الثاني والتسعون ثقافة وفكر

أحلام طائر الفينيق

صدر عن دار مسعى للنشر والتوزيع والجمعية العمانيّة للكتاب والأدباء كتاب أحلام طائر الفينيق: مقاربة بين مدينتين. أعدّه وحرّره الخطّاب المزروعي، وهو إصدار أدبي لنتاج أعمال ندوة التوأمة بين مدينتي صُور العمانية واللبنانية “تاريخيًّا- جغرافيًّا- ملامحيًّا” التي نفّذتها الجمعيّة العمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع الحركة الثقافية في اللبنان في مدينة صور العمانية خلال الفترة من 20-27 أبريل 2017م.

 

وقد ورد في المقدِّمة:” يأتي هذا الكتاب ليوثِّق جهود الباحثين في تلك الندوة، ويُتوّج التعاون المثمر بين الجمعية الحركة، لخلق توأمة بين المدينتين البحريتين والمتشابهتين ويعزز الدور الثقافي بين البلدين ومثقفيها، ولتكريس أهمية الأنشطة الثقافية المتبادلة بين أفراد الكتّاب والمثقفين العرب عمومًا.”

 

وحول البحوث التي يتضمنها الكتاب قال عنها الكاتب: “تتناول بشيء من التفصيل والتمحيص تاريخ المكان والإنسان، في المدينتين العريقتين؛ والعوامل الحضارية المشتركة والممتدّة التي جمعتها مدينتي صُور؛ حاضرة الفينيقيين أو الكنعانيين، يجمع المدينتين الامتداد الحضاري المشترك والعوامل الناتجة والمساهمة في ذلك الترسيخ الزمني.”

 

ويقع الكتاب في 144 صفحة ويتضمّن شقّين، الأول يجمع ورقتيّ عمل أُعِدّت حول مدينة صُور اللبنانيّة، والآخر يجمع ثلاث أوراق عمل حول مدينة صور العمانيّة، وفيما يلي اقتباسات مُنتقاة من كُلٍّ أوراق العمل المقدّمة:

 

جاءت ورقة العمل الأولى المقدّمة حول مدينة صور اللبنانية عن التحولات العمرانية المدينية في صور في العصر الحديث، للدكتور حسن دياب كاتب وباحث من مدينة صور اللبنانية، ويقول ضمن مقدمته: “يرجع تاريخ نشأة المدينة إلى نهاية الأف الثالثة ق.م. أي حوالي سنة 2750 ق.م. بحسب رواية المؤرِّخ اليوناني هيرودوت الذي زار صور في القرن الخامس ق.م.، حيث يذكر أن الفينيقيين وخاصة أبناء صور يعتبرون مناطق الخليج العربي موطنهم الأصلي، وقد أكدوا له أن أجدادهم نزحوا من تلك المناطق إلى سواحل المتوسط ومنها صور.” ثم يُكمِل: ” وقد تموضعت الجزيرة عند تأسيسها على جزيرتين واحدة كبيرة المساحة نسبيًا، وأخرى صغيرة، وتبعدان حوالي 1000متر عن الشاطئ. وفي عهد الملك حيرام (969-931)ق.م. تم توسِعة مساحة الجزيرة عن طريق الردم.”

وخلال حديثه عن التحولات التحديثية للعمارة في صور خلال الانتداب الفرنسي، قال: “ومهما يكن من أمر فإن الأبنية الجديدة التي بدأت تبرز مخترقة النسيج المديني التقليدي، قد تجاوزت وتعايشت مع مثيلاتها القديمة. وراحت المدينة للتوسّع باتجاه ما تبقّى من الفراغات المحاذية للمساكن، فتعددت الطوابق والحجرات لدى الفئات الميسورة. وهكذا بدأت ملامح الحداثة تسم الحيّز الديني بطابع جديد عكس صورة برجوازية مدينية أخذت تنمو باضطراد.”

 

وقد ختم دياب ورقته بتوصية جاء فيها ما يلي: “تُعد مشكلة الزحف العمراني على حساب الأراضي الزراعيّة، من المشاكل الأساسية التي تعاني منها مختلف المدن اللبنانيّة. لذا بات لزامًا على السلطات المسؤولة وضع ضوابط صارمة تقضي باتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير القانونية التي من شأنها أن تحدّ من عملية التوسع العمراني العشوائي في مدينة صور وضواحيها.”

 

وقدّمت الباحثة والكاتبة من مدينة صور اللبنانيّة الدكتورة ناريمان محمد فتح الله عساف ورقتها العلمية التي جاءت بعنوان: ” صور عنوان التثاقف الحضاري منذ القرن الثالث ق.م إلى يومنا هذا”، ومِمّا جاء فيها حول أوجه التقارب بين صور العمانية وصور اللبنانيّة: “من أوجه التثاقف الحضري توحيد اسم توحيد اسم صور بين البلدة اللبنانية، والبلدة العمانية؛ وهذا الأمر يتوجب التوأمة بينهما، كما أن له دلالته وأهمها الوحدة في التاريخ، أو في التشابه، أو في التواجد، ولكن من ولد أولًا؟” ثم تستعين بما حصل عليه العلماء من حقائق تاريخية لتستقرئ الاجابة التي تؤكِّد فرضيّة ولادة صُور عُمان أولًّا، وبعضُ مِما ذكرته كان: ” يرى كثير من العلماء أن الموطن الأصلي للساميين كان جزيرة العرب –والوصف لأحدهم- ذلك الخزان البشري الشهير، الذي لم يتوقف عن أن يقذف كإقليم طرد، وكصحراء فقيرة، الموجة تلو الموجة إلى منطقة الهلال الخصيب المتاخمة والجذابة.” وقالت أيضًا: ” علمًا أنه يوجد أيضًا في ولاية صُور عُمان بلدة اسمها بيروت موجودة في ديار جابر، فهل حمل الفينيقيون أسماء البلدان التي قطنوها أولًا إلى المستعمرات التي أسسوها فيما بعد، منذ ما يقارب خمسة آلاف سنة؟” وتُضيف: ” وما يجعلنا نُرجّح نشأة صُور عمان أولًا هو أن التاريخ لم يذكر أن صُور لبنان أسست لها مستعمرة في عُمان، إذ أن الفينيقيون أنّى توجهوا يبنون وينشئون، وبصفتهم جالية حربية، فإنهم لم يثيروا الشكّ في نفوس الشعوب التي كانوا يتسربون إليها كالتجار.”

 

وفي محور التوجهات الثقافية الموحّدة، توضِّح: “في صُور عُمان ورشة ثقافية دائمة الحركة، ويُمثّلها كتاب وشعراء أسسوا منتديات أهمها: مكتبة صور، ومنتدى الندوة، ويكفي أن رئيس اتحاد الجمعية العمانية للكتاب والأدباء المهندس سعيد الصقلاوي من صُور. وفي صُور لبنان تتنافس الجمعيات على إقامة الحلقات الثقافية، ومن هذه الجمعيات: جمعية إبداع منتدى الفكر الأدب وجمعية صور الثقافية، ومركز الإمام الثقافي، ويكفي أن الأستاذ بلال شرارة رئيس الحركة الثقافية في لبنان من صور. والأهم من هذا كله احتضان هاتين البلدتين لأهم المهرجانات، ومنها المهرجان الوطني العماني الذي يقام في صور، ومهرجانات صور الدولية التي تقام في صُور لبنان.”

 

وفي شقّ “مدينة صُور العمانية” تحدّث حمود بن حمد بن جويد الغيلاني باحث وكاتب من مدينة صُور العمانية عن تاريخ صور القديم، وقد ضمّن في استهلاله: “ومدينة صور أحد أهم مراكز الحضارة العُمانيّة الرئيسية الموغلة في القدم، فالمكتشفات الأثرية في رأس الجنز وأثار قلهات، وغيرها من المواقع الأثرية التي لم تنال حظها بعد من البحث والتنقيب، لدليل دامغ على الدور الحضاري الذي لعبته مدينة صور العمانية كأحد روافد الحضارة الانسانية العمانية المتعددة والمتنوعة الإسهامات.”

 

وقال خالد بن علي المخيني باحث ورئيس تحرير مجلة “بحرنا” من مدينة صور العمانية في ورقته التي جاءت حول تاريخ صور العمانية الملاحي الحديث: “لا يزال الكثير من كبار السن في عمان وجزيرة العرب والهند وأفريقيا يذكرون دور الأسطول الصوري في إغاثة عمان وبعض دول الخليج بالمؤن الرئيسية إبان الحرب العالمية الثانية، ويذكرون مساهماتهم الكبيرة في إنعاش العديد من القرى التي كانت السفت تمر عليها للتزود بالمياه الصالحة للشرب والأسماك والسلع المختلفة.”

 

وقدّم الدكتور سالم بن مبارك الحرتوشي باحث وأكاديمي من مدينة صور العمانية ورقته حول الخصائص الجغرافية الطبيعية والبشرية لولاية صور العمانية، وذكر فيها:” تنتمي ولاية صور جيولوجيا إلى جبال شمال عمان التي تمتدّ مسافة 700كم من شبه جزيرة مسندم في الشمال حتّى جعلان ورأس الحدّ في الشرق والجنوب الشرقي. هذه الجبال الإلتوائية تصنف بانها ألبية النشأة حيث أنها رفعت في زمن الميوسين من العصر الجيولوجي الثالث.”

 

وحول النشاط التجاري في صور العمانية، قال: “لقد لعبت في السابق ولاية صور بحكم موقعها دورًا في حركة التجارة الداخلية والخارجية للمنطقة الشرقية من خلال أسطولها البحري الذي كان يجوب موانئ الخليج العربي والساحل الفارسي والهند وساحل شرق أفريقيا محملًا بمنتجات المناطق الداخلية من عمان وعائدًا محمّلًا ببضائع تلك الموانئ… إلا أن تلك الاهمية التجارية لميناء صور اضمحلت في السبعينيات من هذا القرن وذلك لعدم ملائمة الظروف الطبيعية للميناء الضحل لاستقبال السفن ذات الغاطس الكبير من جهة ولظهور موانئ رئيسية كبيرة مثل ميناء السلطان قابوس وانتشار شبكة الطرق الرئيسية الطويلة التي تربط مختلف مناطق السلطنة بالدول المجاورة من جهة أخرى.”

عن الكاتب

الخطاب المزروعي

اترك تعليقاً