , Ferguson, . James A. and Lawless, . Robert (2024, October 11). Haiti. Encyclopedia Britannica. https://www.britannica.com/place/Haiti
5- Hurbon, Laënnec. (2022) 2023. “Haitian Vodou”. In The Open Encyclopedia of Anthropology, edited by Felix Stein. Facsimile of the first edition in The Cambridge Encyclopedia of Anthropology. Online: http://doi.org/10.29164/22haitianvodou
6- YouTube. (n.d.). YouTube. https://www.youtube.com/watch?v=7vxh_T9A0-E
7- Hurbon, Laënnec. (2022) 2023. “Haitian Vodou”. In The Open Encyclopedia of Anthropology, edited by Felix Stein. Facsimile of the first edition in The Cambridge Encyclopedia of Anthropology.
8- NBCUniversal News Group. (2024, March 25). Trump says he “might” spend his money on his presidential campaign. NBCNews.com. https://www.nbcnews.com/politics/2024-election/trump-says-might-spend-money-presidential-campaign-rcna144979




