هي الأنثى بلا عنوان

بعد فراغه من المحاضرة بدأ سماحته بالرد على بعض أسئلة الجمهور بحسب الوسع نظراً لاحتباس المحاضرة بين صلاتي المغرب والعشاء وكانت أجوبة سماحته تتسم بالكثير من العمق المقاصدي والتبحر النفيس في علم الأصول ورغم اختلافنا مع سماحته في بعض القضايا وهذا الاختلاف مؤشر لسلامة النزعة البشرية ، فإني أسجل إعجابا شخصيا بسماحته وأسأل الله أن يوفقنا جميعا ً لمرضاته.

nqab

فرغتُ للتو من صلاة المغرب في الحرم المكي حيث الأجواء الروحانية والمشاعر الدافئة تملأ الصحن المقدس عبقا إيمانيا رائعا … وقد هممت بالخروج لاهثا وراء متاع هذه الدنيا إلا أن تجمهراً لبعض الذين أنهوا صلواتهم شد انتباهي وهم يتحلّقون بشيء من الاستعجال حول شيخ وقور فاستوقفني ذلك المشهد بعض الوقت، لم أتمكن من التعرف عليه فالمسافة طويلة بالقدر الذي يكفي لأن أقرص عيني مجتهداً في التعرف على الشيخ ، إلا أن المشهد كان ينبئ عن أنها شخصية دينية استثنائية ، خاصة وأن مكبرات الصوت بدأت ترسل إلى مسامع الناس ما يدور في تلك الحلقة وهذا ما لم يُعهد كثيرا في حلقات الذكر في الحرمين الشريفين .. فألزمني ذلك الجلوس تحت إحدى المكبرات الصوتية للاستماع بعد أن تعرفت على الصوت وأيقنت أنه سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز آل الشيخ حفظه الله مفتي المملكة العربية السعودية ، بلادنا الثانية .

بعد فراغه من المحاضرة بدأ سماحته بالرد على بعض أسئلة الجمهور بحسب الوسع نظراً لاحتباس المحاضرة بين صلاتي المغرب والعشاء وكانت أجوبة سماحته تتسم بالكثير من العمق المقاصدي والتبحر النفيس في علم الأصول ورغم اختلافنا مع سماحته في بعض القضايا وهذا الاختلاف مؤشر لسلامة النزعة البشرية ، فإني أسجل إعجابا شخصيا بسماحته وأسأل الله أن يوفقنا جميعا ً لمرضاته.

على أي حال ، ما هي إلا لحظات قصيرة حتى فغر الفاه وتزاحمت على وجهي ملامح الأسف والانقباض حينما أنهى القارئ قراءة سؤال أحد الأخوة الذي يلتمس الخلاص من معضلة شغلت باله وقضت مضجعه تمثلت في رفض زوجته لبس النقاب رغم شدة إلحاحه عليها وأنه قد فشل في إقناعها بذلك : فهل يطلقها ؟ !!! وقد أعادني ذلك السؤال إلى قصة نشرتها إحدى القنوات الفضائية عن وجود قبيلة خليجية تحرم نظر الزوج إلى وجه زوجته ، وقد اجتمعت القبيلة للنظر في أمر شيخ طاعن في السن ، له من زوجته تسعة أولاد نظر عن عمد إلى وجه زوجته وبناء على ذلك الجرم كان لا بد للأعيان ووجهاء القبيلة من بحث المسألة والنظر في أمر ذلك الشيخ المخالف !!!!! .

الحقيقة أنه لا يزال الأفق الخليجي عموما على رحابته واتساع فضاءاته يضيق على الجنس الآخر الذي يُعرف بالمرأة ، المرأة التي ظلت منذ لحظة انطلاق البشرية عنصراً رئيسياً في تشكل النسيج الاجتماعي ، ولا يزال جانب من إنتاجنا الفقهي يُعنى بتوثيق الأصل العام للشريعة الإسلامية بجلب المصالح ودرء المفاسد وهذا السير الإجرائي في مجموعه المطلق محل تقدير كبير وإسناد أكبر على اعتبار أنه ينتهي إلى مصب الحماية الشاملة للمقاصد العامة ولا إشكال في ذلك ، لكن الإشكال يكمن عند أخذ ذلك بشيء من التطرف والتحجر وإلزام الناس بمفهوم النص الآني دون اعتبار كاف بالمآلات ومحتملات ذلك التكليف .

لا يهم الآن التعرض للخطاب الديني والوقوف عند دلالاته الراهنة خاصة في جانبه الأسطوري ودقة ارتباط ذلك بالمستويات الواقعية ، كما لا يهم الوقوف عند الحكم الشرعي للنقاب فقد تكلم الكثيرون في ذلك مطولاً ، إلا أن الذي يهم الآن في تصوري هو ضرورة الوقوف عند بعض حالات الفشل الأسري التي يكون الرجل فيها عاملاً موجها كعمليات الشحن السلبي ضد المرأة (الخليجية تحديدا) وجاهزية هذا الرجل في تفكيك أسرة قائمة وإلغائها من النسيج الاجتماعي لسبب لا يبدو مقبولا على الإطلاق . ولأن الرثاء الفكري أداة من أدوات التعبير والتغيير نحو الأفضل لبعض القضايا الاجتماعية والمفاهيم الإنسانية والثقافات البشرية رغم ما يمكن أن يُتهم به بعض الناتج الفكري من عبثية ربما غير موجهة لكنها قادرة على إرباك النسق العام للفهم الاجتماعي تجاه تلك القضايا ، فإن لذلك الرثاء لدى دعاة الإصلاح رجاء تحقيق بعض المعالجات الملحة والتخفيف من عوارض الفهم الإنساني غير الواقعي للدعوات الإلهية والمشاعر الهادرة والملتهبة بالحماس الدعوي والمتحرقة إلى محاكاة المجتمع القرشي كأساس مرجعي واستنساخ ملامح تاريخية لعصور كلاسيكية عاشت في قرون غائرة ملفوفة بجملة من الظروف والاعتبارات لا تبدو متوفرة بالقدر الذي يكفي لعملية الاستنساخ في عصرنا هذا .

ربما يُقرأ كلامي من الجنسين – أنصار القضية محل الموضوع – على أنه دعوة خفية للتضييق على الطموحات الدعوية والسعي إلى إصابة جانب مفصلي في المد الدعوي وليس الأمر كذلك أبداً ، بل هو دعوة إلى السماح للتيار الدعوي عموماً بالتوسع والتحرك باتجاه المعالجات الإنسانية والعمل على تعطيل كل المولدات الطبقية للمجتمعات المسلمة والتعامل مع الدعوات الربانية بقدر من التدبر والوعي والواقعية ، خاصة في ظل فشل مشاريع سياسية عديدة لا تزال بعيدة عن ملامسة الضمير المسلم وهي تنظر إلى الفكر الدعوي عموماً بشيء من التوجس وعدم الرضا واعتباره واحداً من عوامل التخلف النهضوي ، وأحد أهم أسباب ذلك التصور السلبي تجاه الفكر الدعوي هو صعوبة إسقاط بعض التنظيرات الدينية على أرض الواقع لأنها لم تتفاعل مع المصالح الراهنة بالقدر المطلوب وعلى المنظرين في المجالات الدينية أن يعوا ذلك ويتنبهوا له .

إن الأمر الرباني للمرأة بخلع القناع (النقاب) عند ممارسة منسك الطواف الأصيل رغم حالة الاختلاط أثناء الطواف وما يستتبع ذلك من التدافع والتزاحم لأمر يبعث على التأمل ، إذ ما من شك في أن لذلك مضامين ربانية عديدة أقل جوانبها هو التأكيد على حق هذا الكائن في التماثل ضمن نوعه وجنسه ، وبأن للمرأة عنوان تماما كما أن للرجل عنوان فحبس وجه المرأة (عنوانها) خلف قناع لمجرد أنها أنثى هو انتزاع لحقها في الحرية التكوينية في جانبها الشعائري ومثل هذا ما يُجرّيء أعداء الإسلام وخصوم الصحوات الإنسانية نحو التدين إلى تسفيه الأيديولوجيات الدعوية واعتبارها تيارات ذات دافعية سلبية تجاه النهضة والتحضر ، لستُ أدعو إلى فتح السدود الفقهية لتنطلق رياح التنوير باتجاه بنات الإسلام ولكني أدعو إلى التأمل في مآلات بعض تلك السدود القهرية من خلال حواضنها الاجتماعية والتفتيش عن خيارات أكثر ديناميكية مع سياقات الواقع المعاصرة ، ومحاكمة الوعي الإنساني الذي وصل بالرجل الفوق مجتمعي إلى مستوى تقبله لفكرة تفكيك أسرته ومعالجة نمط تفكيره وتعاطيه مع المرأة عموما ونظرته إلى الوجود النظرة المتعالية وبمعنى آخر إنتاج نماذج اجتهادية تفريعية جديدة أكثر تجانسا مع الضرورات الراهنة وتكاملاً مع تطلعات الفرد والمجتمع ، أي العمل وفق نظام الأنثروبولوجيا الدينية ، على أن تجاهل ذلك والاستغراق في التنظير الديني الذي يكتفي بمحاكاة السابقين والتضامن الفقهي معهم كفيل بتوليد نزعات فردية تجاه الخروج ؛ ليس عن الشأن الدعوي العام بل خروجا عليه ولن يكون ذلك مستغربا على الإطلاق ، فعلى سبيل المثال تشير بعض الإحصائيات إلى وصول عدد حالات الطلاق المسجلة في السعودية لعام واحد مثلا إلى 24000 حالة طلاق (عام2005) ، ويُرجع المختصون ذلك إلى جفاف الجانب العاطفي وانحسار معدلات الوعي الديني والأسري فهذا الرقم المهول جدير بأن يدفع بالتنظيرات الدينية إلى الوقوف عندها وقفات جريئة وشجاعة مع العلم بأن بعض الاتجاهات الفكرية ( الأتاتوركية مثلا) ترى بأنه قد فات أوان التنظير أصلاً وبأن قدر الأمة قد أصبح ظلة فوقها لا تملك إلا سبيل التكيف معه وبصرف النظر عن دقة ذلك التصور وصحته (مع تحفظي الشخصي عليه) إلا أن واقع الحال يجبرنا على قبول فكرة الحراك التجديدي انطلاقا من الثوابت الأصيلة لديننا الحنيف ، فإن السماح بوجود أي تضاد بين الدين وبين المدنية كاف لإصابة مفاصل الدعوة بالشللية التامة وبالتالي تعثر المشروع الحضاري برمته ، مع العلم بأن التضاد المقصود هنا هو نتيجة الضمور في مساحة الفهم الإنساني للدين الذي هو في الأساس المخلص الوحيد للإنسانية من ضيقها وحرجها إلى سعة هذا الكون وفضاءاته المترامية .

ولا شك في أن وجود عينات كارثية لهذا النوع من الرجال مؤشر إلى قصور حاد في القدرة على تحديد الاتجاهات ورسم المسارات الآمنة وبالتالي تمزق النسيج الاجتماعي أو ترهله ، وليس ذلك فحسب بل هي مؤشر لخلل عام تعاني منه بعض مجتمعات الإسلام (الخليجية تحديدا) وهي في طريقها للتدهور الاجتماعي ما لم تتنبه إلى ذلك ، فإن البشرية بتخليها عن الدين ستضِل حتما وتتيه في وحول الجهل والتخلف المظلمة ، وهي ستضِل كذلك بفهم مغلوط لهذا الدين .

العدد الحادي عشر ثقافة وفكر

عن الكاتب

خالد بن سعيد الكندي

كاتب عماني

اترك تعليقاً