الكلاشنكوف أشهر بندقية في العالم:  بقايا ذكريات

لـ

” وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ” (يوسف : 100 )

 

رأيت قبل سنوات طويلة وأنا ما زلت في طاقة، رأيت فيما يرى النائم أني أمشي وأنا بهيئة السنة وإلى جواري يمشي ولدي وهو غلام ممسكًا بيدي (1).

 

—————

 

” هي على ثلاثة أميال تقريبًا من النبطية في الشرق الجنوبي منها، وعلى بعد عشرين دقيقة من قرية أرنون المسماة باسمها في الشرق الجنوبي منها، قائمة على أسمق (أعلى ) مرتفع من مرتفعات الشقيف يتمثل أمامها أبدع مناظر البلاد التي تشرف عليها. وتترصد طرق الغزاة الطامعين في الاستيلاء على البلاد الحامية لها لما فيه من المنعة والحصانة. وتطل على عورات العدو وتنكشف لها قلاع هونين وتبنين وأبي الحسن ودوبية وبرج قلوية وشقيف تيرون وبانياس (على الساحل السوري) من الجهات الأربع ومرتفعات لبنان وجبل عامل (الجنوب اللبناني) وحبل حرمون وسفوحه وأعالي الجولان وهضاب صفد (فلسطين) ووادي الأردن وسواحل فينيقية الشمالية حتى بيروت والجنوبية حتى عكا” (2). هكذا وصف الشيخ سليمان ظاهر رحمه الله قلعة الشقيف أو قلعة شقيف أرنون في كتابه التاريخي (قلعة الشقيف) الذي حققه ولده عبدالله ونشرته الدار الإسلامية في بيروت عام 2002. وهي كما قال. فأنت إذا نظرت إليها من الشمال أو الغرب لا تدرك ارتفاعها الشاهق إلا إذا رأيتها من الجانب الشرقي من مجرى نهر الليطاني. فارتفاعها عن النهر 1500 قدم، أما ارتفاعها عن سطح البحر فهو 2205 أقدام (انظر الصورة التاريخية).

قلعة الشَّقيف 1910

 

يشير السهم إلى صورتي شاهرًا بندقية كلاشنكوف AK 47 في مرتفع القلعة في جنوب لبنان في مهمة إسناد لكتيبة بيت المقدس إبان حرب الاستنزاف بين القوات اللبنانية الفلسطينية المشتركة والجيش الإسرائيلي. التقط هذه الصورة مراسل مجلة ( الكفاح العربي) التي ما تزال تصدر في بيروت أواخر أغسطس 1980، ثم ما لبثت إلا قليلا حتى حلت كتيبتنا  (الكتيبة الطلابية أو كتيبة الجرمق ) في هذا القاطع الأمامي (قاطع قلعة الشقيف – كفرتبنيت – حرش النبي طاهر) محل كتيبة بيت المقدس، وحلت كتيبة بيت المقدس محلنا في ساحل الصرفند (بين صيدا وصور). ثم ما لبثت أن صرت  عامل اللاسلكي في قلعة الشقيف على تخوم الأرض المقدسة. وهي من أهم قلاع بلاد الشام، بناها الرومان ووسع فيها الفاتحون المسلمون، ثم احتلها الصليبيون ووسعوها، ثم حررها صلاح الدين الأيوبي .تقع على بعد سبعة كيلومترات من مدينة النبطية، ويشرف جانبها الشرقي على جرف شديد الانحدار ينتهي إلى بطن الوادي الذي يجري فيه نهر الليطاني الذي ينعطف حول المرتفع إلى الجنوب فالغرب.

والكلاشنكوف بلا منازع أشهر بندقية أفراد في العالم قاطبة، والأوسع انتشارا فيه. وحسب موسوعة ويكيبيديا فإن عدد قطع الكلاشنكوف 47 في العالم تقدر ب 75 مليون قطعة (3). وسمي بالكلاشنكوف نسبة إلى مصممه الروسي الرائد (آنذاك) ميخائيل كلاشنكوف، أما اسمه الرسمي فهو (47 (AK  و AK  هي اختصار للعبارة الروسية بندقية كلاشنكوف، والرقم 47 يرمز إلى سنة التصنيع 1947 (انظر الصورة). ولقد توفي كلاشنكوف برتبة فريق عام 2013 في شقته المتواضعة في موسكو، حيث زاره صاحبٌ لي فعبّر له عن ندمه على تصميم هذه البندقية التي تسببت في مقتل عدد لا يحصى من الناس حول العالم. ومع هذا شارك كلاشنكوف مع إيلينا جولي في وضع الكتاب المعروف (السلاح الذي غيّر العالم) وهو كتاب من أربعة كتب ألفها كلاشنكوف آخرها كتاب (مدونات مصمم سلاح) الذي صدر عام 1992.

كلاشنكوف مع البندقيَّة التي صمَّمها

 

وتكمن شعبية الكلاشنكوف في أنه سلاح بسيط سهل الاستعمال، ويمكن فكّه وتركيبه بسهولة؛

لهذا أدرج في قائمة أهم اختراعات القرن العشرين. ومن هذه البساطة جاء عنوان الكتاب (الأشياء المفيدة بسيطة) الذي نشره كلاشنكوف عام 2009. كما أن تصنيعه غير مكلف كذلك؛ إذ تصنعه حاليًا أو تستخدمه ثلاث وتسعون دولة إلى جانب الحركات الثورية والجماعات المسلحة، كما يمكن الاعتماد عليه؛ فهو سلاح صلب، أعطاله نادرة، ويعمل تحت كل الظروف. وقد استخدم بفعالية في كل الحروب التي شهدها العالم من عام 1950 إلى يومنا هذا، وأشهر هذه الحروب حرب فيتنام والحروب العربية الإسرائيلية. كما كان السلاح الرئيس لجيش التحرير الشعبي الذراع العسكرية للجبهة الشعبية لتحرير عمان بعد مؤتمر حمرير عام 1968.

 

ثم إن الجيش السلطاني العماني غنم معظم قطع الكلاشنكوف التي كانت بحوزة الثوار من خلال عدة طرق. الأولى أن الثوار الذين انشقوا عن الجبهة كانوا يحضرون معهم أسلحتهم الشخصية التي كانت جلها بنادق كلاشنكوف 47. الطريقة الثانية أن الثوار السابقين الذين انشقوا عن الجبهة والتحقوا بقوات الفرق الوطنية كانوا يدلون الجيش على مخابئ الأسلحة. الطريقة الثالثة كانت برنامجا ناجحا نفذته المخابرات، إذ اشترت بمبالغ مغرية كل أنواع الأسلحة والذخائر إذا كانت من النوع الذي يستخدمه الثوار، اشترتها من كل من يجلبها. وكانت المبادلة تتم أثناء الليل. وعندما سيطرت قوات السلطان المسلحة أواخر حرب ظفار على كهوف شيرشتي في منطقة رخيوت التي كانت مخازن الجبهة الرئيسة غنمت المزيد من بنادق الكلاشنكوف والأسلحة والذخائر، من بينها 50 ألف طلقة رصاص. والفرق الوطنية هي ميليشيا جبلية ذات مهارة تكتيكية عالية، منظمة على أسس قبلية من ثوار سابقين كان لهم دور حاسم في انتصار قوات السلطان المسلحة في حرب ظفار.

وتستخدم السلطنة هذا السلاح على نطاق محدود، إذ تستخدمه على سبيل المثال شرطة المنشآت النفطية؛ لأنه يعمل بكفاءة في الصحراء، ولا يتأثر بالأتربة وغبار الرمال، فببصيرته النافذة جعل كلاشنكوف أخاديد مسارات الأجزاء المتحركة أوسع من المعتاد.

 

—————-

 

نشرت صورتي أعلاه في مقال مصور في مجلة (الكفاح العربي) التي ما تزال تصدر في بيروت ثم عثرت عليها في كتاب عن القلعة. وقصتها أنه حينها لم تكن كتيبتنا قد انتقلت إلى النبطية إلى الخط الأمامي الذي تشكل قلعة الشقيف أحد أطرافه بعد . حينها كانت الكتيبة مرابطة في ساحل الصرفند في مواجهة الزوارق الحربية الإسرائيلية و متيقظة لأي إبرار، لكن في ذلك الوقت حدث هجوم ليلي ضخم  اشترك فيه 1200 جندي من  الكوماندوز الإسرائيلي على مواقع كتيبة بيت المقدس (نحو 100 مقاتل)  في كل من (قلعة الشقيف) و (أرنون) و (كفر تبنيت) و (حرش النبي طاهر) استشهد على أثره ٢٦ مقاتلا بينهم متطوع باكستاني، وكان ذلك في ١٨ أغسطس عام ١٩٨٠، فأرسلت الكتيبة مفرزة تعزيز لمدة أسبوع خلفتها مفرزة أخرى بتاريخ ٢٥ أغسطس كنت أحد أفرادها، حيث رابطنا لمدة أسبوع في القمة التي تقع عليها القلعة. ولقد تعرضنا طوال ذلك الأسبوع لقصف مدفعي متقطع في الليل و في النهار.

في يوم من تلك الأيام كنت جالسا بين صخرتين مرتديا خوذة الرأس فإذا بصوت خافت حثيث في داخلي يقول قم من هذا المكان، قم من هذا المكان. وما إن ابتعدت بضعة أمتار حتى سقطت قذيفة مدفعية في المكان الذي كنت فيه !

الحادثة الأخرى أنه بعد شهر من انتقالي إلى القلعة عاملًا لاسلكيًا رأيت في منامي والدي رحمه الله يأتي إلى القلعة، فرقّ له قلبي رقة شديدة، وقلت له هذا المكان خطير جدا، وفي ظهيرة اليوم التالي إذا بسيارة التموين تأتيني برسالة منه يستعطفني أن أعود؛ لأن الوالدة مريضة جراء سفري إلى الحرب، و قد كان له ما أراد، و قد أرسل الرسالة عن طريق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في أبو ظبي، إذ قابل سليم الزعنون ممثل المنظمة هناك حينها، وهو حاليا عضو في المجلس الثوري لحركة فتح حيث يقيم في رام الله. كانت الرسالة في مظروف أبيض ليس عليه إلا اسمي الحقيقي: محمد عبدالله عبدالرحمن العليان، وليس اسمي الحركي، ذلك أن جميع المنتسبين إلى حركة فتح يحملون أسماء حركية لا أسماءهم الحقيقية احترازًا أمنيًا.  اسمي الحركي كان: أحمد عمير.

 

وهناك رؤيا الأخ باسل السوري. كان نائما بالليل تحت شجرة غير بعيد عني، وفجأة استيقظ وهو يبكي، فقلت له ما الخطب ؟ قال رأيت للتو في منامي أن والدي قد توفي. سافر اليوم الثاني إلى بلده، وعاد لنا بعد أسبوع، وقال لنا أن والده قد توفي في تلك الليلة التي رأى فيها تلك الرؤيا!

ويذكر عالم الأحياء البريطاني ذائع الصيت روبرت شلدريك في كتابه الممتع،Science Delusion ، ضلالة العلم ، الذي أحدث ضجة في الأوساط العلمية الغربية، يذكر في الفصل التاسع: هل الخوارق النفسية وهم؟ تحت العنوان الفرعي: (الواجس والإدراك المسبق عند البشر)  يذكر حادثة مماثلة لحادثتي في قلعة الشقيف حيث يقول: ” خلال الحروب يكون الناس أكثر يقظة ضد الأخطار، والحق أن هناك أخطارًا أكثر في وقت الحرب. على سبيل المثال، تشارلز بنروه الذي خدم في الجيش الأمريكي السابع إبان الحرب العالمية الثانية، وشارك في غزو ألمانيا. فبعد عبور نهر الراين كان يقود في الليل سيارة ومعه ضابطان من رفقائه، يقول: فجأة سمعت في داخلي ذلك الصوت الخافت الحثيث. ثمة خطب ما في الطريق، لقد عرفت ذلك للتو. أوقفت السيارة غير عابئ بأنين الاثنين وصياحهم، بدأت أسير في الطريق، وبعد نحو خمسين ياردة عرفت الخطب، إذ كنا سنعبر جسرا؛ غير أن الجسر لم يعد موجودا، فقد تم تدميره، وكان هناك منخفض شديد الانحدار عمقه نحو خمس وسبعين قدما (4).

 

تدخل الحوادث الأربعة ضمن ما يسمى في علم الخوارق النفسية بالوعي غير الموضعي، فكلها إدراك مسبق يستعصي على التفسير المادي. وتشير ظاهرة الوعي غير الموضعي كالأحلام الاستباقية والإدراك المسبق إلى أن التفسير المادي للوجود تفسير خاطئ.

من تأثير هذه الخدمة العسكرية القصيرة في الكتيبة الطلابية فإني إلى يومنا هذا أصبحت شغوفا بالقراءة في  مجالات الاتصالات العسكرية والحرب الإلكترونية ومجالات الشفرات و التشفير. فأول كتاب قرأته أثناء دراستي في أمريكا من خارج المنهج الدراسي كان عن حرب فيتنام، وقد أثار إعجابي حرص الفيتناميين على تشفير رسائلهم وحسن استخدامهم لتكتيك الصمت اللاسلكي، وحرصهم على تدابير تفادي أجهزة تحديد الموقع اللاسلكي التي استخدمها خصومهم الأمريكيون بكثافة.

كان جهاز اللاسلكي الذي عملت عليه جهاز راكال  Racal TRA-931 وهو جهاز بريطاني الصنع، غير رقمي، سهل التنصت عليه وسهل التشويش عليه؛ إذ لا يتمتع بخاصية التشفير الصوتي والتردد النطاط كالطرازات اللاحقة له.(انظر الصورة).  وكنا على علم بأنهم يتنصتون على شبكتنا اللاسلكية ويسجلون مكالماتها، إذ إن لديهم وحدات كاملة متقدمة تقنيا للتنصت اللاسلكي، وأيضا أجهزة متقدمة لتحديد موقع الجهاز اللاسلكي (عن طريق تقنية التثليث) ومعدات حرب إلكترونية أرضية ومجولقة ومحمولة جوا. وما زلت أذكر حادثة تشويش واحدة (حادثة حرب إلكترونية).

جهاز راكال 931

قام كوماندوز إسرائيليون ليلا بإنزال بالمروحيات خلف خطوطنا، وهاجموا نقطة بعيدة يتمركز فيها ستة مرابطين استشهدوا جميعا. كانت قيادة الكتيبة قد علمت بالإنزال، وطلبت من جميع المواقع أخذ الحيطة والحذر. وفجأة شوّش الإسرائيليون على اتصالاتنا اللاسلكية؛ فلم تعد تسمع إلا شوشرة قوية جدًا. وبهذا تعطل الاتصال بين مواقعنا. ألهمني الله أن أخرج جدول الترددات الشهري، وأجرب ترددا تلو التردد حتى عثرت على شبكة الكتيبة تعمل على تردد جديد. إن نجاح التشويش اللاسلكي يعتمد على ثلاثة إجراءات فنية: أن تكون إشارة التشويش أقوى من إشارة الشبكة اللاسلكية المستهدفة، وأن تكون على نفس التردد و نفس التعديل (نفس الموجة الحاملة المعدلة وكانت في حالتنا التردد العالي ). وما زلت إلى يومنا هذا أشعر بالرضى كلما تذكرت هذه الحادثة فقد نجحت في مدة يسيرة في الخروج من نطاق التشويش وإعادة الاتصال بقيادة الكتيبة في ظلام حالك وطائرات حربية إسرائيلية تقوم بغارات وهمية نسمع دويها ولا نراها.

 

—————-

 

لا أنسى إلى يومنا هذا – وبعد مضي هذه الأعوام الطويلة – المرة الأولى التي تناولت فيه هذا السلاح المتفرد، الكلاشنكوف، أثناء دورة التدريب، وأطلقت طلقات على وضعية الإطلاق  نصف الآلي أي طلقة طلقة ثم على وضعية الإطلاق الآلي أي زخة زخة. ومن يومها تعلقت نفسي بهذه البندقية الأنيقة التي يكسوها الخشب، والقصيرة الخفيفة الوزن.

تولى تدريبنا نحن المتطوعين الجدد على حرب المشاة باستخدام الكلاشنكوف بالذخيرة الحية شاب لبناني، هادي الطبع، اسمه الحركي رائد، شاب متمرس لا يمكنك أن تنساه أبدا، ومعه اثنان من المعاونين. أخذني معه يوم عيد الفطر إلى بيروت لزيارة المقبرة التي تضم قبر أخيه الذي قتل في الحرب الأهلية. وجدنا المقبرة تعج بالزوار خاصة النساء المتشحات بالسواد. أحضر رائد دلو ماء و أخذ بغسل قبر أخيه المجصص بالأسمنت بعناية فبدأت أغسل معه إظهارًا للاحترام، بعدها عدنا أدراجنا إلى قواعدنا في الصرفند، ولم التق بأهدأ من رائد إلا الشهيد مروان الكيالي نائب قائد الكتيبة الذي اغتاله الموساد في قبرص مع اثنين من رفقائه أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، إنه أهدأ رجل قابلته في حياتي، وكانت تعلو وجه أحيانا مسحة حزن خافتة، وإلى يومنا هذا كلما ذكرته أسأل نفسي يا ترى ما سبب ذلك الحزن. لقد عانى فلسطينيون كثر معاناة  شديدة، فقد قابلت شابا فقد أسرته كلها في مذبحة مخيم تل الزعتر، وصدمني البؤس الذي رأيته في زيارة قصيرة إلى مخيم العباسية مع بعض الإخوة لحضور عقد قران أحد رجال كتيبتنا. اليوم يكاد يكون هناك إجماع عالمي بأن الفلسطينيين لحق بهم ظلم تاريخي جسيم يجب تصحيحه.

للكلاشنكوف 47 أخمصا من خشب، ولبعضها أخمص معدني قابل للطي، ويتم تلقيمه من مخزن يتسع لثلاثين طلقة (و لطرازات أخرى أحجام مختلفة من المخازن من بينها مخازن الطبل التي تتسع لمائة طلقة). ويبلغ معدل الإطلاق على الوضعية الآلية 100طلقة في الدقيقة أما على الوضعية نصف الآلية فيبلغ 40. وتنطلق الرصاصة من الفوهة بسرعة 715 متر في الثانية ويصل مداه المؤثر 800 متر. و عمره الافتراضي 15 ألف طلقة.

 

وقد كدت ذات مساء أقتل بهذه البندقية بالخطأ ! وقصة ذلك أنه التحق بنا في تلك الأيام ونحن مرابطون في ساحل الصرفند شاب فلسطيني من الأردن في الثلاثينات من العمر اختار لنفسه اسم عمر، غادرنا بعد أيام معدودات من وصوله قائلا إنه لم يأتِ ليقاتل؛ بل ليلتحق بالأجهزة الإعلامية كاتبًا. لكنّه قبل أن يغادر كاد يقتلني بالخطأ. كنا جلوسا على حافة الساقية في إحدى المزارع نتحدث، وسلاح كل واحد منا مسند بجواره على الجدار.قام عمر القادم الجديد بدون مقدمات وتناول بندقيتي، ووالله لم أشعر ولم يشعر أحد منا بسبب الانشغال بالحديث وحلول الظلام أنه لقّم البندقية. قرّب الفوهة حتى لامست بطني وهو يمازحني مبتسما، وبالله ما كانت إلا لمحة كلمح بالبصر بين ضغطة على الزناد وانحراف الفوهة إلى اليمين حيث مرت زخة الرصاصات . قفز خميس، أحد قادة الكتيبة، الذي كان إلى جواري، وانتزع منه البندقية، وأمّنها وأخذ يصفع عمر صفعات غاضبة جدا.

 

————-

 

في الجهة الشرقية للقلعة هناك ثلاث حجرات كبيرة مبنية على الجرف المنحدر ناحية النهر دون بعضها البعض، وليس فوق بعضها البعض (انظر الصورة بعد الترميم). اتخذنا أدناها مهجعا ليليًا للذين ليسوا في الحراسة، وهي عبارة عن ردهة واسعة ليس لها نوافذ يؤدي إليها سرداب مظلم، مدخله من ناحية الجنوب ليس له باب. كنا لا نستعمله إلا ليلا؛ لأن المسافة القصيرة إليه مكشوفة للعدو.

الحجرات التي على المنحدر بعد الترميم

 

كنا ننام بكامل عدتنا على بسط بدون دثار بعيدا عن المدخل، عند البسط كنا نضع فانوس كيروسين خافت الضوء، وعنده كنا نغلي الشاي (بدون حليب) على الحطب. ذات ليلة كنا في المهجع ثلاثة، أنا وشابان فلسطينيان نحتسي الشاي ونستمع من مذياع صغير إلى إذاعة لندن. وأذكر أن البرنامج كان البرنامج الشهير السياسة بين السائل والمجيب. جاء سؤال مفاجئ من سائل يسأل عن تاريخ الإمبراطورية العمانية في شرق أفريقيا وأسهب المجيب في الإجابة وأنا أتبسم للفلسطينيين الذين كانت تعليقاتهما مزيجا من الدهشة والمديح. كانت موافقة لا تنسى في ليلة ساكنة لا تنسى في مكان خطر جدا لا ينسى. لم يعلم الإسرائيليون أنه في تلك الليلة لم يكن في القلعة سوى ستة مقاتلين. نحن الثلاثة في المهجع وثلاثة في الحراسة. وجميعنا، نحن والإسرائيليون، لم نعلم أن الشاب الذي في الحراسة في المتراس أسفل القلعة أبو فتحي (مروان الزلوم) رحمه الله سيؤسس في الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية كتائب شهداء الأقصى !  استشهد في اشتباك مع الإسرائيليين في الخليل، فسبحان الله علام الغيوب. أخبرني أنه فلسطيني من قاطني الأردن، وأنه ترك دراسة الكيمياء في الجامعة الأردنية رغم تفوقه.

 

في 5 يونيو 1982 غزت القوات الإسرائيلية لبنان بخمس فرق مدرعة مدعومة بالطائرات المقاتلة والمدفعية والمروحيات الهجومية ( نحو 180 ألف جندي) حتى وصلت إلى بيروت. وبعد يومين من الحصار والغارات الجوية والقصف المدفعي والقتال سقطت قلعة الشقيف في يد القوات المهاجمة (1200 جندي من لواء النخبة جولاني) بعد أن استشهد فيها من كتيبة الجرمق ثمانية. أما في المواقع الأخرى فقد استشهد 12 مقاتلا من الكتيبة قبل الانسحاب إلى سهل البقاع. و لم يقع أي مقاتل في الأسر. في المقابل اعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل ستة من جنوده في الهجوم على القلعة بينهم قائد الهجوم اللواء جوني هارنيك.  من بين شهداء الكتيبة إخوة خدمت معهم، ولا يفارق خيالهم ذاكرتي، منهم الشهيد عبدالقادر اليماني (من اليمن الشمالي) الذي كان آخر عهدي به أن رأيته جالسا في التشهد من صلاة العصر على حافة الخندق. ومنهم الشهيد أبو النوف الذي أسرّ لي ذات ليلة باسمه الحقيقي الذي فاجأني: عبدالرحيم عليان ! ومنهم الشهيد أبو علي من مخيم الرشيدية جنوب صور وقد كان مقاتلا متمرسا وراميا ماهرا، ومنهم الشهيد محمد علي (فلسطيني من الأردن) وكان شابا جسورًا جدا. كنت أنا وهو نغني أحيانا معا الأغنية التي كانت تبثها إذاعة صوت فلسطين دائما: أنا يا أخي ، آمنت بالشعب المشرد فحملت رشاشي. أما الذي أهديه هذا المقال أمين رضا ( محمود) فقد كان أحد المدربين وقائد الفصيل، شاب لبناني على خلق وحسن ديانة، جمعتني به محبة في الله، وزمالة سلاح لا تنسى. كان آخر عهدي به عندما كنا نتراسل أثناء دراستي في الولايات المتحدة الامريكية. اسأل الله تعالى أن يريه هذا المقال ليعلم أني لم أنسه. كان في رمضان يضع لي الفتوش في كيس بلاستيكي قابل للفتح والإغلاق لأجل السحور إذا كنت في نوبة حراسة.

شهداء كتيبة بيت المقدس

 

في 23 مايو 2000 انسحب الإسرائيليون من قلعة الشقيف ومن كامل الجنوب اللبناني انسحابا مذلا بدون قيد أو شرط بعد حرب عصابات ناجحة شنها عليهم حزب الله. وفي عام 2015  فتحت وزارة السياحة اللبنانية القلعة للسياحة بعد سنوات من أعمال الترميم بتمويل من صندوق الإنماء الكويتي. ويقام عندها حاليا مهرجان سنوي، وشيدت بالقرب منها عدة مرافق سياحية فسبحان مغير الأحوال ! كانت القلعة تتكون من ستة طوابق متنافرة، لأنها مبنية على نتوء ضخم من الصخر وحوله، ومن هنا جاء اسم الشقيف الذي يعني بالآرامية: الصخرة. وبسبب الغارات الجوية الإسرائيلية لم يبق من الطابق السادس شيء، وأعلاها الذي نراه الآن هو بقايا الطابق الخامس.

 

—————

 

خرجت من صلاة العصر يوم 18 أكتوبر 1996 ، حقيقة لا مناما، أمشي في صلالة الجديدة راجعًا إلى أهلي وأنا بهيئة السنة، وإلى جواري يمشي ولدي عبدالرحمن وهو غلام ممسكا بيدي. يا إلهي ! توقفت واغرورقت عيناي بالدمع. رؤياي قد جعلها ربي حقا ! لتحقيق هذا الوعد حفظني الله من الموت في جنوب لبنان. كما قال يعقوب عليه السلام بعد خبر موت يوسف ” إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ “. ماذا كان يعلم ؟ كان يعلم أن يوسف ما زال حيا لم يمت. كيف علم ؟ لأن وعد الرؤيا لم يتحقق بعد ” إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ”.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أهدي هذا المقال إلى الأخ أمين رضا (محمود) ، بيروت، لبنان.

الإحالات:

(1) المقصود بهيئة السنة هي سنن المظهر كتقصير القميص وحف الشارب وتوفير اللحية وإسدال طرف العمامة.

(2) الشيخ سليمان ظاهر (2002). قلعة الشقيف. الدار الإسلامية : بيروت ، لبنان. ص 11

(3) https://en.wikipedia.org/wiki/AK-47. ص 250

(4) Sheldrake، Rupert (2013). Science Delusion. ص 250

0 870 08 يناير, 2019 الثالث بعد المئة, ثقافة وفكر يناير 8, 2019
Avatar

عن الكاتب

إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

عرض كل المواضيع التي كتبها محمد عبدالله العليان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.