في بيئة اجتماعية متغيرة ومشهد إعلامي مفتوح على النقد والمساءلة، لم تعد القرارات الحكومية تقاس فقط بنتائجها، بل أصبحت تفحص منذ لحظة إعلانها، بل ومنذ تسريب نواياها، وفي هذا السياق يمكن القول إن وزارة العمل باتت تمثل نموذجًا لما يمكن أن نسميه بفقدان الاتصال العاطفي والمؤسسي مع الشارع، رغم حساسية قطاعها وتأثيره المباشر على حياة الأفراد والاقتصاد الوطني.
أزمة هندسة الخطاب العام
يلاحظ المتابع أن الوزارة منذ أعوام لم تتمكن من بناء خطاب مؤسسي متزن وواضح ومتدرج أو حتى مقنع، وفي الوقت الذي يعاني فيه آلاف الشباب من تحديات البحث عن العمل تصدر تصريحات لمسؤولين تقلل من حجم الأزمة، أو تحمل الباحث عن العمل مسؤولية إخفاقه، وعلى سبيل المثال، أحد التصريحات الشهيرة تحدث عن وجود آلاف الفرص لكن الشباب لا يقبلون بها، دون أن تشرح الوزارة ما هي هذه الفرص، وما إذا كانت ملائمة من حيث الرواتب والبيئة والاستقرار المهني.
هذه الفجوة بين لغة الواقع ولغة المسؤول ليست مجرد اختلاف في التعبير، بل تمثل من منظور الاتصال المؤسسي خللًا بنيويًا في التمركز حول الجمهور، أي غياب ما يعرف بالمحورية الجماهيرية في صناعة الرسالة، والمسؤول حين يتحدث من موقع السلطة دون إدراك للسياق الاجتماعي والنفسي للمتلقي، فإنه ينتج خطابًا باردًا يخلو من التعاطف ويفتقر إلى عناصر التوضيح والاعتراف بالمعاناة وهنا تتحول الرسالة إلى أداة تبرير لا وسيلة تواصل، وتفقد المؤسسة قدرتها على بناء الثقة أو احتواء النقد.
والمؤسف أن وزارة العمل خلال أكثر من مناسبة لم تستطع كسر هذا الحاجز بين لغتها الرسمية والواقع المعاش، فالتصريحات التي تلقي باللوم على الوضع الاقتصادي أو التي تظهر عدم إدراك لتحديات أصحاب المؤسسات الصغيرة، كلها أمثلة على خطاب عمودي لا يستوعب أفقية العلاقة مع الجمهور، ووفق أدبيات الإعلام الحديث – والتي تفقدها الوزارة في رأيي الشخصي – فإن هذه الفجوة في اللغة تؤدي إلى تآكل الصورة الذهنية للمؤسسة، وتُشعِر الناس بأنهم أمام جهاز إداري معزول عن نبضهم، لا مؤسسة وطنية تسير معهم في درب الحلول.
وهذا بالضبط ما حصل مع الحملات التي تشنها وسائل التواصل الاجتماعي حول منظومة إجادة، فمن المنظور الإعلامي يعكس الجدل المصاحب لتطبيق منظومة إجادة فجوة عميقة بين الوزارة والجمهور، ليس في جوهر القرار بل في طريقة التواصل والإقناع به، إذ كان يمكن للوزارة أن تحوّل هذا التحدي إلى فرصة لتعزيز الشفافية والشراكة، عبر حملة اتصالية استباقية توضح فلسفة المنظومة وآليات التقييم ومبرراتها الواقعية، غير أن غياب خطاب إعلامي إنساني يتسم بالتعاطف والركون إلى تبريرات لا تمس مشاعر الموظفين ولا مخاوفهم فاقم من الأزمة، وفتح المجال لتنامي السخط في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا السلوك الاتصالي يتماشى مع نمط عام للوزارة، ويتمثل في ضعف التمركز حول الجمهور والافتقار إلى منهجية إصغاء فعالة تعزز الثقة المتبادلة، وهي إشكالية أعمق من مجرد خلاف على منظومة تقييم، بل تتصل بمصداقية الخطاب المؤسسي في حد ذاته.
انعدام الفعل الإعلامي في لحظات الأزمة
في أغلب الأزمات الاتصالية التي مرت بها وزارة العمل، يظهر نمط ثابت يؤكد على وجود خلل بنيوي في العقل الإعلامي المؤسسي، والغياب شبه التام عن المشهد وقت الأزمات، فخلال اللحظات الحرجة التي تتطلب تواصلاً مباشرًا وشفافًا مع الجمهور، تختار الوزارة الصمت أو الاكتفاء بمنشورات مقتضبة لا تُجيب على تساؤلات الناس، لا بيانات شافية ولا تفسيرات مقنعة، ولا حتى منصات تفاعلية تدير الحوار مع الفئات المتأثرة، والأمثلة عديدة لعل آخرها القرار المفاجئ الذي استهدف أصحاب السجلات التجارية الحديثة برسائل تحذرهم من ضرورة توظيف عمانيين خلال فترة زمنية وجيزة، دون أي توضيح رسمي ولا بيان يشرح خلفية القرار ولا آلية تطبيقه أو إشارة مراعاة واقع المؤسسات الناشئة في السوق، حتى عندما نُشر التوضيح بعد 5 أيام، لم تلقى التبريرات أو المسببات أي قبول من الجمهور، وهو أمر آخر لا يسع الحديث عنه حول اختصاصاتها الأصيلة في تنظيم سوق العمل وبين اتخاذ قرار يمس المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
هذا الفراغ الإعلامي خلف ساحة مفتوحة للتأويلات والإشاعات والانفعالات، فباتت وسائل التواصل الاجتماعي هي المسرح الرئيسي للجدل، بدلاً من أن تكون الوزارة هي من تقوده وتوجّهه، وهو ما يعكس غيابًا تامًا لتطبيق ما يُعرف في أدبيات الاتصال المؤسسي بنظرية الاستباق الإعلامي، التي تقوم على أن المؤسسات الناجحة لا تنتظر انفجار الرأي العام لترد بل تسبق الأزمة بخطاب وقائي وشفاف ومتفاعل، وهذا النمط من الأداء لا يضعف فقط من فعالية القرارات، بل يُراكم فجوة الثقة بين الوزارة والجمهور، ويجعل أي محاولة لاحقة للتوضيح أو الترميم متأخرة وغير مُقنعة.
خطاب متوتر مع الإعلام يعمّق عزلة الوزارة
في المؤتمر الصحفي لوزارة العمل والذي حضرته شخصيا، وجّه وزير العمل انتقادًا مباشرًا للإعلام الخاص، متهمًا الصحفيين بأنهم يسعون إلى الترند وإثارة الجدل وزيادة المتابعين، في تصريح لا يمكن وصفه إلا بأنه كسر واضح لقواعد العلاقة المهنية بين المؤسسات الحكومية والسلطة الرابعة، وهذا الخطاب لم يكن فقط تقليلاً من دور الإعلام، بل تعبيرًا عن أزمة أعمق في فهم الوزير لوظيفة الإعلام الحديث كأداة مساءلة وناقلة لنبض الناس لا مجرد وسيلة ترويجية لمنجزات الوزارة.
في العرف الإعلامي يعد احترام الإعلام شريكًا في البناء لا خصمًا في الميدان، ومن البديهيات الاتصالية التي تميّز المؤسسات الناضجة عن تلك التي تتعامل مع الإعلام بوصفه تهديدًا، حين تنتقد الصحافة قرارات الوزارة أو تطرح تساؤلات الشارع، فإنها لا تهاجم بل هي تمارس دورها الحيوي في التنبيه والتقويم، ومن المؤسف أن مثل هذه التصريحات تعيد إنتاج الفجوة بين المؤسسات الإعلامية وصناع القرار، وتضعف البيئة التفاعلية المفترضة، وتفتح الباب أمام المزيد من سوء الفهم والعزلة المؤسسية.
وفي النهاية الوزارة لم تدرك حتى اليوم أن بناء خطاب مؤسسي ناضج يبدأ من احترام الإعلام والإنصات له، لا مواجهته، لأن فقدان هذا التوازن يعني أن الوزارة ستواجه الأزمات بمفردها دون حلفاء في الرأي العام، وهنا أتحدث عن التحالف الناعم والذي تنتهجه المؤسسات الإعلامية الخاصة من مبدأ وطني بحت.
إلى معالي وزير العمل، القرار لا يكفي، بل كيف ينفذ
لا يختلف اثنان على أن إدارة سوق العمل مهمة شاقة ومعقّدة وأن إصلاحه يتطلب قرارات جريئة وشجاعة، لكن ما يُفقد هذه القرارات قوتها أحيانًا هو الطريقة التي تُدار بها، والوجوه التي تتولى ترجمتها للناس، فليس كل قرار عادل يُفهم بالضرورة على أنه منصف، ما لم يكن خلفه خطاب ذكي وإنسان يفهم الرأي العام، ويقدر مشاعر الناس ويتقن فن التوقيت والتواصل والإقناع.
ولقد أظهرت التجربة أن بعض الأصوات المحيطة بصناع القرار في الوزارة، لا تُحسن قراءة الشارع ولا تتقن التعامل مع الإعلام، ولا تبني جسور الثقة مع الجمهور، والخطر الأكبر أن تبقى هذه الأصوات تدير المشهد فتشوه الصورة وتحمّل الوزير والوزارة كلفة أخطائها، وهنا تأتي أهمية الاختيار الصحيح، فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على السياسات وحدها، بل على من ينفذها ويشرحها، ويُدافع عنها بمهنية وصدق، ولنؤكد مرارا بأن الرأي العام ليس عدوًا بل مرآة صادقة تحتاج فقط من يُحسن النظر فيها.

