حد الردة

لـ

قتل المرتد أم قتل الإسلام؟!

 

كل دين أو مذهب يقوم على مجموعة من المبادئ المركزية، حين تُفرغه منها فإنك تقضي عليه، سواء قصدت ذلك أو لم تقصد. وقد قام الإسلام على عدة مبادئ من بينها مبدأ حرية الاعتقاد، إلى جانب غيره من المبادئ التي تؤسس لمجتمع يسوده السلام وقبول الآخر. لكن حدث بعد ذلك ما يمكن أن نعتبره انقلابًا على مبدأ حرية الاعتقاد، تحت دعاوى ما يسمى بـ “حد الردة”. الذي صار سيفًا مسلّطًا على رقاب كل من تسوّل له نفسه أن يغير دينه، سواء باعتناق دين آخر أو رفض فكرة الدين كلها.

وتؤدي فكرة التخويف بـ “حد الردة”، إلى خلق مجتمعٍ مُنافق، إما أن تؤمن أو تُقتل، لو فكرت في أمر الدين ثم لم تقتنع، فلا تعلن أنك غير مقتنع، لكن عليك أن تخفي هذا بداخلك، وتستمر في ممارسة الخداع الديني خوفًا من عقاب المجتمع. مع أن القرآن جاء واضحًا إلى أقصى درجات الوضوح في هذه الجزئية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وغيرها من الآيات واضحة الدلالة في شأن حرية الاعتقاد، ولم ترد في القرآن آية واحدة تتحدث عن قتل المرتد أو ما يسمى بحد الردة، في حين وردت عشرات الآيات تؤكد على حرية الاعتقاد.

من أين إذن جاء “حد الردة”؟! وهل كان المقصود قديمًا في ظل الدولة الإسلامية هو نفس ما نفهمه حاليًا من كلمة المرتد؟ وهل طبيعة الدولة التي قامت على أساس ديني هي نفسها طبيعة الدولة الحديثة، مما يستتبع أن نستخدم المصطلحات بالدلالات ذاتها؟ من المعروف أن الفقه ابن زمانه، وله سياقاته الخاصة غير القابلة للتعميم على كل زمان ومكان. والدولة الإسلامية قد قامت على أسس دينية، ومن ثم فإن الخروج من الدين لا يعني فقط موضوع خروج شخص عن معتقده، بقدر ما كان يعني ضمنًا الاصطفاف في زمرة الأعداء (الكفّار)، وكان لهذا تأثيره على الفقهاء في فهم النص، مما جعلهم يصلون حد إبعاد الآيات عن ظاهرها استجابة للظروف التي عايشوها.

على سبيل المثال آية ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ… ﴾ مع أن التخيير ظاهر في الآية؛ إلا أنهم اعتبروا أن ذلك نوعًا من التهديد وليس تخييرًا بين الكفر والإيمان، فقد ورد في تفسير القرطبي: “فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا، وليس هذا بترخيصٍ وتخييرٍ بين الإيمان والكفر، وإنما هو وعيدٌ وتهديدٌ، أي: إن كفرتم فقد أعدَّ لكم النارَ، وإن آمنتم فلكم الجنة” (تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن، الجزء الثالث عشر، ص: 260). ومع أن السياق القرآني يحتمل التخيير أكثر مما يحتمل التهديد والوعيد؛ فقد ورد في آيات كثيرة ما معناه أن النبي ليس قيّما على ضمائر الناس وقناعاتهم، وأنه مجرد مُبلّغ، وهذا في حد ذاته يدعم كون الآية للتخيير في الدنيا، بما لا يتعارض مع كونها وعيدًا فيما يتعلق بالشأن الأخروي. فحقيقة الأمر أن الآية نفسها تشمل عالمين، العالم الدنيوي الذي نعيشه، وهذا يخضع للتخيير في مسألة الإيمان وعدمه، والعالم الآخر وفيه تتم عملية الحساب، وإن لم يكن التخيير حقيقيًا، فإن الحساب يفقد معناه من الأساس، فكيف يُجبر المرء على دين معين، ثم يُحاسب بعد ذلك، ففكرة الحساب نفسها تؤكد على حقيقة التخيير.

وقد ورد في كتاب السنن الكبرى للبيهقي: “عن أنس بن مالك قال: لما نزلنا على تُستَر – فذكر الحديث في الفتح وفي قدومه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال عمر: يا أنس ما فعل الرهط الستة من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين؟ قال: فأخذت به في حديث آخر ليشغله عنهم، قال: ما فعل الرهط الستة الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين من بكر بن وائل؟ قال: يا أمير المؤمنين قُتلوا في المعركة، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قلت: يا أمير المؤمنين وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم، كنت أعرض عليهم أن يدخلوا الإسلام ، فإن أبوا استودعتهم السجن”( السنن الكبرى للبيهقي، الجزء الثامن، ص: 359 – 360). وهنا كلام عمر بن الخطاب واضح، ولو كان الأمر مقطوعًا به ما كان لعمر أن يخالفه، على الرغم من طبيعة الظرف الحرجة وهي حالة الحرب.

لكن السياسة على مدار التاريخ الإسلامي كان لها قول آخر، إذ ساهمت في التوجيه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فجاءت التفسيرات متسقة إلى حد كبير مع هوى السلطة. وأكثر ما ينطبق هذا الأمر فإنه ينطبق على ما يسمى بحد الردة؛ لأن الحكام كانوا في الغالب يوظفون أمثال هذا الحد المزعوم للردة لمواجهة خصومهم السياسيين، فلا يريدون لخصمهم السياسي أن يُقتل باعتباره معارضًا؛ لأن هذا يخلق منه بطلًا شعبيًا، فيريدون أن يقضوا عليه معنويًا قبل أي شيء، من خلال توريطه في أمور معينة والادعاء أنه خرج عن الدين، ومن هنا تنفضّ عنه قلوب العامة، ويتم تصفيته جسديًا بعد أن تمت تصفيته معنويًا. وقد تجلت هذه القضية كأبرز ما يكون التجلي في القضية المعروفة تاريخيًا بـ “خلق القرآن”، التي يحتار عقلك حين تقف لتجد حكامًا متعاقبين يصرّون على قضية ظاهرها فكري، ولكن حقيقة الأمر أنها كانت مجرد وسيلة لتصفية الخصوم السياسيين.

فكما ورد في كتاب الدكتور محمد عابد الجابري (المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد)، أنه كانت هناك فترة انتقالية ما بين انتصار المأمون على أخيه الأمين، وبين استقرار الأوضاع في بغداد عاصمة الخلافة، امتدت تقريبًا خمس سنوات ترك فيه المأمون البلاد في حالة فوضى كنوع من العقاب لهم لمساندتهم الأمين، في هذا التوقيت ظهر دور فعّال لرجال الدين حين سعوا لمواجهة حالة الفوضى على الأرض، فاكتسبوا سلطة روحية قوية لدى الجماهير، فما كان من المأمون سوى أن يفكر في حيلة لضرب هذه السلطة التي تهدد سلطته، فلم تكن المواجهة المباشرة معهم مُجدية، فاختلق قضية خلق القرآن، حتى يضرب هؤلاء، فإن استجابوا لتوجهات السلطة سقطوا من أعين العامة، وإن لم يستجيبوا – كما كان الحال مع ابن حنبل – يكون للسلطة الحق في الخلاص منهم باعتبارهم خارجين على الدين، أو بتعبير آخر “مرتدين”.

ثم أي دين هذا الذي يريد أن يخلق مجتمعًا من المنافقين دينيًا، أليس من الأفضل للفرد والمجتمع أن يعلن قناعته بكل حرية دون تخويف بقتل أو حتى بازدراء الآخرين؟ أيهما يخلق المجتمع الصحي القوي: أن يفكر الإنسان بحرية ويعلن قناعاته، التي ربما أصابت وربما أخطأت، أم يتوقف عن التفكير خوفًا من ردود أفعال المجتمع؟ لماذا لا نمنح الجميع حق التفكير والتعبير، هل هذا التفكير الحر والتعبير الصريح عن القناعات يهدد المجتمع، أم أنه يخلق مجتمعًا ثريًا بتعدد الرؤى والأفكار؟ لدينا العديد من الأمور تحتاج إعادة نظر، مشكلة أي فرد أو مجتمع أن تحكمه العادة، ويعتبرها مع مرور الوقت مقدسة وغير قابلة لإعادة النظر، ومن هنا يضمر العقل بشكليه الفردي والجمعي، وكأننا بمن يحاولون قتل المرتد يقتلون الإسلام ذاته بتفريغه من مبادئه.

 

0 1992 27 مارس, 2018 الثالث والتسعون, ثقافة وفكر مارس 27, 2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.