ترجمة المصطلح بين “نايدا” و”فينوتي”

لـ

إشكالات وحلول

 

– تـوطـئـة:-

 

في الألسنـيّـة – لا سيّـما فقه اللّغة – بحثٌ مستفيضٌ في نشأة الألسن وتعدّدها: أتعددٌ طارئٌ هو؟ أم ذاك أصلٌ فيها؟ وإذا كان طارئًا، فما الذي دعا إليه؟ ويمثّل تصنيف اللّغات إلى أسرٍ تعود كلّ أسرةٍ منها إلى لغةٍ أمٍّ تمثّل أصلًا لها، أحد أوجه البحث في هذا التعدّد. غير أنّ النّظر في هذه المسألة ليس حِكرًا على الألسنـيّـة وحدها؛ إذ تعود جذور هذه المسألة المتشابكة إلى النّصوص المقدّسة وأدبيّاتها، إذ رمت من قديمٍ بالسّهم الأبرز فيها؛ نظرًا إلى الارتباط الوشيج بين القضيّة اللغويّة والقضيّة الدّينيّة في قصّة الخلق وما تلاها.([1])

وينطلق حديثنا هنا من واقع ذلك التعدّد اللّغويّ الذي يدفع نحو التّواصل، وكلّ تواصلٍ في هذا السّياق ما هو إلّا ترجمةٌ تسعى إلى ردم الهوّة بين المتباعدين.

وتعدّ الترجمة إحدى أهمّ الأدوات المعرفية للوعي بالآخر والتعرف على فكره وثقافته؛ لذلك فإن الإنسان لا يترجم اللغات على الحقيقة؛ بل هو يترجم الثقافات. وكلّ ثقافةٍ كانت ستعيش بمعزلٍ عن الأخرى، لولا الترجمة التي تمدّ الجسور بينها فتفضي إلى التلاقح الفكريّ والتثاقف المعرفيّ والتمازُج الحضاريّ، وتُسهم في تأصيل ثقافة الحوار وترسيخ مبادئ التفاهم وقيم التعايش، ورفد التجارب الإنسانيّة والإفادة منها.([2])

وفي المقابل تعدّ الترجمة وسيلةً للمثاقفة المضادّة؛ إذ هي تُسهم في تشكيل المناعة الثقافيّة للأمم والشعوب، وبلورة الحصانة الفكريّة للأفراد والمجتمعات ضدّ السموم المعرفيّة الحقيقيّة منها والمتوهّمة؛ فـيُـلجَأُ إليها بُـغية صدّ الزحف الحضاريّ وردّ الغزو الفكريّ ووقف الاجتياح الثقافيّ وكبح الاحتلال المعرفيّ وحراسة الهويّة المجتمعيّة وصيانة الخصوصيّة التاريخيّة، عن طريق نقل ما يمكن الردّ من خلاله على الخصوم الثقافيّين والأعداء الحضاريّين.

وكما أن للترجمة دورًا إيجابيًا مشهودًا، فإن لها دورًا سلبيًا خطيرًا، إذ هي على حد تعبير «ڤينوتي» “صنو الإرهاب؛ لما لها من قدرة هائلة على إعادة تشكيل النصوص وابتذالها وتسخيفها، وإقصاء الثقافات الأخرى، والتمييز العنصري ضد أصحابها، والاضطهاد العرقي ضد شعوبها، فتكون هي وسيلة الإرهاب ومعوله الهدام، ورصاصة البغي التي تُسيل بحور الدماء”.([3])

وأيًّا ما كان الأمر، فإنّ الترجمة بعالميّتها تستطيع اقتحام الحواجز اللّغويّة، ورقع الخروق المعرفيّة، ورتق الفتوق الثقافيّة، ورأب الصدوع الحضاريّة، وقهر الحدود الجغرافيّة، وردم الفجوات التاريخيّة، موصلةً بذلك رسالةً معرفيّةً باسقةً، ومضامين إنسانيّةً سامقةً، ومسهمةً في تحقيق أهدافٍ ساميةٍ، وغاياتٍ مرومةٍ.

– صعوبات ترجمة المصطلح:-

وعندما يواجه المترجم النص فإنه يكون عُرْضَة للاصطدام بجميع المستويات اللغوية سواء كانت مفردات صعبة أو تراكيب مُغلَقَة أو مُصاحَبَات لفظية عويصة أو تعبيرات مسكوكة عسيرة أو مصطلحات تخصصية مُستعصِيَة.

وتعد ترجمة المصطلحات من أعوص ما يواجه المترجم على الإطلاق؛ ذلك أنها ليست مجرد ألفاظ معجمية عادية، وإنما هي ألفاظ أو تراكيب لها خصوصيتها الاستثنائية لما تحمله من شحنات معرفية وثقافية عميقة في دلالتها، محددة في مقاصدها. فالمصطلحات تختزل ثقافات الأمم وتختصر معارف الشعوب وتلخِّص أفكار أهل العلوم والفنون، ومن ثـمَّ فإن الخطأ في فهمها وتأويلها ثم ترجمتها موقع في كثير من الإشكالات، مُغرِق في عديد من المغالطات.

ويمكن حصر أقوال العلماء في تعريف المصطلح بأنه “كل لفظ أو تركيب أكسبه استعماله في مجاله الخاص دلالة غير التي له في اللغة، مع بقاء أصل الدلالة اللغوية فيه”.([4])

– “نايدا” و”فينوتي” … مشكلات وحلول:-

 

ولترجمة المصطلحات مناهج مختلفة عن ترجمة المفردات العادية؛ ذلك أن الحمولات الثقافية والشحنات المعرفية التي يحملها المصطلح ينبغي الحفاظ عليها عند نقلها إلى لغة وثقافة أخرى. ولا محيص – قبل الشروع في ترجمة مصطلحات من هذا القبيل – من معرفة السياق المعرفي للمصطلح في لغة المصدر، وكذا السياق المعرفي المماثل في لغة الهدف.

وفي هذا الصدد يحدثنا «يوچين نايدا» – أحد أشهر منظري الترجمة على الإطلاق – قائلا: “هناك ثلاثة مستويات معجمية ينبغي مراعاتها بدقة، وهي:

-المفردات التي يكون لها مكافئات لغوية مطابقة متوفرة بيسر، مثل: (river – tree – stone – knife – etc.,)، ومثل هذا المستوى لا ينطوي على أية مشكلات، فيمكن بناءً على ذلك ترجمتها بـ : (نهر – شجرة – حجر – سكين، …).

-المصطلحات التي تعكس هوية الأشياء المختلفة فيما بينها ثقافيا، ولكن لها وظائف متشابهة نوعا ما، مثل كلمة (book) التي تعني في اللغة الإنجليزية “شيئا من أوراق مربوطة معا في وحدة واحدة”، لكنها كانت تعني في عصور تدوين الأناجيل “ورقة من الطومار أو البردي تكون على شكل لفيفة”. وقد تؤدي مصطلحات من هذا القبيل إلى حصول عدة ارتباكات، ومن هنا يجب اختيار مصطلح لغوي آخر يعكس شكل المدلول مع كونه لا يعكس الوظيفة المكافئة له، أو اختيار مصطلح لغوي يعكس الوظيفة المكافئة على حساب التطابق الشكلي، وهذا الأمر سنناقشه بشيء من التفصيل بعد قليل.

-المصطلحات التي تعكس هوية الخصوصيات الثقافية “cultural specialities”، مثل: (ephah – إيفه / jubilee- يوبيل). وعند ترجمة مصطلحات من هذا المستوى، يندر تجنب بعض التداعيات الأجنبية في المعاني؛ لذا فإن أية ترجمة تحاول ردم الفجوة الثقافية الهائلة، لا يمكن أن يُتوقّع منها إزالة جميع آثار الإطار الأجنبي. ففي ترجمة الأناجيل مثلا يكون من المحال تماما نزع أفكار دينية من مصطلحات مثل (مسحة – Anointing)؛ لأن هذه التعابير مطمورة في التركيب الفكري للرسالة.([5])

ويعالج «نايدا» الصراع الذي تحدث عنه آنفًا بين المقابِلات الترجمية الشكلية والمقابِلات الوظيفية، قائلا إن هذا الصراع يحدث في ثلاث حالات رئيسة:

أ‌- “في الحالة الأولى يمكن ألّا يوجد شيء ملموس أو حدث ما في ثقافة المتلقي يتطابق مع مدلول ما نريد نقله من نص لغة المصدر، ولكن الوظيفة المكافئة تتحقق بواسطة شيء ملموس آخر أو حدث آخر؛ فبعض المجتمعات مثلا لا تعرف “الثلج”، ومن ثم ليست هناك كلمة تعبر عنها، فلا يمكن أن تكون لديهم عبارة مثل: (white as snow – أبيض كالثلج)، ولكن هذه العبارة يمكن أن تتحقق من خلال الوظيفة المكافئة لعبارة مثل: (white as kapok down – أبيض مثل حشْو الكابوك).

ب‌- في الحالة الثانية يمكن أن نكتشف أن ثقافة التلقي تكاد تمتلك نفس الشيء الملموس أو الحدث المراد نقله من ثقافة المصدر، ولكن يمكن أن تكون لها وظيفة مختلفة في ثقافة المتلقي. ففي اللغات الأوروبية الغربية مثلا تستعمل كلمة “heart – قلب” بوصفها مركزًا للمشاعر وباعتبارها العنصر المركزي في الشخصية، وعند إرادة التعبير عن هذه الوظيفة في لغات أخرى كثيرة، سنجد أن “القلب – heart” فيها لا صلة له بالعواطف، وإنما يتم التعبير عن العواطف والمشاعر بكلمات مثل “liver – الكبد” أو “abdomen – البطن” أو “gall – المرارة”.

ت‌- في الحالة الثالثة يمكن ألّا نعثر على مكافئ لا شكلي ولا وظيفي لشيء أو حدث ما. فعلى سبيل المثال، لا تعرف بعض القبائل الهندية في أمريكا الجنوبية شيئا عن “gambling – المقامرة”، ومن ثم لا تمتلك كلمات للتعبير عن كل ما يتعلق بها”.([6])

ولحل هذا الصراع الناجم عن التضاربات بين المكافِئات الشكلية والمكافِئات الوظيفية، يقترح «نايدا» أربع وسائل أساسية، يمكن إجمالها فيما يأتي:([7])

أ‌- من خلال الوسيلة الأولى يمكن للمترجم وضع المكافئ الوظيفي في المتن، مع وضع المدلول الشكلي في الحاشية أو عدم وضعه. وهو المنهج المعتمد في الترجمة ذات “التكافؤ الدينامي – Dynamic equivalence” التي تستند إلى “مبدأ التأثير المكافئ – principle of equivalent effect”, حيث لا نهتم كثيرًا بمكافأة الرسالة في لغة الهدف بالرسالة في لغة المصدر، بل مكافأتها بالعلاقة الوظيفية؛ بحيث تكون العلاقة بين المتلقي الأجنبي والرسالة هي ذات العلاقة التي كانت بين المتلقين الأصليين وبين الرسالة.

وقد تعرض هذا المنهج لانتقاد حاد من قبل أحد أشهر الباحثين في علم الترجمة، وهو «لورانس ڨينوتي» الذي قال: “إن مقياس الدقة لدى «نايدا» لا يتحقق إلا من خلال الاستجابة المكافئة لدى المتلقي الأجنبي، وهذه الاستجابة المنشودة لا تتم إلا بالاستيعاض عن ملامح النص الأصلي وخصوصياته الغريبة على القارئ الأجنبي بأخرى مألوفة له. إن ما يطرحه «نايدا» يعني بما لا يدع مجالا للشك أنه يتبنى منهج توطين النص المصدر، أو بالأحرى تدجينه “Domesticating translation”، وذلك يعني أن ثقافة الهدف هي البادئة بعملية الاتصال والمهيمنة على مجرياتها، بل إن عملية الاتصال وفقا لهذا الطرح تكون رهينة للدوافع الذاتية للثقافة الهدف، وعليه فهذه ليست عملية للتلاقح المعلوماتي، بل هي اغتصاب نص أجنبي لثقافة محلية. إن «نايدا» باعتباره يجنّد الترجمة لخدمة الحركة الإنسانية المسيحية، يحاول ترسيخ حلم الشفافية الذي يوهم بوجود التعادل الدلالي المطلق، بينما هو في الحقيقة يمحو الاختلاف بين الثقافات والذي وجدت الترجمة لنقله في المقام الأول، فينحاز بالكلية إلى ثقافة الهدف ويتنصر لقيمها المعرفية على حساب طمس كل معالم ثقافة المصدر”.([8])

ب‌- من خلال الوسيلة الثانية يستطيع المترجم – بحسب «نايدا» – وضع مصطلح للمرادف الشكلي في متن الترجمة، ويصف الوظيفة في الحاشية. وهو منهج متميز في الترجمة ذات “التكافؤ الشكلي – Formal equivalence” التي تعد موجهةً بالدرجة الأولى نحو النص المصدر ومعدّةً لكشف شكل الرسالة الأصلية ومحتواها بأكبر درجة ممكنة. وتسمى هذه الترجمة أيضًا بـ “الترجمة ذات الحواشي – gloss translation” حيث يحاول المترجم فيها استخراج شكل الرسالة الأصلية ومحتواها ونقلهما حرفيًّا ومعنويًّا قدر الإمكان، وهذا يعني أن الرسالة في ثقافة المتلقي تقارن بشكل متواصل بثقافة المصدر لتحديد مقاييس الدقة والصحة والضبط.

ت‌- من خلال الوسيلة الثالثة يمكن للمترجم – وفقا لـ «نايدا» – استعمال مصطلح مستعار، مع أو من دون استعمال تصنيف وصفي. فيمكن مثلا استعارة مصطلح مثل “Pharisees – الفريسيون” من لغة المصدر، مع إمكانية استعمال كلمة مثل “sect – فرقة”؛ كما يمكن استعارة كلمة مثل “platinum – بلاتين” مع إضافة مصنِّف مثل “metal – معدن”؛ وذلك للإعانة على حسن فهم الكلمة المستعارة وتصوُّرها.

ويقول «ڨينوتي» متحدثا عن هذا المنهج: “في العام 1813، ألقى «شلايرماخر» محاضرة حول طرائق الترجمة خلُص فيها إلى أن المترجم ليس أمامه سوى إحدى طريقتين، الأولى توطينية “Domesticating translation” تقوم على الاختزال العرقي للنص المصدر وفقا لقيم الثقافة الهدف، والأخرى تغريبية “Foreignizing translation” تضغط على قيم الثقافة الهدف في تحدٍّ للعرقية لتسجيل الاختلاف اللغوي والثقافي الذي يمثله النص المصدر. وقد انحاز «شلايرماخر» للتغريب باعتباره دستورا أخلاقيا للترجمة، هدفه جعل النص المترجم مسرحًا لتجلي الآخر الثقافي … ولكي تُبرز الترجمة التغريبية ما يمثله النص الأصلي من اختلاف، فعليها إلحاق الفوضى بما يسود الثقافة الهدف من قوانين. أي أنها في سبيل أن تفي الآخر حقه، عليها أن تُسيء إلى المألوف والمتعارف عليه بالانحراف عن المعايير المحلية؛ حتى تقدم للقارئ تجربة قرائية فريدة”.([9])

ث‌-  في الوسيلة الرابعة التي يقترحها «نايدا» يمكن بدلا من استعارة المصطلح الأجنبي استعمال تعابير وصفية مكونة من كلمات لغة التلقي فقط، بحيث يترجم مصطلح مثل “Phylacteries – التفلّين” بمرادف وصفي هو: (small leather bundles with holy words in them – صناديق جلدية صغيرة بها كلمات مقدسة).

 

– خاتمة:-

وبعد هذا العرض لاستراتيجيات ترجمة المصطلح عند «نايدا» و«ڨينوتي»، فإن المنهج الذي يعتقد صاحب هذا القلم وجاهته في نقل المصطلحات ذات الحمولات الثقافية هو منهج التغريب عبر التمثيل الصوتي مع شرح المفهوم في الحاشية، وذلك حفاظا على تلك الشحنات التي تحملها المصطلحات في اللغة الأصل، والتي ستُفقد إذا تُرجم المصطلح بمكافئ يُظَنُّ للوهلة الأولى أنه يعادله في اللغة الهدف، ومن ثمَّ سيفهم المتلقي تلك المصطلحات بناء على ثقافته لا بناء على مفهومها الحقيقي في لغتها الأصلية.

 

 

 

_______________________________

([1]) أشار التنزيل العزيز إلى قضية نشأة اللغة عند قوله تعالى في سورة البقرة “31”: (وعلم آدم الأسماء كلها…)، وأفاض المفسرون في هذه المسألة. كما أشارت المقرا إلى القضية اللغوية، عند ذكر الواقعة المعروفة بـ «بلبلة الألسن» في سفر التكوين 11: 1- 9. وعند النظر في القرآن الكريم ثم المقرا يتضح أنهما يدفعان باتجاه أن الوحدة اللسانية هي الأصل، وأن التعدد أمر طرأ بعد زمن؛ بيد أن المقرا تعتبر تعدد الألسن لعنة وعقابا؛ لأن الرب – بزعمهم – رأى في اجتماع الناس على لسان واحد، ثم في بنيان المدينة والبرج الذي رأسه بالسماء نوعا من التهديد له؛ فبلبل لسانهم بحيث لا يفقه بعضهم لسان بعض، ثم بددهم في الأرض. ولكن الأمر ليس كذلك في القرآن الكريم؛ فاختلاف اللغات – كخلق السماوات والأرض واختلاف ألوان بني البشر – آية من آيات الله، ومدعاة للقاء والتعارف، فجاء في سورة الروم “22”: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم…).

للمزيد حول مسألة نشأة اللغات وتعددها، ثم تصنيفها في أسر، راجع: أبو الفضل جلال الدين السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحـ: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418ه – 1998، جزء 1، صـ 11: 29. صبحي إبراهيم الصالح: دراسات في فقه اللغة، دار العلم للملايين، بيروت، ط 16، 1425ه – 2004، صـ 33: 58. وللوقوف على هذا الأمر من منظور فلسفي انظر: لويس ݘان كالڤي: حرب اللغات والسياسات اللغوية، ترجـ: حسن حمزة، مراجـ: سلام بزي، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1، 2008، صـ 61 – 76.

([2]) انظر في ذلك: كريستين دوريو: “الترجمة: أهي نقل لغوي أم نقل ثقافي؟”، محاضرة ألقيت في 13 إبريل نيسان 1997م، بقسم اللغة الفرنسية، كلية الآداب، جامعة دمشق. ترجـ: رنا رداوي, مركز التوثيق التربوي الفرنسي, دمشق, د. ط، 1998م.

Humphrey Tonkin & Maria Esposito Frank: The Translator as Mediator of Cultures, John Benjamins Publishing Company, Philadelphia, Studies in World Language Problems, Volume 3, 2010.

([3]) ألبرت نيوبرت وغريغوري شريف: الترجمة وعلوم النص، ترجـ: محيي الدين حميدي، إدارة النشر العلمي والمطابع، جامعة الملك سعود، الرياض، ط 1، 1423ه – 2002م، صـ 31.

([4])انظر في ذلك: أبو الفيض مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، تحـ: مجموعة من المحققين، سلسلة التراث العربي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت، 1965: 2004، مادة “ص ل ح”: مجلد 6، صـ 551. علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1983، صـ 28.

 ([5])Eugene A. Nida: “Toward a Science of Translating: With Special Reference to Principles and Procedures Involved in Bible Translating”, E.J. Brill Leiden, Netherlands, 1st ed., 1964, p. 167.

– “ephah – إيفه” هي نقل صوتي “نقصوة” للكلمة العبرية “אֵיפָה“، وهي مكيال قديم للحبوب وما شابه ويبلغ 40 كجم عند اليهود. وربما يرجع أصلها إلى الكلمة المصرية القديمة “apht” وهي مكيال قديم عندهم لا يعرف مقداره على وجه اليقين. وقد أشار “يهودا ابن جناح” أن أصل كلمة “אֵיפָה” يعود إلى الكلمة العربية “ويبة” التي تقدر بـ 4800 زوز عبري، والزوز يساوي 3.5 جرام تقريبا. ولكن المعاجم العربية تشير إلى أن “الويبة” تساوي 22 أو 24 مدًّا، أو تساوي كيلتان”. انظر: אליעזר בן יהודה: מילון הלשון העברית הישנה והחדשה, בן יהודה הוצ”ל, הסתד’ המורים העברית בא”י, י-ם תלפיות, 1948: 1959, כרך 1, 1948, ערך: “אֵיפָה”, עמ’ 194, 195. أحمد مختار عمر بمساعدة فريق عمل: معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، القاهرة، ط 1، 1429ه – 2008م، مادة “و ي ب”، مجلد 3، صـ 2504.

Ernest Klein: A Comprehensive Etymological Dictionary of the Hebrew Language, Carta Jerusalem, The Univ. of Haifa, The Israel Map and Pub. Com. Ltd., Jerusalem – Tel Aviv, 1987, entry: “אֵיפָה“, p. 25.

– “jubilee – يوبيل” هي تمثيل رمزي أو “نقحرة” للكلمة العبرية “יוֹבֵל” التي تعني في الأصل “كبش – بوق مصنوع من قرن الكبش”، انظر: אליעזר בן יהודה: מילון הלשון העברית הישנה והחדשה, שם, כרך 4, 1948, ערך: “יוֹבֵל”, עמ’ 1990, 1991.

ثم اتسع معناها في المرحلة المقرائية لتعني: “السنة الخمسون التي تلي الدورات السبعة من إبراء الأرض “שֶׁבַע שְׁמִטּוֹת” وعدتها تسع وأربعون سنة. وفي يوم الغفران “كبوريم” من هذه السنة الخمسين ينفخ بوق “اليوبيل”، ويعود الأشخاص والعائلات والعشائر إلى حالتهم الأصلية، فيحرّر العبيد من نسل بني إسرائيل، حتى العبيد مثقوبي الأذن الذين لا يرغبون في الحرية “עֶבֶד נִרְצָע” ولذلك تسمى هذه السنة “שְׁנַת הַדְּרוֹר“، كما تُردّ الأراضي الزراعية التي بيعت خلال الأعوام التسعة والأربعين السالفة إلى أصحابها الأصليين، عدا البيوت والمدن المسوّرة؛ كل ذلك بدعوى ضمان العدالة الاجتماعية، ومنع انفرد بعض الشعب بالثروة، ورغبة في أن يكون المال دُولة بين اليهود جميعا. ويعد اليوبيل هو ذروة النظام السبتي؛ حيث كانت أيام السبت الأسبوعية لراحة الإنسان وتنميته الروحية، وكانت السنون السبتية لراحة الأرض من الزراعة، ثم يأتي اليوبيل لراحة الشعب كله من العمل والأرض من الزراعة”. انظر: לקסיקון מן המסד ליהדות ולציונות, משרד הביטחון, ההוצאה לאור, י-ם, הדפסה 18, 2005, ערך “יוֹבֵל”, עמ’ 115. وكذا انظر: بطرس عبدالملاك وآخرون: قاموس الكتاب المقدس، دار الثقافة، القاهرة، ط 10، 1995، مادة “يوبيل”: صـ 1104.

ثم اتسع معناها في عبرية المشنا والتلمود لتعني أيضا: “فترة زمنية قدرها خمسون عاما”، بصرف النظر عن الخلفيات الدينية المقرائية. ثم في العبرية الحديثة اتسع معناها أكثر – بتأثير من بعض اللغات الأوروبية التي تبنت هذه المفردة العبرية وطورت دلالتها – لتعني أيضا: “السنة المتممة لفترة زمنة محددة مرت على حدث سعيد، لا سيما فترات: 10 سنوات ويسمى “יובל הברונזה – اليوبيل البرونزي”، 25 سنة ويسمى “יובל הכסף – اليوبيل الفضي”، 50 سنة ويسمى “יובל הזהב – اليوبيل الذهبي”، 60 أو 75 أو 100 سنة على اختلاف بين البدان ويسمى “יובל היהלום – اليوبيل الماسي، 70 أو 75 سنة على اختلاف البلدان ويسمى “יובל הפלטינה – اليوبيل البلاتيني”. انظر: אברהם אבן שושן: מילון אבן שושן, שם, ערך “יוֹבֵל”, כרך 2, עמ’ 683, 684. ראובן סיוון: “הויות בלשון: יובל”, כתב עת “לשוננו לעם”, האקדמיה ללשון העברית, י-ם, גיליון ל”ו, חוברת ה–ו, תשמ”ה, עמ’ 155, 156.

– “Anointing” تعني لغويا: “تزييت – مسحٌ بالزيت”، ثم اتسع معناها بفعل الأثر الديني للمقرا والأناجيل لترادف المعنى اللغوي لكلمات “מִשְׁחָה  מְשִׁיחָה  סִיכָה“، مع حمل شحناتها الدينية المتمثلة في طقوس مسح بعض الآنية والأدوات وخيمة الاجتماع وتابوت العهد إجلالا لها وتقديسا (سفر الخروج 30: 23: 25)، وكذا طقوس صب الزيت العطري المقدس على رأس الشخص أو الجسم كله لتكريسه لخدمة الرب (رسالة يوحنان الأول 2: 20 و 27) ولتنصيبه على رأس الشعب نبيا (سفر أخبار الأيام الأول 16: 22) أو كاهنا (سفر الخروج 28: 38- 43، 29: 1- 7) أو ملكا (سفر صمويل الثاني 19: 10. سفر الملوك الأول 1: 39، 19: 15- 16) ويسمى “מָשִׁיחַ“. ثم اتسع استعمال الزيت المقدس ليشمل مسح الأسياف والدروع قبل المعارك طلبا للبركة والعون من الرب (سفر إشعيا 21: 5)، وهذا الأمر نراه حتى يومنا هذا، وآخره صنيع قساوسة الكنيسة الأرثوزكسية الروسية حين قاموا بمباركة مقاتلات ودبابات جيش بلادهم بالزيت المقدس قبل خروجها للحرب في سوريا. ثم صار تطييب الرأس بالدهون العطرية لاحقا طقسا اعتياديا في الأعياد والمناسبات السعيدة (سفر المزامير 23: 5، 92: 10. سفر راعوث 3: 3. سفر الجامعة 9: 8)، ويعتبر تقديم الطيب والعطور للضيفان من علامات حسن القرى (الإنجيل المنسوب إلى لوقا 7: 38 و 46)، كما كانوا يدهنون أجساد الموتى قبل دفنهم (الإنجيل المنسوب إلى مرقص 14: 8، 16: 1)، وذلك يشبه إلى حد كبير سنّة “الادّهان” عندنا نحن المسلمين لا سيما عند كل صلاة وفي الجمع والأعياد، وتبادلها بين المصلين، وكذا سنة تعطير الميت بالمسك والزعفران قبل دفنه. راجع: “אנציקלופדיה מקראית: אוצר הידיעות של המקרא ותקופתו”: עורך ראשי: בנימין מזר, הוצ’ מוסד ביאליק, י-ם, הדפסה 6, 2011, ערך “משיחה”, כרך 5, עמ’ 526: 531. بطرس عبدالملاك وآخرون: قاموس الكتاب المقدس، مرجع سابق، مادة “مسح يمسح مسحة”: صـ 859، 860.

The Jewish Encyclopedia: A Descriptive Record of the History, Religion, Literature, and Customs of the Jewish People from the Earliest Times to the Present Day, Isidore Singer, Funk & Wagnalls Company, N. Y. and London, 1901-1906, entry: “ANOINTING”, Vol. I, pp. 611: 613. & Encyclopaedia Judaica: Ed. Michael Berenbaum & Fred Skolnik. 2nd ed. Detroit: Macmillan Reference USA, Keter Publishing House Ltd, 2007, entry: “ANOINTING”, Vol. 1, pp. 179, 180.

وتشير بعض المصادر إلى أن جذور فكرة “المسح بالزيت” تعود إلى ممارسة رعاة الأغنام في عصور سحيقة، حيث كانت الحشرات الصغيرة كالقمّل والبراغيث تسرح في صوف الأغنام وتقتات على دمائها فتصيبها بالهزال، بل إنها أحيانا كانت تصيب رأس الغنم وتحفر في آذانها فتقتلها. لذلك عمد الرعاة إلى غمر صوف الغنم بالزيت لا سيما الرأس؛ مما جعل الصوف لزجا دبقا، فبات مستحيلا على الحشرات الوصول إلى آذان الأغنام. ومنذ ذلك الحين، أصبح مسح الرأس بالزيت رمزا للبركة والصحة، ثم تتطور الأمر بعد ذلك ليصير شكلا من أشكال التداوي والعلاج البدني، ثم إلى تخليص الفكر والبدن والمتاع من الشياطين والأرواح الشريرة التي يعتقد أنها تسبب أذًى روحيا. انظر: http://www.gotquestions.org/anointed.html    25/05/2018  |  09:33

وقد تطورت فكرة المسح بالزيت والنبي والكاهن والملك الممسوح “מָשִׁיחַ” إلى تبشير بعض أنبياء بني إسرائيل بقرب مجيء “ملك من آل داود” ينشر الخير ويقر العدل وينصر المستضعفين (سفر إشعيا 11: 1- 6. سفر إرميا 33: 15.) وظل اليهود ينتظرونه دون جدوى. ولما بعث سيدنا عيسى u قال حواريوه من النصارى إنه هو المسيح الذي كان منتظرًا، ولكن اليهود لم يؤمنوا به ولم يقنعوا بذلك، وظلوا ينتظرون هذه الشخصية في رجل منهم، ولما خابت آمالهم في بعض الأشخاص الذين ادعى كل منهم أنه المسيح المنتظر، وصلت الفكرة في المرحلة التلمودية إلى شكل مختمر يبشر بشخصية منتظرة تأتي في آخر الزمان وتحمل الخلاص لليهود وتنصرهم على أعدائهم وتقر الأمن والعدل في الأرض، وهذه الفكرة تعد أحد أركان العقيدة اليهودية الثلاثة عشر التي نص عليها “موشيه بن ميمون”. للمزيد راجع: “אנציקלופדיה מקראית: אוצר הידיעות של המקרא ותקופתו”: שם, ערך “משיח”, כרך 5, עמ’ 507: 525. לקסיקון מן המסד ליהדות ולציונות, משרד הביטחון, שם, ערך “משיח”, עמ’ 165.

وبناء على ماسبق يعتقد الطالب أن ترجمة مصطلح “Anointing” تكون عبر تقنية النقل الصوتي للأصل العبري “מִשְׁחָה” ليكون “مشحاه”، ثم تعريبه ليكون “مسحة”، تماما كما تمت ترجمة مصطلح “מָשִׁיחַ” إلى “مسيح”.

 ([6])Eugene A. Nida: Ibid, pp. 171, 172.

 ([7]) Ibid: pp. 159, 172.

 ([8])Lawrence Venuti: “The Translator’s Invisibility: A History of Translation”, Routledge, Taylor & Francis Group, London & N. Y., 2nd ed., 2008, pp. 16, 17.

 ([9])Ibid.: pp. 15, 16.

0 1911 28 يونيو, 2018 السادس والتسعون, ثقافة وفكر يونيو 28, 2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.